آب- ٢٠٢٢

أستيقظ دون رغبةٍ حقيقيةٍ في الاستيقاظ بعد أن خلدت إلى النوم البارحة قرب الساعة الثالثة صباحاً، لديّ مستندٌ طويلٌ أجلت قراءته ومراجعته وتدقيقه لمدة يومين، أقسّم عدد الصفحات لكي أخفف ثقل ذلك على نفسي. أن أبدأ أي شيء مهما كان معقّداً من الصفر أسهل عليّ من المراجعة والتدقيق.

جلست لقراءة عددٍ من الصفحات لكنني بالطبع وجدت الوقت مناسباً لتنظيف آلة القهوة التي بُحَّ صوتها وهي تنادي لتنظيفها داخلياً منذ عدة أسابيع، ووجدت حاجتي للقهوة عذراً مناسباً للمزيد من التأجيل.

الأسابيع الماضية كانت مليئة، الكثير من الأحداث تبدو هلامية وسريعة، يخيّل لي كثيراً من الأحيان أن هذا هو ديدن حياتي منذ أن بدأ دوري كلاعب رئيسي في القصة.

أقمت لما يزيد عن أسبوعين في منزل العائلة بسبب إصلاحاتٍ في المنزل، كنت أستيقظ على صوت والدتي في صالة المعيشة تهاتف هذا وذاك للسؤال والتأكد من أن الأمور تسير على ما يرام سواءً كان ذلك فيما يتعلق بالمنزل والعائلة أو الآخرين، أتجهز لليوم وأخرج من الغرفة لتسألني ما إذا كنت أرغب في أن ترسل السائق ليحضر “فول وتميس” للإفطار.

ثم ننزل لتناول الإفطار على طاولة المطبخ، التي أصبحت الطاولة الرئيسية باستثناء أيام نهاية الأسبوع بعدما خرج الأغلب من المنزل واستقل مع أسرته الصغيرة. أحب في تفاصيل المنزل أنه ليس حديثاً، تملؤه الشمس من كل مكان لكنه مليءٌ بالتفاصيل والنقوش التي مضى عليها ما لا يقل عن ٣٠ عاماً.

أكمل مهام العمل في غرفة طعام الضيوف، وأبدء يوم العمل بين كراتين رطب نخيل المنزل الذي ستقوم والدتي بالإشراف على تقسيمه وتوزيعه، وهي العادة السنوية التي تستمر أسابيع عديدة حتى ينتهي موسمه.

بعد مضي الأسبوعين، دخلت والدتي إلى المستشفى لإجراء عملية من عمليات اليوم الواحد.

أتأمّل تغير العلاقة بيني وبين والدتي عبر السنين، المراحل التي شهدتها ومرّت بها. نشأت وأنا أراها قوية الشخصية لا تخاف سوى من خالقها، يهابها الآخرون، شديدةً وحازمةً وجديّة، لذا كانت المعلمات يستغربن من تجرؤنا على مخالفة الأنظمة والمشاغبة بشكل مستمر وقدرتنا على الاعتراض والمجادلة. لكنني الآن أفهم، فمع شدتها إلا أن رحمتها وحنانها بنا وبأي من وما يمر عليها من المخلوقات طغت على تعاملها معنا، فكنا نعمل لها حساباً لكننا لا نخافها لدرجة أن يطغى هذا الخوف على تكويننا، النقاش المنطقي دائماً متاحٌ على الطاولة والتعبير عن الاعتراض مرحب به. رأيتها خلال حياتها وحتى وقد بلغت السبعين تعتذر وتستغفر بعد أن تشعر بالخطأ أو التقصير للصغير قبل الكبير، وللضعيف قبل القوي، ولا زالت تطلب أن ننبهها إذا ما رأينا تقصيراً وتسألنا إذا ما كان هنالك ما تستطيع تقديمه لمساعدتنا على النمو والتجاوز، وتدعو الله بأن يعوّض قلوبنا ويمسح عنها التجارب التي تركت آثاراً قاتمة. عرفتها تتغير باستمرار، وتطلب وتبحث عن ذلك بصدقٍ دون أن تفقد الأمل بالله، وتدفع بنا إلى ذلك بكل الطرق حتى الغير تقليدية منها.

أتأمل كيف شكلني و”عجن” طينتي ذلك، وكيف أنه منحني جوانب عديدة مختلفة دون جهدٍ منّي، كيف ساهم ذلك في منحي ذهناً يمحّص الأمور ويتأمل كثيراً، وبوصلةً أعود إليها كلما أضعت الطريق واختلطت علي الاتجاهات، وكيف تشكلت الحدود التي تضع حداً لتعدي الآخر، فحثّنا على التعامل مع الآخر بعين الرحمة دائماً ووضع أنفسنا مكانه كان لا يتنافى مع تشجيعنا الدائم على عدم السكوت على التعدّي سواءً كان ذلك اتجاهنا أو اتجاه أي كائن آخر.
وكيف أُفهمنا أن القلب لصحته عليه ألا يتعلق إلا بالحي الباقي لأنه لا دائم سواه، هي التي فقدت والدتها -رحمها الله- التي كانت شديدة التعلّق والمحبة لها وهي ابنة السادسة عشرة في حادث مفاجئ وكانت للتو قد تزوجت وسافرت إلى الولايات المتحدة لتكمل تعليمها الثانوي والعالي، فلم تتمكن من توديعها لأن الخبر وصل متأخراً جداً حيث كان التواصل حينها معقداً، ولا تزال تتأثر بشدة حين يأتي ذكرها أو تمر أي مناسبةٍ تتعلق بالأم على الرغم من مضي ما يقارب خمسةً وخمسين عاماً.

أتأمل العروق على يدها اللّينة، وهذه الألفة والأنس تجاهها اللذان لا يشبهان أي شيء آخر، وأحمد الله على نعمة المحبة والرحمة الفائضة التي جعلها في قلبها اتجاهنا ووهبني من خلالها معاملاً ثابتاً في حياتي، وكلما ضاق بي الأمر واشتد، أتذكر لطف الله وكرمه الذي حفني به قبل أن أخرج إلى الوجود بأن جعلها لي والدة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s