والزّهر مفتّح، يا جماله.

منذ عدة أيام وأنا أشعر أن البئر يزداد عمقاً. قدمت طلب إجازة من العمل دون مقدمات أو تنسيق مسبق على خلاف المعتاد، لم أستطع حمل نفسي على الذهاب للعمل. وصلت لمرحلة لا أستطيع فيها سماع أصواتهم ولا أسمائهم ولا كتابة أية رسائل موجهة لهم.

أعرف أنه لا يمكن للعمل فقط أن يصل بي إلى هنا، ولكن الأسباب الأخرى لا أمتلك تغييرها، تتغير مشاعري اتجاهها بين حين وآخر وأحاول رؤية الجانب الأفضل، لكنه لا يمكن انتزاع الجذور.

واعدت صديقتاي المقربتين اليوم دون تخطيط مسبق، أجلت الأمر كثيراً، لم أكن أشعر بالقدرة على حمل نفسي على الخروج من المنزل ولم أكن أرغب في أن “أسمّم” يوم أو بدن أحدهم بكل هذه المشاعر السلبية. لكنني فعلت في النهاية لأنني أعرف أنهنّ من نعم الله وأفضاله علي وأن في رؤيتهن شفاءٌ وتهدئةٌ لكثير مما في نفسي.

التقيت بالصديقة الأولى قبل صلاة الظهر، وامتدت الأحاديث أربعة ساعات دون إحساس بالزمن، بعدها خرجت للتنزه مع الصديقة الأخرى في الحديقة، كان الجو لطيفاً، بعد المشي وتبادل أحاديث عامة، جلسنا على العشب لشرب القهوة، ثم نظرت إليّ في “وسط عيني” وقالت: ما علينا من كل هذا، إنتِ كيف حالك؟

وكانت هذه النظرة المليئة بالحب كمن ينفض عن كتفاي جبالاً رملية، تؤول الشمس إلى الغروب، يُرفع أذان المغرب بصوت نديّ، وأشعر بامتنانٍ وحمدٍ لله الذي قدّر أن تتقاطع طرقنا.

علاقات الصّداقة العميقة هذه في رحلتي حدثت في أكثر الأماكن التي يحذر الآخرون من علاقات الصداقة فيها (العمل)، وكانت من بيئات تختلف تماماً عن بيئتي، لكنها مكنتني من رؤية نفسي بعينٍ مختلفة محبة ورأت فيني مالم أستطع يوماً رؤيته. تصالحت مع جزءٍ كبير من نفسي التي أصارعها من خلالها، وشعرت أن هناك مكاناً ما مختلفاً يسعني، أضافت طعماً لذيذاً للمشاركة والحكايات، ودفئاً أتلمسه في أيامٍ قارسة البرودة.
علمتني أن أتصل بالآخر من جديد، وأن أثق، وأن أخاطر بالمحبة والانفتاح على الآخر مع احتمالية وجود الألم، وأصبحتُ أفضل احتمالية الألم على أن تكون حياتي خاليةً من كل الألوان التي تضفيها هذه العلاقات على نفسي ونظرتي للأمور وحياتي ومشاعري اتجاه كل شيء.

قبل عدّة أعوام مرّ علي بيت شعر مترجم للانجليزية لشاعر فارسي يقول فيه:

“I wish I could show you when you are lonely or in the darkness the astonishing light of your own being”
“أتمنى أن أستطيع أن أريك نورك المذهل عندما تكون وحيداً أو في الظلمة”

وأعتقد أن هذا ما تهديه إليّ هذه الصداقات مراراً وتكراراً، تمكنني من رؤية النور في خضم العتمة، ويكون لكلماتهم وقع الأكفّ الممدودة التي تشد عضدي، وأتمنى حقاً وصدقاً أن أستطيع رد هذه الجمائل والأفضال.

أنهي اليوم في طريق العودة بالاستماعِ ل الدنيا بتضحك حوالينا.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s