سَعَة

وجدت نزُلاً لا يسمح للسيارات بالدخول إلى المنطقة المحيطة به، يقع بين البرّ ذي الرمال البيضاء والمياه المحتوية على أشجار القرم، وهو أبعد ما يمكن في الظروف الحالية عن المدينة والسيارات.

أخرج للمشي عند شروق الشمس على الطريق الذي يتوسط المياه والأشجار، يزيد منسوب المياه بعد صلاة الظهر تقريباً ويعود للانحسار عند اقتراب المساء تاركاً خلفه بحيرات صغيرة. الهواء نقيٌ جداً وطازج يتسلل إلى رئتي وأتخيل أن لون حويصلاتي الهوائية يتغير ليصبح كالتّفاح الأحمر الأمريكي -دون أي أساسٍ علمي لذلك بالطّبع-، سكونٌ تامٌ يخلو من أصوات السيارات وأجهزة البناء تتخلله أصوات لطيورٍ لم أسمعها مسبقاً.

أشعر بالسّكون يجعل أفكاري المتراكضة تتباطأ حتى تقف، أبدأ في الاقتراب من النّور مرةً أخرى.

تظهرُ فكرة لها مظهر شخصٍ لئيم يشبه “عناد أبو العنود الذي ليس لطمعه حدود”: هذا كله مؤقت، ينتظرك واقعٌ شديد التشابك والتعقيد كشعرٍ في رأس شخص لم يقم بتمرير مشطٍ فيه منذ قرون وضياعٌ وتخبطٌ لا يُعرف له أساس ولا “راس”.

سأغرق في ذلك عند العودة، فلأغرق في هذا الشعور ولو آنياً.

أمدّ بصري إلى السماء والشجر، آخذ شهيقاً عميقاً: يا الله براد الجنّة وشجرها وأنهارها ونعيمها وطمأنينتها وسكينتها، حيث لا وصب ولا نَصَب ولا صخب ولا ضياع ولا صِراع ولا تخبّط ولا ظُلمة ولا تشوّش.

أسلم عليه وأودعه آملةً في لقاء قريبٍ على خير أو في شعور مشابه للشعور الذي منحني إياه.

وكأن المكان هو أقرب لشخصٍ تعرفت عليه منذ مدة قصيرة أصبحت له مكانة شخصٍ غالٍ جداً أعرفه منذ زمن طويل، شخصٌ منحني شعوراً بالألفة والانتماء والسلام والتصالح والسَّعَة.

نعم، السَّعَة، هذا أكثر شعورٌ أتمنّاه وأتوق إليه.
وفقاً لمعجم المعاني الجامع:
سَعَة/ سِعة: مصدر وسِعَ/ وسِعَ على/ وسِعَ لـ
– غِنًى ورفاهية : كثرة ووفرة.
– طاقة وقُدْرة وقوة.
سَعَة الصَّدر: التّسامح والحِلْم.
– على الرَّحْب والسَّعَة: أهلاً وسهلاً، بكلِّ التِّرحاب والارتياح.

أتعرّف الآن إلى أن شعور السَّعة بالنسبة لي هو الشعور الجامع للرّضى والقبول والسلام والتصالح والاستسلام، هو ما يسمح لعقلي بالانطلاق في خيالاته التي تجعل الأمل أكثر قُرباً.

لم أكن أعرف عن وجود هذا المكان على وجه البسيطة منذ أقل من أسبوعين، تغيّرت الخطة بسبب إيقاف الرحلات وفي أقل من يوم عثرت عليه وقمنا بزيارته والمكوث فيه لمدة يومين. أُحادِثُ نفسي: آمل أن يكون هذا شكل التغيير القادم، أن يكون هناك شيءٌ طيّبٌ جداً لا أعرف أنه موجود وأن أصِلَ إليه بلطف الله وفضله وكرمه. وأن يكون لهذه الظّلمة الخفيّة الملتصقة نهاية، ليس لأنني أستحق، بل طمعاً في كَرَمِ خالق هذه النّفس العليم بخفّي أسرارها.

وَهَبني الله وإياكم سَعَةً تغسل كل ضيق وتمحي كل ظُلمة وتجبر كلّ كسر وتَلُمُّ كل شتات.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s