ضاعت وسط الزحام

يقول طلال مداح رحمة الله عليه: “تسعة وعشرين عام ضاعت وسط الزحام”، ويقول الدكتور غازي القصيبي رحمه الله: “خمسٌ وستون في أجفان إعصارِ، أما سئمت ارتحالاً أيها الساري؟”

اليوم أكمل واحداً وثلاثون عاماً على كوكب الأرض، ضاعت وسط الزحام ووسط أشياءَ أخرى عديدة، وقد سئمت الارتحال وأتوق جداً إلى حط الرحال، في هذه الدنيا التي تبدو أحياناً حقيقية جداً وطويلةً جداً وأبدية وأحياناً أخرى يعينني في تخطيها فكرة أنها مؤقتة قصيرة جداً وأننا يجب أن نعاملها (كراكبٍ استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها)، وأعتقد أن من يملك وضعها في هذا الموضع فقد ملك الدنيا وما فيها.

البارحة تذكرت فجأة أن اليوم يصادف يوم ميلادي، وخطر في ذهني حينها أنني أرغب في قضاء اليوم بهدوء، أن أعود من العمل وآخذ قطعةً من كعكة التمر بدقيق اللوز التي خبزتها يوم السبت لأتناولها مع نعانيع المدينة، وأجلس لأقلب السنة الماضية في ذهني. خطر لي أن أعود لأقرأ ما كتبته السنة الماضية (لأقارن التغيير) لكنني أحسست أنه من الأفضل أن أفكر وأكتب بناءً على ما يملؤ ذهني وقتها وبناءً على إحساس اللحظة.

إلا أنني أنهيت ليلتي بمكالمة قصيرة في ظاهرها ولكنها تسببت في ضغط كل “الأزارير” التي أعمل جاهدةً على ضبطها، لكني الآن لا أقاوم ذلك ولا أغضب، بل أحس بضعفٍ بشري شديد وبشكٍ عميق في جدوى ما أعمل عليه جاهدة. ويستمر ذات السؤال بالظهور على السطح، أتذكر ظهوره أول مرة في أحد الصباحات في طريقي للعمل عندما استمعت إلى آية “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار”، حينها خنقني هذا السؤال: هل أنا شجرةٌ خبيثة؟ هل يمكن لتعفن الجذور أن يعالج للأبد أم أنه يختبئ تحت السطح ليعاود الظهور دائماً مرة أخرى؟

أتأمل السنة الماضية، أتأمل القيعان الجديدة والأكثر عمقاً التي وصلت لها ولم أرَ للنجاة سبيلاً، محاولة التسليم المليئة بالأسئلة والألم والضياع. لا زلت لم أجد وزنيةً أستطيع الانطلاق بها ومنها بثبات واتزان. لا أعلم إن كان هذا نهائياً لكنني أشعر أنني وصلت إلى نهاية قصتي مع جلسات العلاج. كانت كثيرة الفائدة في العامين الماضيين، ساعدتني في “فكفكة” كل ما كان مشوشاً ومركباً ومعقداً وهي أمور شديدة الثقل، لكني فجأة وجدت نفسي في الهواء إن صح التعبير. فلا منهجية متينة أستطيع استخدامها لتحسس طريقي ولأعيد تعريف نفسي وعلاقاتي وجذوري، ولا أسس ثابتة تتجانس مع الواقع والمعطيات تمكنني من الاتصال بما تم تفصيله بشكل لا يؤذيني دون الانقطاع عنه تماماً لاستحالة ذلك.

وكأن الهواء والخواء يحيطان كل شيء، ولا أمتلك رفاهية إيقاف كل شيء آخر يجري والجلوس والتبحر والتمعن والتقصي لمحاولة لم هذا الشتات وإعادة تعريف وتثبيت الأساسات.

أتمنى أن أمتلك القدرة على مواجهة حقائق الحياة دون تجميل ودون جزع، أن أتمكن من الإحساس بالألم هذا دون أن يأكل جزءاً من روحي في كل مرة، وأن يغمرني الله بطمأنينة ورضى ويقين يغسل بها قلبي وينزع عنه القلق الذي عُجن به وأن يشفي ظُلمته، وأن يدلّني على أسباب ذلك.

عدم الارتباط بعمل ذو المعنى

أجلس على مكتبي، أراجع قائمة المهام الرتيبة البليدة التي علي القيام بها، أحاول شحذ همتي للبدء فيها، أنتهي من نصفها وأحرك رأسي إلى اليمين لألاحظ الكتاب القابع هناك منذ ما قبل “الجائحة” وقبل الانقطاع عن مقر العمل، أنهيت حينها ما لا يزيد عن خمسين صفحة وتركته في المكتب لأني لم أعلم بالطبع أننا سنعمل عن بعد لمدة عام ونصف تقريباً.

يتحدث الكتاب عموماً عن أسباب الاكتئاب، الأبحاث التي تمت على ما يخصه، اتجاه الطب النفسي إلى علاجه استناداً على أنه اختلال في كيمياء الدماغ دون الأخذ في الاعتبار الاختلالات التي قد تكون رئيسية جداً في حياة الإنسان.

بعد إجراء بحث مطول لعدة سنوات توصل الكاتب إلى وجود تسعة أسباب له، وكان السبب الأول: عدم الارتباط بعمل مجدي أو ذو المعنى.

أغلقت عيناي بمجرد ما قرأت العنوان، بعد أقل من شهر سأكمل عامين في مقر العمل الحالي، وهذه أطول مدة أقضيها في مقر عمل واحد. ولكنني كما ذكرت سابقًا لا أود الهرب هذه المرة إلى أقرب فرصة ممكنة، بل أود بذل ما في وسعي للتأكد من المكان القادم سيكون أفضل بدلاً من العودة إلى الدوامة ذاتها في كل مرة.

تذكرت المشهد الصباحي لليوم، عدة عمال يقطعون شارعاً غير معد للمشاة ويرتدون قمصاناً كُتب عليها من الخلف “I love my job” “أحب وظيفتي”. وانتابني ذات الشعور المزعج.

ذاته الذي ينتابني كل يومٍ صباحاً وأنا أشاهد مجموعة كبيرة من العمال يقفون في طابورٍ طويلٍ جداً للتأكد من درجة حرارتهم، يرتدون نفس الزي، ثم يمشون إلى نفس الاتجاه بالترتيب ذاته.

جاء الفصل هذا في وقتٍ مناسبٍ جداً، ووجدت أن الشعور الذي يعتصر أيامي مؤخراً له أبعاد حقيقية وليس أمراً مُتَخَيلاً:

يتحدث الكاتب عن (جو) البائع في محل الطلاء، الذي يقوم بنفس العمل بالترتيب ذاته كلما قام زبون بزيارة المحل ليطلب طلاءً، كل يوم وطوال اليوم:
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
وهكذا

لا أحد يلاحظ ما إذا كان قام بعمله على أكمل وجه أو بشكل سيء، يلقي مديره بملاحظاتٍ إذا كان متأخرًا فقط.

أثناء حديثه مع الكاتب، أخبره (جو) أنه يعلم أن هناك من يقاتل للحصول على وظيفته وأنه ممتن لامتلاكها ويشعر بالذنب لشعوره السيء تجاهها.
يقول (جو): “لستُ مثقفاً بما يكفي للشرح، لكن هناك شعورٌ غامر، هناك حاجةٌ لشيء ما لملء هذا الفراغ، على الرغم من أنك لا تستطيع أبداً وضع يدك على ما هية هذا الفراغ”.

يعلم أن الناس يحتاجون إلى الطلاء في حياتهم وأن عليه أن يكون شاكراً لأنه يمتلك هذا العمل، لكنه لا يستطيع ابتلاع فكرة أن هذا سيكون شكل حياته خلال الثلاثين عاماً المقبلة.

بناءً على دراسة يشير لها الكاتب، ٨٧٪ من الناس يجدون بعضًا منهم في قصة (جو).

يقول الكاتب أن هناك عرضاً للاكتئاب يسمى (الغربة عن الواقع)، وهو عندما يشعر الشخص أن كل شيء يقوم به غير حقيقي. ويعتقد أن هذا رد فعل طبيعي ومنطقي وبشري إذا عملت في وظيفة تشبه وظيفة (جو) طول حياتك.

ومن ثم يتطرق الكاتب إلى بحث طويل مفصل لأحد العلماء عن ارتباط ذلك بمعدلات الاكتئاب والقلق.

لا أعلم متى سينتهي شعور الحبسة هذا، ولا أعرف سبيل الخروج منه، ولا أمتلك تصوراً لشكل الوجهة التالية أو ماهيتها. لكنني أعلم أن هذه المرحلة مرهقة وطويلة وشديدة الانعزالية، هلامية لكن لها ثقل جبلٍ صخري، أشعر خلالها بوسع العالم وشديد ضيقه ومحدوديته.

أحاول مواجهة حقائق الحياة دون تجميل، أحاول معرفة طريقي فيها دون مثالية، أحاول أن أكون واقعية دون أن يأكل اليأس من روحي.

الأسبوع الماضي، بعد عامين تقريباً من الجلسات الأسبوعية أخبرت الأخصائية أنني أرغب في أخذ استراحة من الجلسات، أخبرتها أنني أشعر بأن عقلي فارغٌ تماماً ولا أمتلك ما أقوله، والحقيقة أنني تحدثت كثيراً عن كل ما لم أتحدث عنه يوماً. لكنني أشعر أنني وصلت معها إلى مرحلة لا تستطيع أن تنفعني خلالها إن صح التعبير.

أحتاج إلى إيجاد جذوري، إلى إعادة تعريف مرجعيتي، وهي لا تملك إرشادي إلى ذلك.

قد تكون الإجابة في القاع

أجلس في مساحة عملٍ مطبقة الصمت حتى أنني تذكرت صمت قاعات الامتحانات، أحاول إنجاز مهام العمل التي أحتاج إلى مصارعة نفسي وقلبي وشعوري حتى أنجزها. أشعر كأنني أضع عقلي في مربع متناهي الصغر.

يمر الصباح بسلام، أنجزت معظم المهام، ثم يأتيني اتصالٌ منه لأسائل عن تأخير في العمل ليس لي علاقةٌ به، يبدأ الغضب يجري في دمي. أحد مشاكل التعامل المستمر مع هذه الشخصيات أنك تصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها كل شيء رمادياً ولا تعود تميز ما إذا كان الأمر خطؤك فعلاً أم لا، ويصبح هذا الشك المستمر في نفسك شديد السّميّة.

بعد أن أغلق الهاتف أشعر باختلال اتزاني، وبأن هذا التعامل المباشر معه والذي قد يصل لأربعة أشهر حتى تعود صاحبة المنصب الفعلي من إجازتها للتعامل معه بدأ يأكل من روحي. أحاول فصل شعوري عنه وعن العمل ولكن ذلك يجعلني أشعر بأنها بداية فصلٍ لمشاعري عن كل ما ومن يحيطني سلباً وإيجاباً.

لا أملك تجزئة مشاعري وإطفائها أو خفض صوتها وأثرها حينما أرغب في ذلك ومن ثم السماح لها بالسريان حينما لا يكون الخطر محدقاً.

ليس لدي خيارٌ آخرٌ واضح الآن والطريق يبدو شديد الضبابية، لكنني لا أستطيع التوقف عن سؤال نفسي ما الذي يستحق هذا كله؟

نعم، هناك دخل مادي يفتح أمامي عدة آفاق، هناك احتكاكٌ بالآخرين بدلاً من الفراغ التام، هناك طريقٌ أسلكه وأحاول تحسس مكاني فيه وإن كان ذلك يبدو كالوهم الذي “أضحك به على نفسي” أحياناً.

أين يقع الخط الأحمر الفاصل بين حاجتنا للعمل الواقعية وبين ما يخل بجذور أماننا النفسي واتزاننا؟

أرى كل شيء يتكرر مرة أخرى في كل عمل ووظيفة تقريباً باختلاف شكل الأحداث، أصطدم بذات الجدار مرة تلو الأخرى.

يبدو الاستلام مغرياً أكثر من أي وقت مضى، تميل نفسي إلى أن أفلت يدي عن زمام كل الأمور، إلى أن أترك العمل وكل شيء آخر تماماً، أن أنعزل، أن أصل إلى ما تحت الصفر، إلى أعمق نقطة ممكنة في القاع، علّني أجد بعض الإجابات هناك.

من العايدين

أجلس في هدوء لذيذ أرتشف الشاهي “المنعنع” المتبقي من ضيافة فطور العيد اليوم. هذا العيد وعلى سبيل التغيير دعوت عائلتي لإفطار العيد في منزلي بدلًا من أن يكون الإفطار مشابهاً إلى حد كبير للاجتماع الأسبوعي يوم الجمعة.

كانت هذه المرة الأولى التي أدعوهم فيها جميعاً لأنني كنت أتجنب ذلك نظراً لعدم اتساع المكان لكنني في نفس الوقت قررت ذلك لأزيح بعض العبء عن كاهل والدتي، ولإضفاء بعض التغيير للعائلة إضافةً إلى أنني أرغب منذ مدة بدعوتهم لمنزلي بعد التغييرات الجذرية التي خضع لها العام الماضي.

صحيح أن أقدامي حالياً متحجرة وأشعر أن ظهري متيبس، إلا أن قلبي ممتلئ ولله الحمد. أشعر أن دخول الضيوف إلى المنزل يحمل معه دائماً بركة وتجديداً ما، يحرّك طاقة المكان ويجدد شعوري نحوه.

هدوء لذيذ بعد عاصفة لذيذة. أرغب في التمسك بهذا الشعور والغرق فيه قدر المستطاع وعدم التفكير في أي شيء آخر، أود غمر نفسي في هذه اللحظات وتناسي ما ينتظرني، فالأسابيع الماضية كانت شديدة الثقل نفسياً ولا زلت لا أعلم مالذي يمكنه انتشالي من القاع الذي وصلت إليه سوى لطف الله الذي لا أمل لي بسواه. أشعر بنفسي وعقلي وروحي مؤخراً وكأنها غرفة قام أحدهم بقطع الكهرباء عنها تماماً ولا أعرف كيف أرى طريقي أو أجد سبيلي إلى الضوء والهواء مرة أخرى. كنت سأسهب في الكتابة عن ذلك البارحة ولكن هذه الكهرباء التي انقطعت شملت طاقتي الكتابية أيضاً وشعرت أن أصابعي شديدة الثقل على لوحة المفاتيح.

أتذكر مقولة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله لا أذكرها بحذافيرها ولم أستطع إيجادها عن لحظات من السكون والسلام والصفاء يبدو كل شيء في العالم في مكانه الصحيح خلالها ونتمنى بقائنا فيها إلى الأبد.

وجودنا جميعًا حول طاولة واحدة بصحة وعافية، لا نزاعات دفينة، قيام إخوتي ب”تثقيل دمهم” على والدتي، الأحاديث الصاخبة، الأصوات المرتفعة والضحكات المجلجلة، أرغب بنسيان نفسي هنا لأنني أخاف العودة إلى نفسي مرة أخرى.

أحب في العيد أنه يمنح هذه المساحة: سأنسى وأتناسى “بالقوة” إن لم أنسَ اليوم وبعد ذلك “يحصل خير” وأحب هذا التغيير في الروتين الذي يتقبله الجميع ويحتفي به دون اعتراضٍ أو امتعاض.

كل عامٍ وأنتم وأحبابكم بخير وصحة وسلامة وعافية، جبر الله قلوبكم ونفوسكم ومسح عليها بالرضى والألطاف والرحمات والعطيات، وأسبل عليكم شفاء الظواهر والبواطن إنه على كل شيء قدير وبكل شيٍ محيط.

ضوء في آخر النفق

أشعر أنني في الفترة الحالية أمر بمرحلة انتقالية مفصلية، تبدو الأمور في ظاهرها كما هي هادئة وادعة ساكنة، لكنني داخلياً أشعر بأنني أنتقل من مرحلة وشخص كنته واعتدته طوال السنوات الماضية إلى مرحلة “أنخل” فيها أشياء عدة كانت لصيقة بي. وكأنني كنت أرى العالم ونفسي بألوان مختلفة جداً ثم بدأت الألوان في التغير، وخلال هذا التغير هناك الكثير من التشويش وتداخل الألوان الذي علي محاولة تفنيده وتصنيفه بكل صبر وروية.

هذه المرحلة الانتقالية غير مريحة البتة، تأخذ وقتاً وجهداً وتحتم علي الجلوس مع مشاعر اعتدت الهرب منها أو تجنبها، لكنني أعرف أن في ثمارها تزكية وتصفية للنفس.

مؤخراً عدت للاستماع للشيخ محمد أيوب رحمه الله، كان الصوت الذي أنام على سماعه في طفولتي وربما لهذا ولوقتٍ طويل كان مرتبطا لدي باللحظات المفصلية التي تسبق صراع الخلود للنوم الذي نقاومه في صغرنا ونتطلع إليه حين نكبر وتزداد المسؤوليات.
في أحد الأيام أثناء مشوار الذهاب إلى العمل، استمعت إليه وهو يقرأ سورة فاطر، شعرت وكأنها المرة الأولى التي أستمع إليها فيها، وكأن أقدامي المعلقة في الهواء قلقاً بدأت في العثور على أرض صلبة، وأصبحت أصطحب سماعها هذه الأيام صباحاً كل يوم.

بعد الانتهاء من أحد الجلسات ذات العيار الثقيل التي تتركني أحيانًا مع شعورٍ مثقلٍ بحدة مشاعري وتشابكها وتساؤلات حول جدوى الحديث وما إذا كانت هذه البذرة التي أشعر في أوقات كثيرة بأنها “غير طيبة” أبداً ستتحول يوماً ما إلى شيء طيب ذا ثمر حسن أم أنها ستظل هنا دائماً، أغمضت عيني وشعرت بأن الظلمات كثيرة ومتراكمة، ثم فجأة زارتني خاطرة لم تزرني من قبل: أن الظلمات حيثما ذكرت في القرآن فهي بصيغة الجمع أما النور فهو دائماً مفرد، أن الظلمات طبقات وأشكال متعددة المصدر، أما النور وآثاره فله مصدر واحد، وأن نور السماوات والأرض هو الغالب والقاهر والقادر والشافي وإن شعرت أنني في قاع الظلمات.

أن رحلتي وإن كانت صارخة الاختلاف فهي جزء من قدري، أن ما أنا عليه الآن وما أمر به هو جزء لا يتجزء
من الرحلة وإن كان فهمي واستيعابي وعلمي قاصرين عن سبب ذلك.
وشعرت بالضوء في آخر نفق.

الاحتفاء بمسمى الدور أم بالأثر

لا أحب فكرة وجود أيامٍ عالميةٍ محددة للاحتفال بدورٍ ما، أفضل فكرة الاحتفال بأيام تتعلق بتواريخ شخصية، كمراجعة ما مررت به وتجاوزته وما وصلت إليه في ذكرى يوم ميلادي، ذكرى يوم الزواج وتأمل ما تخطيناه، الأعياد..الخ.

لا أفضلها لأنها تفتح ملفات ومشاعر مختلفة لأشخاص مختلفين، لأنها تفترض أداء السواد الأعظم من البشر لأدوارهم بإحسان، ولأن العلاقات البشرية علاقات شديدة التعقيد ولا أحب إعطائها صبغة المثالية لأن البشر ضعفاء ومتغيرون ومتقلبون، ولأن هذه الأيام تجعل هناك ثقلاً معيناً إذا كان لأصحاب هذه الأدوار في حياة الشخص أدواراً مختلفةً تماماً عن التصور المشاع والمُتغنى به عموماً.

مع البر والإحسان لأن الخالق أمر بهما، لكن حتى هذين المفهومين ليس لهما شكل واضح محدد، لأن كل علاقة تختلف بشكلها وتاريخها وعقدها وحاضرها ومعطياتها. حاولت كثيراً إعطاء نفسي مفهوماً ينسجم مع قيمي وإيماني لكن لا يتنافى مع طبيعة النفس البشرية ويكسرها ويتطلب منها ما لا تطيق. وإلى الآن لا أكاد أضع يدي عليه.

لا أحب فكرة الأمور العامة السائدة لأنها تضع اختلاف تجربة الشخص عن الأغلب محل تركيز، لأنها تجعل المختلف يشعر أن هناك ما ينقصه لاختلاف تجربته، أنه أقل من الآخرين حظاً أو مكانة في نفسه أو أن هناك خطأً ما إما في تكوينه كشخص أو أن مشاعره غير سوية أو أنه لا يستحق أن يكون كما الآخرين أو أنه ارتكب خطأً ما في حياته تسبب في وضعه.

أفضل فكرة الاحتفاء بالأشخاص بغض النظر عن مسمى أدوارهم، أولئك الذين استطاعوا رؤية وتلمس النور فينا ونحن في قاع الظلمات، والذين أحبونا ونحن لا نطيق أنفسنا، الذين لم يفقدوا فينا الأمل حين فعلنا، ولم يفلتوا أيدينا حين أردنا التخلي عن كل شيء. الذين أحسنوا إلينا وحاولوا لم شتاتنا بما لديهم من إمكانيات دون حتى أن يدركوا أنهم ساعدونا على رؤية أنفسنا بأعين مختلفة.

سبت وأفكار عشوائية

أفضّل إنهاء يوم السبت بحمامٍ طويل ساخن محاولةً لعكس ذلك على الحالة الشعورية والتخلص من مشاعر الأسبوع الذي سبقه وبداية أسبوع جديد.

منذ العودة للعمل في المكاتب الأسبوع الماضي، أصبح نهار السبت مخصصاً لتجهيز وجبات الأسبوع التي آخذها معي للعمل، فجأة أصبحت ساعات اليوم والأسبوع تبدو أقل بكثيرٍ مما كانت عليه. إضافة لاعتيادي الصمت والهدوء لساعات طوال أثناء العمل من المنزل، لذا فإن طاقتي تكاد تكون معدومة بعد الانعزال عن الاحتكاك المكثف بالناس فترة طويلة.

الأمر الوحيد الذي كانت لدي طاقة لعمله بعد العودة من العمل وإعداد الغداء هو الجلوس ومشاهدة Mare of Easttown
سأل أحدهم “مير” في الحلقة الأخيرة: هل يخف ألم الفقد أكثر بمرور الوقت؟
فتجيب: “لا، لكن بعد مدة تتعلم أن تتعايش مع ما لا تتقبله، تدرك أن عليك رغم الألم أن تخزن طعاماً في غرفة المؤونة، وأن تدفع فاتورة الكهرباء وتغسل أغطية الأسرّة، لذا فإنك تجد طريقة للتعايش مع الألم.”

قدرة الإنسان المستمرة على التكيف مع أمورٍ كان يعتقد أنها “نهايته” وأنها ستقضي عليه تبهرني دائماً. قد يخسر البعض أجزاءً منه حتى يتمكن من ذلك، ولكنها قد تكون أجزاء نتمسك ببقائها فقط بسبب اعتيادها وألفتها، وقد يكون في التخلي عنها ما ينفعنا.

أعتقد أن من أهم الدروس التي تعلمتها هو عدم التمسك والتشبث بخطط أو أفكار أو شكل معين للحياة أو الأمور التي أتمنى حصولها، أو حتى التمسك بتصورٍ محدد عن نفسي ورغباتي، وأن أتمكن من رؤية الألم على حقيقته، أن أشعر به وأتعايش معه عندما يزورني وأعرف أنه جزء من قصتي وطريقي دون أن أحاول مقاومته و”التغلب” عليه.

أستمع مؤخراً إلى فرقة ذات طابع موسيقي يختلف عن المعتاد
Tinariwen (+IO:I) – Sastanàqqàm

قلق

هناك أيامٌ أستيقظ فيها بقلقٍ شديد دون سببٍ محدد أو واضح، ويتراكم ذلك خلال اليوم.

أراجع نفسي: من أين بدأ أو أتى وما الذي استثاره؟ ولا أجد إجابة شافية.

يجعلني القلق أشعر وكأن هناك رافِعةً ما قامت برفعي إلى مكانٍ في الهواء يعلو سطح الأرض بكثير، وأن قدماي معلقتين في الهواء وأحاول إيجاد اليابسة للوقوف مرة أخرى دون جدوى، وتصبح حواسّي شديدة الحدة والابتلاع أكثر صعوبةً وكأن هناك منطاداً ضخماً يحلّق داخل حلقي.

أمارس أنشطة يومي حتى وإن أصبحت أكثر صعوبة، لا أميل إلى إلغاء كل شيء والاستسلام له لأنني لا أرغب في أن تكون له اليد العليا.

بين تجهيزات العودة إلى مقر العمل صباحاً والاجتماع العائلي ظهراً، ذهبت إلى مكان هادئ لمحاولة تخفيف حدته، لسببٍ ما عندما أذهب إلى مكان هادئٍ مختلف عن المنزل وحدي أشعر أن وجوده يتضاءل قليلاً.

أتوق للعودة إلى المنزل مساءً والجلوس وحدي بعض الوقت في هدوء تام، أشعر وكأنني كنت أمارس رياضةً شديدة الصعوبة طوال اليوم. أحاول جاهدةً ألا أكره هذا الضعف في نفسي.

أثرٌ لا يُرى

المدة الماضية كانت مليئة بالتقلبات، ظننت أنني وصلت إلى القاع مرة أخرى وأخافني ذلك كثيراً، إلا أن ذلك الشعور المظلم بدأ بالتزحزح تدريجياً وبدأت طاقتي الجسدية والنفسية تعود لي.

أعمل على تقبل الاستسلام للأيام السيئة لأنني أعلم ألا شيء يدوم على حاله وأن الأحوال تتغير وتتقلب وأحتسب أنها من أشواك الحياة الدنيا التي لا أملك التحكم بها، وعندما أمر بأيام جيدة أحاول استشعارها ملء حواسي دون التركيز على معرفتي بأنها ستمضي كغيرها، بل أصبح علمي بمضيها دافعاً أكبر للتشبع منها والامتنان لها.

البارحة اجتمعت لأول مرة مع شخص سيقوم بالإشراف عليّ في خطة تطويرية في العمل، سألني عدة أسئلة تتعلق بشخصيتي وخبرتي ومدى رغبتي في أن أكون في المكان الذي أتواجد فيه حالياً وما هي الأماكن التي تم وضعي فيها ولم يكن لي خيار في ذلك وما الذي أتطلع شخصياً للاستمرار فيه، ثم حدثني عن نفسه وعن أبناءه وبناته وتنقلاته، وأخيراً ختم حديثه معي بأنني أستطيع التواصل معه عند مواجهة أي صعوبات مهنية أو شخصية.

شعرت بعد الاجتماع أن هنالك شعورٌ ما تحرك لدي أكاد لا أتذكر المرة الأخيرة للشعور به، شعور يتعلق بكونه “إنسان” وبكوني “إنسانة” كذلك.
أعتقد أن العمل في أماكن ضخمة في السنوات الثلاثة الأخيرة قللت كثيراً من الشعور ب”أنسنة” مكان العمل والتعامل مع الأشخاص ومن هم أعلى مرتبة في السلم الوظيفي.

أؤمن أن الشعور ينتقل، وصدق حديثه وبساطته واستعداده الحقيقي للمساعدة جعلني أشعر ب”آلية” الآخرين إن صح التعبير. فالتعامل كله يشبه التعامل مع الأجهزة التي نعطيها أوامر محددة لتعمل ونقوم ب”خبطها” وإغلاقها وفتحها إن لم تعمل، وكيف أن استمرارية ذلك يجعل شيئاً ما يتآكل من الإنسان ببطء دون أن يعي ويبدأ الجمود يعتريه في تعاملاته عامةً بعد ذلك.

وأحياناً أخرى معاملة الآخرين التي لا تنم دائماً عن التهذيب تجعلنا نقيم جداراً دائماً للحماية للتأكد من التزام الآخرين بحدودهم، حتى يصبح الجدار جزءاً منا.

تكثر الأقوال، فالبعض ينظر للعمل كبيئة ليس للصادقين الذين يتعاملون مع الآخر بإنسانية فيها مكان، وأن هذه مثالية ليس لها مكان في الغاب وأن صاحبها سيؤكل ولن يصل لمكان.
ولأول مرة أرى بهذا الوضوح: ربما كل صراعي مع العمل هو ليس بسبب التخصص أو المهام أو الفوضى، فهذه الأمور قد يكون وقعها ألطف إن لم يكن الشعور الذي يغمرني هو أنني آلة كما الآخرين، وللأسف أن هذا ما أراه حولي حتى في بيئات العمل الأخرى.

أعتقد أنني أرغب في البحث عن هذا الأمر في الفترة القادمة وأحاول إيجاد حلول تمكنني من أنسنة تجربتي هنا حتى يقضي الله أمراً.

جعلنا الله جميعاً من أصحاب الكلام والأثر الطيب، وممن يزرع الأمل في النفوس ولا ينزعه.

النفس: الورطة المستمرة

فوضى عارمة تجتاح العوالم الخارجية والداخلية، يتضائل كل شيء في عيني فأتساءل سؤالي المعتاد الذي اعتدت سؤاله للمُعالجة: كيف يستطيع العديد الاستيقاظ والامتنان لنعمة الحياة؟

كوني أمتلك جميع مقومات الحياة التي لا يمتلك الآخرون على بعد دول قليلة أدناها لا يجعلني أشعر بأنني “أفضل”، بل يغمرني شعور الفوضى واللامعنى، ثم أتذكر مقولة أحد العلماء التي كانت جدتي رحمها الله تشاهد برامجهم على التلفاز، كنت أمر في فترة صراع مشابهة، جلست بجانبها ليقول “لا يُدرك تمام عدل الله إلا بتمام علمِه”.

خلال الأسبوع الماضي ذهبت إلى جدة لقضاء العيد مع العائلة، بعد الوصول استوعبت أنني لم أقم بالتواجد حول العائلة بشكل مستمر لعدة أيام دون انقطاع ودون فرصة للاختلاء بنفسي بعدما بدأت فتح الملفات قبل عامين، وشعرت أن نفسي وجسدي أصبحا كجهازٍ تم الضغط على جميع أزراره في الوقت ذاته دون توقف حتى اشتدت حرارته وأصبح يطلق إشارات إنذار بشكل مستمر.

لا أذكر آخر مرة زارني فيها القلق لأنام ما يقل عن ساعتين كل يوم، لا أشعر بأن قدماي على اليابسة، بل أشعر أنني في الهواء ولا أستطيع الدنو من الأرض، أبحث عن ثقلٍ ما يعيدني إليها لأستطيع التقاط أنفاسي.

مضى ثلاثة أيام على عودتي ولا زلت أحاول الرجوع إلى نقطة اتزاني، قضيت أيامي الماضية في إنهاء خطواتي فقط ومن ثم التسمر أمام شاشة التفاز، أحاول جاهدةً استبعاد فكرة الاستقالة والاستسلام للعزلة عن كل الأشياء والأشخاص والتوقف عن المحاولة، تبدو هذه الفكرة مغريةً جداً ومريحةً جداً.

أعتقد أن أصعب ما يمكن للإنسان التورط معه هو نفسه، لأنها لا تفارقه ولأنه لا يعرف غيرها ولا يستطيع منها هرباً، لا يمكنه الانفصال عن ذاكرته الجسدية والنفسية حتى وإن مُحيت الصور تماماً وأصبحت قيد النسيان.

برداً وسلاماً، يا رب.