السادس والعشرون من يناير

استيقظت اليوم في منتصف الليل ولم أتمكن من العودة إلى النوم، تزورني أفكارٌ غير لطيفة أثناء محاولة العودة إلى النوم وأتذكر في صغري عندما كانت تزورني كوابيس متكررة فأنتظر وقت صلاة الفجر حتى تأتي والدتي لتوقظني لأعود إلى الواقع الآمن بعيداً عن خيالاتي الواسعة المليئة بخيالات مستقاة من سلسلة ما وراء الطبيعة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله.

لدي اليوم موعد أفكر فيه منذ البارحة، أعلم أن التمسك بقشة والتعلق بها قد يكون له نتائج أسوء من عدم التعلق أو التوقع، لكن ذلك على الأقل يهديني أمل التغيير.

فَرِغت عدة علب من المكملات اليومية التي أتناولها صباحاً في الوقت ذاته، على الرغم من أنها لا تحتوي على ذات العدد من الحبوب في الأصل، لذا فكرت بيني وبين نفسي، ربما هي علامةٌ لانتهاء الأمر العالق.
ثم ابتسمت ساخرةً من فكرة تفسير أي أمر على الوجه الذي تميل نفسي إليه، أي قشة “إنشالله السَّحّن دحِّن بو” كما يقول أحمد حلمي.

أُعدّ القهوة العربية التي أتخذها بديلةً للسوداء أحياناً بعد العودة للعمل عن بعد منذ عدة أسابيع. أحب أثرها المهدئ على نفسي وأعصابي، رائحة اختلاط الهيل المطحون بها اليوم أعاد إلي شعوراً دافئاً مألوفاً، تذكرت رمزية رائحتها في حياتي.

تذكرت جدتي رحمها الله وعلاقتها بالقهوة العربية التي كانت لا تتخلى عنها كل يومٍ بعد تناول الإفطار ضحى وبعد صلاة المغرب، المناكفات التي حصلت نتيجة محاولتهم لاستبدالها لها بقهوة الشعير حتى لا يتأثر ضغطها وقلبها، وكانت تعرف ذلك على الفور قبل أن تبدأ بشربها.

أعادني الحنين إلى قصصها التي كانت تبدو من كوكبٍ آخر، حين تزوجت وهي ابنة التسعة سنين، تحكيها وهي تضحك على ما كانت تفعله حينها، كنت أضحك معها ثم أفكر بعدها بيني وبين نفسي: يا الله، كيف يشعر الإنسان وهو لا يملك من يلجأ إليه ويعاضده من البشر.

تذكرت حبّها للون الأخضر، هو ذات اللون الذي صبغ روحها وقلبها، كانت تحب الفرح والناس والأنس واقتناء طِرَح (أو مسافع كما كانت تسميها) بمختلف الألوان، تعطرها وتتزين بها كل يوم. لا أتذكرها إلا كذلك.

وأعتقد أنني الآن أرى وأزن الأمور من منظور مختلفٍ تماماً، كانت هي تفضل الذكور وكنت أنا حينها في “فورة” غضبي عليهم، وكنت أتضايق من ذلك بشدة. لكني الآن بعد عمرٍ وتجارب أفهم سياقات عدة أدت إلى ذلك وأنظر لها بعين الرحمة والحب فقط.

أمتن جداً للتجارب والسنين التي أهدتني منظاراً أرى به الأمور بشكل مختلف تماماً، أوسع وأجمل وأبهى وأكثر تعاطفاً ورحمةً، وأشتاق جداً إليها وإلى الدفء الثابت التي كانت مصدراً له.

طقسٌ باردٌ وقلبٌ دافئ

كانت الأيام أو الأسابيع الماضية -فقدت الإحساس بالزمن إلى حدٍ ما- كأمواجٍ متلاطمة تأخذني إلى أعلى ارتفاعٍ ممكن ثم تهبط بي إلى قيعانٍ مظلمة دون سابق إنذار.

متكتفة الأيدي سلمت نفسي لها لا استسلاماً لكنني أعلم أن مقاومتها ومصارعتها سيجعلها أكثر ضراوةً.

مرت ليالٍ حالكة الظلمة كنت أعتقد أنني لن أرى النور بعدها، أفزع من نومي مهمهةً بأدعية لم تكن على البال مسبقاً: يا من كشفت عن أيوب عليه السلام ضره، ونجيت نوحاً عليه السلام في اليم، وأخرجت يوسف عليه السلام من السجن، ويونس عليه السلام من بطن الحوت، أخرجني مما أنا فيه.
لا أعرف الكيفية ولا أعلم إلى أين وليس في يدي أي أمرٍ لم تكتبه لي، ولم أعد أثق برغباتي.

أشعر الآن بفضل الله أن الهواء بدأ يعود إلى رئتاي بالتدريج.

لم أعد متمسكةً كما السابق بشكلٍ محددٍ للفَرَج، كنت أضع لذلك إطاراتٍ وأهدافاً وأشكالاً، إذا حصل أو تم هذا الأمر فهذا يعني أن الفرج قد وقع وحصل. أما الآن فكل مرادي من الحياة الدنيا هي الرضى والتسليم التامين اللذان لا يشوبهما شكٌ ولا قلقٌ ولا يأس ولا ظلمة، وقلبٌ سليمٌ معافى لا تتمكن الظلمة منه.

ذهبت اليوم صباحاً إلى منطقةٍ بعيدةٍ بعض الشيء عن المدينة، أشتاق إلى هذا الصمت المدوي، ولا أتنبه إلى هذا الاشتياق إلا عند إنصاتي إليه.

ضحكت اليوم كثيراً وتحدثت وتناولت طيّب الطعام والكثير من القهوة، زرت معرضاً للفنون، تبادلت وإخوتي تشغيل أغانينا المفضلة في الطريق إليه وكان حديثنا يغطي أنغامها.

قد يكون الجو اليوم الذي وصل إلى أربع درجات هو أبرد طقسٍ مرّ على الرياض منذ مدةٍ طويلة، لكن قلبي مُلئ بالدفء من جديد كما لم يفعل منذ مدة طويلة.

“وطال بالأنجُمِ هذا المدار”.

أجلس بعد صلاة الجمعة في مقهى كنت أرتاده منذ عدّة سنوات، كان حينها مقسوماً إلى نصفين، نصفٌ للعوائل ونصف للعزّاب، أصبح النصف الذي كان للعزاب هو الذي يتم أخذ الطلبات وتسليمها فيه وهو الذي يحتوي على المدخل الرئيسي، أما القسم الآخر فأصبحت أجهزته مهجورة وأصبح خالياً إلا من عدة مقاعد يتم الجلوس عليها عند امتلاء القسم الآخر.

أتأمل مرور الأعوام، عاماً تلو الآخر. كنت أعتقد حينها أنني إذا وصلت إلى هذا العمر سأكون بالتأكيد قد تجاوزت وعرفت وفهمت وتقبّلت وتصالحت، كان لديّ أمل أنه سيصبح لقدماي أرضاً ثابتة ولهذا الشيء الهلامي الذي أبحث عنه شكلاً واسماً ولوناً.

كنت أحاول إشاحة النظر عن الألم وإنكاره، لا أرغب في أن أكون “سلبية”، أنتظر بتأفف مرحلة التقبل والتصالح معه.
لكنه كان كالكدمة الزرقاء التي أنسى وجودها وأقوم بلمسها عن طريق الخطأ ليسري الألم فيها.

محاولات الإنكار والتعامل منهكةٌ على حد سواء، محاولات الإنكار كانت تحتاج إلى جهد جهيدٌ، كانت تتنوع ما بين محاولات إلهاء ومحاولات نظر للجانب الإيجابي ومحاولات تشبث بأملٍ خفيّ. لكن نتيجتها وخيمة، لأن للجسد والنفس قدرة محدودة تبدأ بالتراجع بعد استنفاذ كامل الطاقة.

وما يخيفني الآن بمناسبة الكتابة الأخيرة عن الخوف، هو الوهن الذي أشعر به، وانعدام القدرة على المقاومة.
أشعر أنني على حافةٍ لا أملك القوة الكافية لأكون متزنة عليها.

وكأنني أركض باستمرار لخط النهاية الذي كلما وصلت عنده تحرك مرة أخرى وعدت أركض ثانيةً بحثاً عنه، وهكذا، حتى يعييني التعب فأسأل نفسي، مالذي أركض منه وما الذي أركض إليه ولماذا وما المعنى منه وما البديل؟

أستيقظ فزعةً في منتصف اللّيل، تهاجمني الأفكار كنحلٍ ثائر، مكتوفة اليدين أمامها، كل المعاني تبدو كسرابٍ بقيعة، أعيد الإقرار بضعفي وعجزي أمام هذه الظلمة المتجددة.

“ربّنا ما خلقتَ هذا باطلاً”.

“يا صاحبي الخوف ما يطمّن الخوف”

قبل عِدّة أعوام أثناء مروري في أحد المنخفضات الحادّة التي لم أكن أعي حينها ماهيتها، التقيت بامرأة حكيمة كبيرة في السّن بَدَأت بالحديث معي، توقَّفَت أثناء حديثها ونظرت إليّ وأخبرتني أنه لا داعي لأن أحاول إظهار صلابتي وادّعاء قوّتي وابتلاع رغبتي في البكاء، احتضنتني وظهرت على السطح مشاعر متضاربة ومختلطة وكثيفة إن صحت الإشارة لها بذلك، أنا التي لا أحب ولا أستطيع إظهار مشاعري أمام القريب فضلاً عن الغريب.

سألتني، لم يتملكك كل هذا الخوف؟ من أين يأتي وما مصدره؟
أخبرتها أنني أعاني من القلق المستمر، فسألتني: أهذا ما يُطلقونه على الخوف هذه الأيام؟

والآن، ما يجعلني عالقةً فيما أنا فيه، مكبلة لا أستطيع التحرك في أي اتجاه، هو الخوف.
خوفٌ من الرغبات ومن انعدامها، خوفٌ من التمني ومن الخذلان، خوفٌ من معرفة نفسي ومن أن تكون هذه المعرفة جهلاً مركّباً، خوفٌ من أن يكون ما يلي أصعب وأثقل من الحال الآني فأختار التماهي مع الحال “امسك قردك لا يجيك اللّي أقرد منّه”، خوفٌ من الحركة المستمرة التي لا تتوقف ومن الرّكود المُميت، خوفٌ من الذوبان التام ومن أن أكون كنُتوءٍ ظاهرٍ مزعج.

خوفٌ من أسمح لقلبي باستقبال المحبة ومبادلتها ومن الفقد أو البُعد الذي قد يليه أو من أن يصبح وجودي ثقيلاً، خوفٌ من الأمل ومن الخيبة الذي يخلّفها، خوفٌ من الأحلام ومن أن تكون أوهاماً.

وخوفٌ من نفسي، من ضعفها الذي لا يُقوّم، تخبطها وبحثها الدائم عن أمرٍ لا يبدو موجوداً أو ملموساً، من وصولها للأبواب المغلقة الصمّاء باستمرار، من أنها ورطتي التي أحاول التعايش معها ومن أنه لا فِكاك منها، من توقها إلى طمأنينة لا أرى وجودها هنا في هذا العالم.

وخوفٌ من الخوفِ الذي لا يهدأ إلا لِماماً.

أمل خارج السياق.

يقولون أنك تملك الاختيار، أن الاختيار بيدك وأنك من تختار رؤية الجانب المشرق أو المظلم من الأشياء.
أن ما وصلت إليه اليوم وحالك هو سلسلة من الاختيارات.
أن ردود فعلك لما يحصل هي من اختيارك بغض النظر عن الأحداث، أنك أنت من يحلل ويفسّر ويشعر حسب النصف من الكأس الذي تنظر إليه.

ولكن أليست ردود فعلك ومشاعرك وبناءك النفسي نتاج لعقود وسنين وأيام من أحداث وظروف وتفاصيل متراكمة قد تعلمها وتعيها وقد لا تفعل؟

هل يختار أحدنا ملء إرادته أن يكون هذا الظل رفيق أيامه؟
هل يختار هذه المسافة التي يتركها بينه وبين الآخرين خوفاً من تعريضهم له ولظلمته؟

حاولتَ قرع الأبواب والأسباب مراراً وتكراراً، هرباً وخوفاً، طمعاً وأملاً، يأساً ورجاءً، يحصل تحسّن مؤقت لكن الجذور لا تُقتلع.

تبتلع غضبك عندما يقوم أحدهم بالتفوه بالعبارات المتعلقة بالاختيار. أنت اخترت عدم الاستسلام لهذا الظلّ مراراً وحاولت سلخه عنك، حاولت تخليص رقبتك منه ليناً وعنوةً، بذلت ما تملك نفساً وطاقةً وجهداً لياليَ وأيّام طِوال. لكن لا يزال يتملكك ذات الخوف عندما تشعرُ بأنفاسه الثقيلة الكريهة تقترب، لأنك تعرف ما ينتظرك.

يراك الآخرون تمارس حياتك على أكمل وجه لأنك لا تود أن تكون أنت وهو عبئاً ثقيلاً على أحدهم، لأنك تقاوم بكل ما أوتيت من قدرة السقوط في هاوية بلا قاع، تنتظر لتخلو بنفسك حتى تنتزع القناع وتسمح للألم والخَدَر بالسريان دون مقاومة.

في خضمّ الألم يتراءى لك “للهُ أرحمُ بعبادهِ من هذهِ بولدِها”، وتأمل أن للحكاية نهاية خارج السياق.

“ليل والشّمس غابت”

لم أسكن يوماً في غير المدينة التي أسكنها حالياً، ولدت وكانت نشأتي كاملةً هنا.
إلا أنني حتى الآن أحاول إيجاد أرضٍ مشتركة بيننا والتصالح معها.

كنت أفضّل تجنب السفر لتجنب آثار العودة إليها، أياً كانت الوجهة. أتذكر بوضوح في صغري كانت هناك فترة غير قصيرة طالبت فيها والدتي بكل جدية بالانتقال منها، ثم “مناحات” العودة من إجازة العيد المتبادلة بعد كل عيد نقضيه مع الأقارب ودعائي بيني وبين نفسي بأن نتأخر عن موعد الطائرة لتقلع وتتركنا، متجاهلاً عقلي الصغير حينها إمكانية الحجز على رحلة أخرى للعودة.

حقيقةً، لم يتبادر إلى ذهني هذه المرة أن شعوراً بهذه الحدة قد يغمرني خاصةً بعد “فكّ” مساميري النفسية والجسدية وتنظيفها وتزييتها ووضعها في أماكنٍ أكثر ملائمة لها.
لكن قد يكون هذا هو السبب أيضاً؟
أنني أعرف هذا الشعور عندما يزورني لأنه أصبح غريباً علي يطل بين الحين والآخر بتكرارٍ أقل، بينما كنت سابقاً غارقةً فيه.
وربما لأنني هذه المرة لمست في نفسي جانباً جديداً ورأيت رأي العين للمرة الأولى أثر المكان المحيط واعتدال ازدحام المدينة وقدرتي على استخدام أقدامي للمشي في الشوارع حتى وإن كان الجو حاراً على حدة قلقي.

نفسي تتوق إلى الهدوء، إلى المناطق المفتوحة، إلى الشّمس والهواء الممتلئ برائحة البحر ورطوبته، يجعلني ذلك أشعر وكأن هناك قناةً مسدودةً في دماغي يتم فتحها ودخول الهواء إليها.

كأن ازدحام هذه المدينة وغضب الشوارع فيها يمشي على جسدي، وكثرة المباني وامتدادها المستمر إلى الأطراف وتجاوزها يجثم على رئتي.

منذ يومين وأنا أعجز عن القيام بأي شيء، الاستماع أو القراءة أو المشاهدة أو حتى الرغبة في ذلك أو في أي شيء آخر. أعيد الاستماع إلى أغنية أبو بكر سالم مراراً وتكراراً، أتأمل حماسه وابتسامته حين يكرر “عادنا إلا انطربنا والتلاحين طابت”.

لا تغيير ممكن يلوح في الأفق، أحاول التصالح معها والمحبة، لكن المحبة للأسف لا تُستجلب بمحاولات الإقناع المنطقية.

المخيف هذه المرة هو حدة وسرعة الانتقال من شعورٍ إلى أقصى الشعور الآخر، يشبه شعور “الهوّة” في المعدة الذي يصاحب السقوط من الأعلى في المنام، إلا أنه ممتد ولا يتوقف بالاستيقاظ من النوم.

هناك فراغٌ مريب يغطي كل شيء، ليس لقلة المهام أو الخطط لأنني عدت بعدة أمور أود بدأها وتنظيمها كخطة جانبية للتعلم والتجربة والتوثيق تعويضاً عن عدم وجود أي من ذلك في عملي، لكن هذا الفراغ الذي يملؤ حلقي كالبالون والعجز عن الرغبة الذي يسحبني كالمغناطيس إلى الأسفل لا يتزحزحان مهما حاولت خداعهما بالاستيقاظ مبكراً للمشي في الحديقة أو زيارة المقهى المفضل أو القراءة، العجز عن الرغبة حتى في التقاء من أحب والحديث معه.

يريبني استمرار العودة إلى المربع الأول لأنه غير منطقي، أغضب من نفسي لأنني لا أستطيع استشعار نعمة تَمَكّني من خوض هذه التجارب، يخالط ذلك شعورٌ بالذنب لأن نفسي سريعة الجزع والفزع والقلق.

أتردد كثيراً في الكبس على زر النشر، يمتلئ قسم مسودات المدونة بكتابات لا تنقل أو تنشر شعوراً لطيفاً، على الرغم من أنني أخبر نفسي دائماً أن الكتابة والنشر دون وضع العديد من الاعتبارات هو السبب الرئيسي للكتابة دون الإشارة إلى اسمي، لكنّ فكرةً أخرى تراودني في المقابل: هناك أناسٌ لم يُكتب عليهم تجربة مشاعر مظلمة، فلا أرغب أن أكون الشخص الذي ينقلها لهم.

لكنها للأسف -لي ولمن يقرأ- تجربة أخوضها مراراً.

سَعَة

وجدت نزُلاً لا يسمح للسيارات بالدخول إلى المنطقة المحيطة به، يقع بين البرّ ذي الرمال البيضاء والمياه المحتوية على أشجار القرم، وهو أبعد ما يمكن في الظروف الحالية عن المدينة والسيارات.

أخرج للمشي عند شروق الشمس على الطريق الذي يتوسط المياه والأشجار، يزيد منسوب المياه بعد صلاة الظهر تقريباً ويعود للانحسار عند اقتراب المساء تاركاً خلفه بحيرات صغيرة. الهواء نقيٌ جداً وطازج يتسلل إلى رئتي وأتخيل أن لون حويصلاتي الهوائية يتغير ليصبح كالتّفاح الأحمر الأمريكي -دون أي أساسٍ علمي لذلك بالطّبع-، سكونٌ تامٌ يخلو من أصوات السيارات وأجهزة البناء تتخلله أصوات لطيورٍ لم أسمعها مسبقاً.

أشعر بالسّكون يجعل أفكاري المتراكضة تتباطأ حتى تقف، أبدأ في الاقتراب من النّور مرةً أخرى.

تظهرُ فكرة لها مظهر شخصٍ لئيم يشبه “عناد أبو العنود الذي ليس لطمعه حدود”: هذا كله مؤقت، ينتظرك واقعٌ شديد التشابك والتعقيد كشعرٍ في رأس شخص لم يقم بتمرير مشطٍ فيه منذ قرون وضياعٌ وتخبطٌ لا يُعرف له أساس ولا “راس”.

سأغرق في ذلك عند العودة، فلأغرق في هذا الشعور ولو آنياً.

أمدّ بصري إلى السماء والشجر، آخذ شهيقاً عميقاً: يا الله براد الجنّة وشجرها وأنهارها ونعيمها وطمأنينتها وسكينتها، حيث لا وصب ولا نَصَب ولا صخب ولا ضياع ولا صِراع ولا تخبّط ولا ظُلمة ولا تشوّش.

أسلم عليه وأودعه آملةً في لقاء قريبٍ على خير أو في شعور مشابه للشعور الذي منحني إياه.

وكأن المكان هو أقرب لشخصٍ تعرفت عليه منذ مدة قصيرة أصبحت له مكانة شخصٍ غالٍ جداً أعرفه منذ زمن طويل، شخصٌ منحني شعوراً بالألفة والانتماء والسلام والتصالح والسَّعَة.

نعم، السَّعَة، هذا أكثر شعورٌ أتمنّاه وأتوق إليه.
وفقاً لمعجم المعاني الجامع:
سَعَة/ سِعة: مصدر وسِعَ/ وسِعَ على/ وسِعَ لـ
– غِنًى ورفاهية : كثرة ووفرة.
– طاقة وقُدْرة وقوة.
سَعَة الصَّدر: التّسامح والحِلْم.
– على الرَّحْب والسَّعَة: أهلاً وسهلاً، بكلِّ التِّرحاب والارتياح.

أتعرّف الآن إلى أن شعور السَّعة بالنسبة لي هو الشعور الجامع للرّضى والقبول والسلام والتصالح والاستسلام، هو ما يسمح لعقلي بالانطلاق في خيالاته التي تجعل الأمل أكثر قُرباً.

لم أكن أعرف عن وجود هذا المكان على وجه البسيطة منذ أقل من أسبوعين، تغيّرت الخطة بسبب إيقاف الرحلات وفي أقل من يوم عثرت عليه وقمنا بزيارته والمكوث فيه لمدة يومين. أُحادِثُ نفسي: آمل أن يكون هذا شكل التغيير القادم، أن يكون هناك شيءٌ طيّبٌ جداً لا أعرف أنه موجود وأن أصِلَ إليه بلطف الله وفضله وكرمه. وأن يكون لهذه الظّلمة الخفيّة الملتصقة نهاية، ليس لأنني أستحق، بل طمعاً في كَرَمِ خالق هذه النّفس العليم بخفّي أسرارها.

وَهَبني الله وإياكم سَعَةً تغسل كل ضيق وتمحي كل ظُلمة وتجبر كلّ كسر وتَلُمُّ كل شتات.

يومٌ ربيعيٌ في فصل الخريف

اليوم، عدت إلى عادة المشي باكراً صباح الجمعة في الهواء الطّلق ومن ثم تناول الإفطار في مكانٍ مشمس أحياناً وفي حديقة أحياناً أخرى.

كان أحد الصباحات التي كانت نفسي فيها هادئة وكانت ضربات قلبي منتظمة وتنفسي على وتيرةٍ واحدة ولا أشعر بحبالٍ معقّدة تتحرك طوال الوقت داخل معدتي، ولعل من يعاني من القلق المزمن يعرف أن هذا يعدّ من نعيم الدنيا المعجل.

الهواء منعش، باردٌ لدرجة تخفف حرارة الشمس لكنها لا تتسبب في برودة الأطراف والأنف.

أخذت قراراً البارحة بالتوقف عن محاولة القفز بين الأنظمة الغذائية، أرغب في الكتابة عن ذلك بشكلٍ مطول، ويا للحرية التي أشعر بها بعد شهرين من حساب كل ما أتناوله بالجرام بميزان الطعام.

بعد الغداء العائلي خرجنا لشرب الشاي في حديقة المنزل، كان الهواء لا يزال لطيفاً، وعندما بدأت الشمس بالغروب ظهرت بعض النجوم اللامعة في السماء ومن خلفها الشفق، كانت الأحاديث المتبادلة بسيطة دون جدال أو اختلافات في وجهات النظر. أتأمل والدتي وهي تشرب الشاي وتبتسم وتدندن بعض المدائح النبوية، أغمض عيناي للحظات لأتأكد من الاحتفاظ بهذه الصورة المتكاملة في ذاكرتي.

في طريق العودة إلى المنزل، أستمع إلى كوبليه يا بختنا، وأتأمل في تقلب الأيام والمشاعر، أحاول الانغماس في لحظة الصّفا وشعور الرضا دون إعطاء أهمية للأفكار التي تعبر رأسي ذهاباً وإياباً.

يقول Will Smith في مقابلته الأخيرة عن كتابه مع أوپرا: “لا يمكنك تجنب الصعود والسقوط ومن ثم الصعود والسقوط، تحمّل عندما يحدث ما يستدعي التّحمل واستمتع عندما يكون الوقت مناسباً لذلك، لكنك لن تفلت من منحنى الصعود والسقوط. احتجت إلى عدة تجارب لأدرك أن هذا لا يحدث لأني غبي، ولا لأنني ضعيف، ولا لأنني جبان، بل لأن هذه هي الحياة. وإن كنا نستطيع الاستسلام وتقبل الأمر فإنه سيكون بإمكاننا الاستمتاع عندما يحلّ الربيع، والتشمير عن سواعدنا عندما يحل الشتاء، لكن لا يمكننا تفادي الفصول”.

ماذا لو؟

‎شفت أمس مقطع قصير لشخص يتحدث عن كيف قسم الله الأرزاق بين الناس ونوعها، وأن البعض رزقه في المال أو العلاقات أو الأخلاق وكيف تستثمر أرزاقك عندما تتعرف عليها.

لكني اليوم بعد موقف ما جائتني فكرة معاكسة نوعاً ما: ماذا لو عرفت أن أرزاقك من شيءٍ أو شخصٍ ما-وهو في أصله وفي المتعارف عليه شيءٌ أو علاقة طيّبة تعين الإنسان على نفسه وحياته ويشد أزره بها- لا يشبه الأصل والسائد في شيء، أن تعرف أنه مصدر ألم مستمر، يعلو صوته أحياناً ويخفت أحياناً أخرى، وأن ترفع الراية البيضاء وتتوقف عن صراعات محاولات تغييره لشيء لن يكونه يوماً ببساطة، حتى وإن رغبت، حتى وإن ركلت الأرض بكل قوتك؟

‎ماذا لو قبلت رزقي من الألم عوضاً عن هذه الحسرة التي تجتاح قلبي عند تكرر المواقف، وعرفت أن هذا رزقي في هذا الجانب، ووضعت له إطاراً، تأملته، وشعرت بكل شيء حتى أقصاه، وأقفلت باب التوقعات وتعاملت معه على شكله الذي هو عليه الآن، لا على الأماني وتجارب الآخرين؟

أن أرضى بقسمتي فيه لأن لا يد لي فيه ولا خيار للتغيير، وأتقبله لأن رفضه هو رفضٌ لأمر قدري، وهذا يضعني في صراعٍ مستمر لا نهاية له ولا نورٌ في نهاية طريقه.
أن أفلت يدي من التشبث ب“المفترض” و“الصحيح”، وأحاول التشبث بما يهدي إلي بصيصاً من نور.

وأن أحاول رؤية هذا الألم بشكل مختلف وإضافة بعض الألوان عليه، أن أتعايش معه بما يمكنني من جعله جذراً لأشياء طيّبة أخرى.

ماذا لو؟

فأين تطيبُ؟

أجلس في المطار بانتظار رحلة العودة إلى الرياض، أستمتع بشرب كوب قهوة سوداء طيبة من مقهى لم أسمع به مسبقاً في المطار، ترددت قبل شرائه لأن قلة من الأماكن تستخدم بناً ذا جودة ولا تكون قهوتها ذات حموضة عالية، إلا أنني تفاجأت بأنها لا تحتوي على أي حموضة بل على العكس تماماً: وجدته من أفضل أكواب القهوة التي جربتها، وفكرت “يجعل سرّه في أضعف خلقه”.

كانت رحلة سريعة، منذ مدة وأنا أحاول التخطيط لزيارة المدينة إلا أنه في كل مرة كان يحدث ما يجعل ذلك غير ممكناً، كما أنني كنت لا أستطيع أخذ أيام عمل عن بعد أو تقديم إجازة خلال الأربعة أشهر الماضية لأن مديرتي كانت في إجازة.
لذا بعد أسبوع من عودتها قمت بأخذ أسبوعين للعمل عن بعد، كنت كلما أسمع أذاناً أشعر بحركة في قلبي ومعدتي اشتياقاً، سألت من حولي إذا كان هناك من يرغب في المجيء معي، جربت السفر وحيدة مرتين من قبل خارجاً فقط من أجل التجربة، إلا أن السفر برفقة طيبة لا أحتاج للالتصاق معها طوال الوقت لا يزال خياري المفضل.
كل من حولي لا يناسبهم الذهاب هذه الأيام، لذا قررت المجيء وحدي، وتم كل شيء بسرعة وتيسير.

لم أشعر مسبقاً أنه يمكن الشعور بهذا الشوق لمدينة أو مكان، أن أشعر وكأنها كائن حي. في الطريق من المطار كنت أراقب النخيل يتمايل في الواحات الصغيرة وأشعر بدفءٍ لطيف يغمرني، أشعر برغبة في الجلوس أمام الجبال وتأملها عدة ساعات.
جذوري التي أعرف كانت هنا، جذور الدم وجذور القلب. كنت كل مرة أزورها بمقتضى العادة وصلة الرحم، لكنني هذه المرة أزورها رغبةً وشوقاً.

بعد صلاة فجر اليوم التالي أقيمت صلاة الاستسقاء التي لم أكن أعرف أنها ستقام يومها، لم أصلِّ الاستسقاء سابقاً، جئت هنا بحثاً عن السكون والألفة، وأنا في أشد الحاجة ليروى قلبي وتروى روحي، لأحط رحال تخبطي حتى وإن كان ذلك ليومٍ واحد، والرمزية هذه “جبرت” خاطري.
قرأ الإمام في الركعة الأولى “الضحى” وجاءت “ما ودعك ربك وما قلى”، ثم تلى في الركعة الثانية “الشرح” وجاءت “فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً”.

ثم بدأ الإمام خطبة صلاة الاستسقاء ب: “الخلق فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في جميع أحوالهم، يلجؤون إليه في الشدة والرخاء، وهو سبحانه واسعٌ حميد يعطي من سأله بسخاء مديد، يداه مبسوطتان بالإنفاق سحّاء الليل والنهار ويكشف كل كرب شديد، نجّى ذا النون من لجج البحار والماء القفار، مرجوٌّ للعطاء والإحسان، سخر مع سليمان عليه السلام جنوداً من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، لا راحم ولا واسع للعبيد سواه، رحم أيوب عليه السلام فكشف عنه الضر وأكرمه بجراد من ذهب، لا ملجأ ولا مفر منه إلا إليه، استغاث به نبينا صلى الله عليه وسلم في بدرٍ فأغاثه بماء وأنزل جنوداً لم يروها، وهو فارج الكربات ومغيث اللهفات، أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم أمناً بعد خوفٍ في الغار، وهو العالم بالظواهر والنيات، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، مستوٍ على عرشه، كبيرٌ كوّن الأكوان ودبّر الأزمان، وأغشى اللّيل على النهار، ملكٌ عظيمٌ يقول للشيء كن فيكون، صمدٌ قهّارٌ “.

شعرت أن قلبي غُسل و”شُطف” بماء جارٍ كما “يشطف” أهل الشام أرض ديارهم.

تأملت في تأخر قدومي كل مرة كنت أخطط الزيارة فيها، وكيف أن الرسائل التي حملتها هذه الرحلة كانت هي ما أحتاج وأتعطّش إليه، معظم الأمور عادت إلى نصابها الحقيقي، تكشفت لي حقائق وجرت على لساني دعوات لم تخطر لي يوماً.

هدأت وسكنت نفسي المضطربة المتخبطة، أشعر أني ارتويت بعد ظمأ طويل لم أكن أدركه، ازدادت رئتاي اتساعاً وأصبحتا تسمح لمزيد من الهواء بالدخول، وكأن أحدهم ربت على كتفاي وأزال عن قلبي ثقلاً كاد أن يصبح جزءاً منه.

صلى الله على ساكنها الحبيب، المظلل بالغمامة، خير الخلائق أجمعين.

الحمدلله على فضله وإحسانه وجزيل عطائه، الحمدلله الذي يخرج الحي من الميت، والذي يحيي الأرض بعد موتها، الحمدلله على كرمه، الحمدلله المبدئ المعيد، الذي يحيي العظام وهي رميم.