عدم الارتباط بعمل ذو المعنى

أجلس على مكتبي، أراجع قائمة المهام الرتيبة البليدة التي علي القيام بها، أحاول شحذ همتي للبدء فيها، أنتهي من نصفها وأحرك رأسي إلى اليمين لألاحظ الكتاب القابع هناك منذ ما قبل “الجائحة” وقبل الانقطاع عن مقر العمل، أنهيت حينها ما لا يزيد عن خمسين صفحة وتركته في المكتب لأني لم أعلم بالطبع أننا سنعمل عن بعد لمدة عام ونصف تقريباً.

يتحدث الكتاب عموماً عن أسباب الاكتئاب، الأبحاث التي تمت على ما يخصه، اتجاه الطب النفسي إلى علاجه استناداً على أنه اختلال في كيمياء الدماغ دون الأخذ في الاعتبار الاختلالات التي قد تكون رئيسية جداً في حياة الإنسان.

بعد إجراء بحث مطول لعدة سنوات توصل الكاتب إلى وجود تسعة أسباب له، وكان السبب الأول: عدم الارتباط بعمل مجدي أو ذو المعنى.

أغلقت عيناي بمجرد ما قرأت العنوان، بعد أقل من شهر سأكمل عامين في مقر العمل الحالي، وهذه أطول مدة أقضيها في مقر عمل واحد. ولكنني كما ذكرت سابقًا لا أود الهرب هذه المرة إلى أقرب فرصة ممكنة، بل أود بذل ما في وسعي للتأكد من المكان القادم سيكون أفضل بدلاً من العودة إلى الدوامة ذاتها في كل مرة.

تذكرت المشهد الصباحي لليوم، عدة عمال يقطعون شارعاً غير معد للمشاة ويرتدون قمصاناً كُتب عليها من الخلف “I love my job” “أحب وظيفتي”. وانتابني ذات الشعور المزعج.

ذاته الذي ينتابني كل يومٍ صباحاً وأنا أشاهد مجموعة كبيرة من العمال يقفون في طابورٍ طويلٍ جداً للتأكد من درجة حرارتهم، يرتدون نفس الزي، ثم يمشون إلى نفس الاتجاه بالترتيب ذاته.

جاء الفصل هذا في وقتٍ مناسبٍ جداً، ووجدت أن الشعور الذي يعتصر أيامي مؤخراً له أبعاد حقيقية وليس أمراً مُتَخَيلاً:

يتحدث الكاتب عن (جو) البائع في محل الطلاء، الذي يقوم بنفس العمل بالترتيب ذاته كلما قام زبون بزيارة المحل ليطلب طلاءً، كل يوم وطوال اليوم:
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
وهكذا

لا أحد يلاحظ ما إذا كان قام بعمله على أكمل وجه أو بشكل سيء، يلقي مديره بملاحظاتٍ إذا كان متأخرًا فقط.

أثناء حديثه مع الكاتب، أخبره (جو) أنه يعلم أن هناك من يقاتل للحصول على وظيفته وأنه ممتن لامتلاكها ويشعر بالذنب لشعوره السيء تجاهها.
يقول (جو): “لستُ مثقفاً بما يكفي للشرح، لكن هناك شعورٌ غامر، هناك حاجةٌ لشيء ما لملء هذا الفراغ، على الرغم من أنك لا تستطيع أبداً وضع يدك على ما هية هذا الفراغ”.

يعلم أن الناس يحتاجون إلى الطلاء في حياتهم وأن عليه أن يكون شاكراً لأنه يمتلك هذا العمل، لكنه لا يستطيع ابتلاع فكرة أن هذا سيكون شكل حياته خلال الثلاثين عاماً المقبلة.

بناءً على دراسة يشير لها الكاتب، ٨٧٪ من الناس يجدون بعضًا منهم في قصة (جو).

يقول الكاتب أن هناك عرضاً للاكتئاب يسمى (الغربة عن الواقع)، وهو عندما يشعر الشخص أن كل شيء يقوم به غير حقيقي. ويعتقد أن هذا رد فعل طبيعي ومنطقي وبشري إذا عملت في وظيفة تشبه وظيفة (جو) طول حياتك.

ومن ثم يتطرق الكاتب إلى بحث طويل مفصل لأحد العلماء عن ارتباط ذلك بمعدلات الاكتئاب والقلق.

لا أعلم متى سينتهي شعور الحبسة هذا، ولا أعرف سبيل الخروج منه، ولا أمتلك تصوراً لشكل الوجهة التالية أو ماهيتها. لكنني أعلم أن هذه المرحلة مرهقة وطويلة وشديدة الانعزالية، هلامية لكن لها ثقل جبلٍ صخري، أشعر خلالها بوسع العالم وشديد ضيقه ومحدوديته.

أحاول مواجهة حقائق الحياة دون تجميل، أحاول معرفة طريقي فيها دون مثالية، أحاول أن أكون واقعية دون أن يأكل اليأس من روحي.

الأسبوع الماضي، بعد عامين تقريباً من الجلسات الأسبوعية أخبرت الأخصائية أنني أرغب في أخذ استراحة من الجلسات، أخبرتها أنني أشعر بأن عقلي فارغٌ تماماً ولا أمتلك ما أقوله، والحقيقة أنني تحدثت كثيراً عن كل ما لم أتحدث عنه يوماً. لكنني أشعر أنني وصلت معها إلى مرحلة لا تستطيع أن تنفعني خلالها إن صح التعبير.

أحتاج إلى إيجاد جذوري، إلى إعادة تعريف مرجعيتي، وهي لا تملك إرشادي إلى ذلك.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s