“ليل والشّمس غابت”

لم أسكن يوماً في غير المدينة التي أسكنها حالياً، ولدت وكانت نشأتي كاملةً هنا.
إلا أنني حتى الآن أحاول إيجاد أرضٍ مشتركة بيننا والتصالح معها.

كنت أفضّل تجنب السفر لتجنب آثار العودة إليها، أياً كانت الوجهة. أتذكر بوضوح في صغري كانت هناك فترة غير قصيرة طالبت فيها والدتي بكل جدية بالانتقال منها، ثم “مناحات” العودة من إجازة العيد المتبادلة بعد كل عيد نقضيه مع الأقارب ودعائي بيني وبين نفسي بأن نتأخر عن موعد الطائرة لتقلع وتتركنا، متجاهلاً عقلي الصغير حينها إمكانية الحجز على رحلة أخرى للعودة.

حقيقةً، لم يتبادر إلى ذهني هذه المرة أن شعوراً بهذه الحدة قد يغمرني خاصةً بعد “فكّ” مساميري النفسية والجسدية وتنظيفها وتزييتها ووضعها في أماكنٍ أكثر ملائمة لها.
لكن قد يكون هذا هو السبب أيضاً؟
أنني أعرف هذا الشعور عندما يزورني لأنه أصبح غريباً علي يطل بين الحين والآخر بتكرارٍ أقل، بينما كنت سابقاً غارقةً فيه.
وربما لأنني هذه المرة لمست في نفسي جانباً جديداً ورأيت رأي العين للمرة الأولى أثر المكان المحيط واعتدال ازدحام المدينة وقدرتي على استخدام أقدامي للمشي في الشوارع حتى وإن كان الجو حاراً على حدة قلقي.

نفسي تتوق إلى الهدوء، إلى المناطق المفتوحة، إلى الشّمس والهواء الممتلئ برائحة البحر ورطوبته، يجعلني ذلك أشعر وكأن هناك قناةً مسدودةً في دماغي يتم فتحها ودخول الهواء إليها.

كأن ازدحام هذه المدينة وغضب الشوارع فيها يمشي على جسدي، وكثرة المباني وامتدادها المستمر إلى الأطراف وتجاوزها يجثم على رئتي.

منذ يومين وأنا أعجز عن القيام بأي شيء، الاستماع أو القراءة أو المشاهدة أو حتى الرغبة في ذلك أو في أي شيء آخر. أعيد الاستماع إلى أغنية أبو بكر سالم مراراً وتكراراً، أتأمل حماسه وابتسامته حين يكرر “عادنا إلا انطربنا والتلاحين طابت”.

لا تغيير ممكن يلوح في الأفق، أحاول التصالح معها والمحبة، لكن المحبة للأسف لا تُستجلب بمحاولات الإقناع المنطقية.

المخيف هذه المرة هو حدة وسرعة الانتقال من شعورٍ إلى أقصى الشعور الآخر، يشبه شعور “الهوّة” في المعدة الذي يصاحب السقوط من الأعلى في المنام، إلا أنه ممتد ولا يتوقف بالاستيقاظ من النوم.

هناك فراغٌ مريب يغطي كل شيء، ليس لقلة المهام أو الخطط لأنني عدت بعدة أمور أود بدأها وتنظيمها كخطة جانبية للتعلم والتجربة والتوثيق تعويضاً عن عدم وجود أي من ذلك في عملي، لكن هذا الفراغ الذي يملؤ حلقي كالبالون والعجز عن الرغبة الذي يسحبني كالمغناطيس إلى الأسفل لا يتزحزحان مهما حاولت خداعهما بالاستيقاظ مبكراً للمشي في الحديقة أو زيارة المقهى المفضل أو القراءة، العجز عن الرغبة حتى في التقاء من أحب والحديث معه.

يريبني استمرار العودة إلى المربع الأول لأنه غير منطقي، أغضب من نفسي لأنني لا أستطيع استشعار نعمة تَمَكّني من خوض هذه التجارب، يخالط ذلك شعورٌ بالذنب لأن نفسي سريعة الجزع والفزع والقلق.

أتردد كثيراً في الكبس على زر النشر، يمتلئ قسم مسودات المدونة بكتابات لا تنقل أو تنشر شعوراً لطيفاً، على الرغم من أنني أخبر نفسي دائماً أن الكتابة والنشر دون وضع العديد من الاعتبارات هو السبب الرئيسي للكتابة دون الإشارة إلى اسمي، لكنّ فكرةً أخرى تراودني في المقابل: هناك أناسٌ لم يُكتب عليهم تجربة مشاعر مظلمة، فلا أرغب أن أكون الشخص الذي ينقلها لهم.

لكنها للأسف -لي ولمن يقرأ- تجربة أخوضها مراراً.

2 comments

  1. As.wy · ديسمبر 12

    لا أدري لم ربطت مباشرة بين الركود والشعور بانك في فلاة لا تدري ماذا تريد أو أين تذهب، وبين الشعور الذي حكيتِ عنه. باعتقادي أنه بعد الراحة نحتاج خطىً مدروسة للاستئناف كي لا يضيع تعب البداية السابقة.
    اكتبي فهذا مهم جدًا، بينما أنتِ تستطيعين، غيرك لا يستطيع أن يكتب، وتُشعره القراءة لك بأنه حظي بنسيم ولو قليل.

    إعجاب

    • محاولة · ديسمبر 13

      هو فعلاً أقرب للشعور الذي قمتِ بوصفه. أحاول ذلك، وأستشعر أن الكتابة هي وسيلة لتخفيف الثقل وأتمنى أن من يقرأ يشعر بنسيم فعلاً وليس بسموم. 🙂

      Liked by 1 person

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s