من العايدين

أجلس في هدوء لذيذ أرتشف الشاهي “المنعنع” المتبقي من ضيافة فطور العيد اليوم. هذا العيد وعلى سبيل التغيير دعوت عائلتي لإفطار العيد في منزلي بدلًا من أن يكون الإفطار مشابهاً إلى حد كبير للاجتماع الأسبوعي يوم الجمعة.

كانت هذه المرة الأولى التي أدعوهم فيها جميعاً لأنني كنت أتجنب ذلك نظراً لعدم اتساع المكان لكنني في نفس الوقت قررت ذلك لأزيح بعض العبء عن كاهل والدتي، ولإضفاء بعض التغيير للعائلة إضافةً إلى أنني أرغب منذ مدة بدعوتهم لمنزلي بعد التغييرات الجذرية التي خضع لها العام الماضي.

صحيح أن أقدامي حالياً متحجرة وأشعر أن ظهري متيبس، إلا أن قلبي ممتلئ ولله الحمد. أشعر أن دخول الضيوف إلى المنزل يحمل معه دائماً بركة وتجديداً ما، يحرّك طاقة المكان ويجدد شعوري نحوه.

هدوء لذيذ بعد عاصفة لذيذة. أرغب في التمسك بهذا الشعور والغرق فيه قدر المستطاع وعدم التفكير في أي شيء آخر، أود غمر نفسي في هذه اللحظات وتناسي ما ينتظرني، فالأسابيع الماضية كانت شديدة الثقل نفسياً ولا زلت لا أعلم مالذي يمكنه انتشالي من القاع الذي وصلت إليه سوى لطف الله الذي لا أمل لي بسواه. أشعر بنفسي وعقلي وروحي مؤخراً وكأنها غرفة قام أحدهم بقطع الكهرباء عنها تماماً ولا أعرف كيف أرى طريقي أو أجد سبيلي إلى الضوء والهواء مرة أخرى. كنت سأسهب في الكتابة عن ذلك البارحة ولكن هذه الكهرباء التي انقطعت شملت طاقتي الكتابية أيضاً وشعرت أن أصابعي شديدة الثقل على لوحة المفاتيح.

أتذكر مقولة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله لا أذكرها بحذافيرها ولم أستطع إيجادها عن لحظات من السكون والسلام والصفاء يبدو كل شيء في العالم في مكانه الصحيح خلالها ونتمنى بقائنا فيها إلى الأبد.

وجودنا جميعًا حول طاولة واحدة بصحة وعافية، لا نزاعات دفينة، قيام إخوتي ب”تثقيل دمهم” على والدتي، الأحاديث الصاخبة، الأصوات المرتفعة والضحكات المجلجلة، أرغب بنسيان نفسي هنا لأنني أخاف العودة إلى نفسي مرة أخرى.

أحب في العيد أنه يمنح هذه المساحة: سأنسى وأتناسى “بالقوة” إن لم أنسَ اليوم وبعد ذلك “يحصل خير” وأحب هذا التغيير في الروتين الذي يتقبله الجميع ويحتفي به دون اعتراضٍ أو امتعاض.

كل عامٍ وأنتم وأحبابكم بخير وصحة وسلامة وعافية، جبر الله قلوبكم ونفوسكم ومسح عليها بالرضى والألطاف والرحمات والعطيات، وأسبل عليكم شفاء الظواهر والبواطن إنه على كل شيء قدير وبكل شيٍ محيط.

ضوء في آخر النفق

أشعر أنني في الفترة الحالية أمر بمرحلة انتقالية مفصلية، تبدو الأمور في ظاهرها كما هي هادئة وادعة ساكنة، لكنني داخلياً أشعر بأنني أنتقل من مرحلة وشخص كنته واعتدته طوال السنوات الماضية إلى مرحلة “أنخل” فيها أشياء عدة كانت لصيقة بي. وكأنني كنت أرى العالم ونفسي بألوان مختلفة جداً ثم بدأت الألوان في التغير، وخلال هذا التغير هناك الكثير من التشويش وتداخل الألوان الذي علي محاولة تفنيده وتصنيفه بكل صبر وروية.

هذه المرحلة الانتقالية غير مريحة البتة، تأخذ وقتاً وجهداً وتحتم علي الجلوس مع مشاعر اعتدت الهرب منها أو تجنبها، لكنني أعرف أن في ثمارها تزكية وتصفية للنفس.

مؤخراً عدت للاستماع للشيخ محمد أيوب رحمه الله، كان الصوت الذي أنام على سماعه في طفولتي وربما لهذا ولوقتٍ طويل كان مرتبطا لدي باللحظات المفصلية التي تسبق صراع الخلود للنوم الذي نقاومه في صغرنا ونتطلع إليه حين نكبر وتزداد المسؤوليات.
في أحد الأيام أثناء مشوار الذهاب إلى العمل، استمعت إليه وهو يقرأ سورة فاطر، شعرت وكأنها المرة الأولى التي أستمع إليها فيها، وكأن أقدامي المعلقة في الهواء قلقاً بدأت في العثور على أرض صلبة، وأصبحت أصطحب سماعها هذه الأيام صباحاً كل يوم.

بعد الانتهاء من أحد الجلسات ذات العيار الثقيل التي تتركني أحيانًا مع شعورٍ مثقلٍ بحدة مشاعري وتشابكها وتساؤلات حول جدوى الحديث وما إذا كانت هذه البذرة التي أشعر في أوقات كثيرة بأنها “غير طيبة” أبداً ستتحول يوماً ما إلى شيء طيب ذا ثمر حسن أم أنها ستظل هنا دائماً، أغمضت عيني وشعرت بأن الظلمات كثيرة ومتراكمة، ثم فجأة زارتني خاطرة لم تزرني من قبل: أن الظلمات حيثما ذكرت في القرآن فهي بصيغة الجمع أما النور فهو دائماً مفرد، أن الظلمات طبقات وأشكال متعددة المصدر، أما النور وآثاره فله مصدر واحد، وأن نور السماوات والأرض هو الغالب والقاهر والقادر والشافي وإن شعرت أنني في قاع الظلمات.

أن رحلتي وإن كانت صارخة الاختلاف فهي جزء من قدري، أن ما أنا عليه الآن وما أمر به هو جزء لا يتجزء
من الرحلة وإن كان فهمي واستيعابي وعلمي قاصرين عن سبب ذلك.
وشعرت بالضوء في آخر نفق.

الاحتفاء بمسمى الدور أم بالأثر

لا أحب فكرة وجود أيامٍ عالميةٍ محددة للاحتفال بدورٍ ما، أفضل فكرة الاحتفال بأيام تتعلق بتواريخ شخصية، كمراجعة ما مررت به وتجاوزته وما وصلت إليه في ذكرى يوم ميلادي، ذكرى يوم الزواج وتأمل ما تخطيناه، الأعياد..الخ.

لا أفضلها لأنها تفتح ملفات ومشاعر مختلفة لأشخاص مختلفين، لأنها تفترض أداء السواد الأعظم من البشر لأدوارهم بإحسان، ولأن العلاقات البشرية علاقات شديدة التعقيد ولا أحب إعطائها صبغة المثالية لأن البشر ضعفاء ومتغيرون ومتقلبون، ولأن هذه الأيام تجعل هناك ثقلاً معيناً إذا كان لأصحاب هذه الأدوار في حياة الشخص أدواراً مختلفةً تماماً عن التصور المشاع والمُتغنى به عموماً.

مع البر والإحسان لأن الخالق أمر بهما، لكن حتى هذين المفهومين ليس لهما شكل واضح محدد، لأن كل علاقة تختلف بشكلها وتاريخها وعقدها وحاضرها ومعطياتها. حاولت كثيراً إعطاء نفسي مفهوماً ينسجم مع قيمي وإيماني لكن لا يتنافى مع طبيعة النفس البشرية ويكسرها ويتطلب منها ما لا تطيق. وإلى الآن لا أكاد أضع يدي عليه.

لا أحب فكرة الأمور العامة السائدة لأنها تضع اختلاف تجربة الشخص عن الأغلب محل تركيز، لأنها تجعل المختلف يشعر أن هناك ما ينقصه لاختلاف تجربته، أنه أقل من الآخرين حظاً أو مكانة في نفسه أو أن هناك خطأً ما إما في تكوينه كشخص أو أن مشاعره غير سوية أو أنه لا يستحق أن يكون كما الآخرين أو أنه ارتكب خطأً ما في حياته تسبب في وضعه.

أفضل فكرة الاحتفاء بالأشخاص بغض النظر عن مسمى أدوارهم، أولئك الذين استطاعوا رؤية وتلمس النور فينا ونحن في قاع الظلمات، والذين أحبونا ونحن لا نطيق أنفسنا، الذين لم يفقدوا فينا الأمل حين فعلنا، ولم يفلتوا أيدينا حين أردنا التخلي عن كل شيء. الذين أحسنوا إلينا وحاولوا لم شتاتنا بما لديهم من إمكانيات دون حتى أن يدركوا أنهم ساعدونا على رؤية أنفسنا بأعين مختلفة.

سبت وأفكار عشوائية

أفضّل إنهاء يوم السبت بحمامٍ طويل ساخن محاولةً لعكس ذلك على الحالة الشعورية والتخلص من مشاعر الأسبوع الذي سبقه وبداية أسبوع جديد.

منذ العودة للعمل في المكاتب الأسبوع الماضي، أصبح نهار السبت مخصصاً لتجهيز وجبات الأسبوع التي آخذها معي للعمل، فجأة أصبحت ساعات اليوم والأسبوع تبدو أقل بكثيرٍ مما كانت عليه. إضافة لاعتيادي الصمت والهدوء لساعات طوال أثناء العمل من المنزل، لذا فإن طاقتي تكاد تكون معدومة بعد الانعزال عن الاحتكاك المكثف بالناس فترة طويلة.

الأمر الوحيد الذي كانت لدي طاقة لعمله بعد العودة من العمل وإعداد الغداء هو الجلوس ومشاهدة Mare of Easttown
سأل أحدهم “مير” في الحلقة الأخيرة: هل يخف ألم الفقد أكثر بمرور الوقت؟
فتجيب: “لا، لكن بعد مدة تتعلم أن تتعايش مع ما لا تتقبله، تدرك أن عليك رغم الألم أن تخزن طعاماً في غرفة المؤونة، وأن تدفع فاتورة الكهرباء وتغسل أغطية الأسرّة، لذا فإنك تجد طريقة للتعايش مع الألم.”

قدرة الإنسان المستمرة على التكيف مع أمورٍ كان يعتقد أنها “نهايته” وأنها ستقضي عليه تبهرني دائماً. قد يخسر البعض أجزاءً منه حتى يتمكن من ذلك، ولكنها قد تكون أجزاء نتمسك ببقائها فقط بسبب اعتيادها وألفتها، وقد يكون في التخلي عنها ما ينفعنا.

أعتقد أن من أهم الدروس التي تعلمتها هو عدم التمسك والتشبث بخطط أو أفكار أو شكل معين للحياة أو الأمور التي أتمنى حصولها، أو حتى التمسك بتصورٍ محدد عن نفسي ورغباتي، وأن أتمكن من رؤية الألم على حقيقته، أن أشعر به وأتعايش معه عندما يزورني وأعرف أنه جزء من قصتي وطريقي دون أن أحاول مقاومته و”التغلب” عليه.

أستمع مؤخراً إلى فرقة ذات طابع موسيقي يختلف عن المعتاد
Tinariwen (+IO:I) – Sastanàqqàm

قلق

هناك أيامٌ أستيقظ فيها بقلقٍ شديد دون سببٍ محدد أو واضح، ويتراكم ذلك خلال اليوم.

أراجع نفسي: من أين بدأ أو أتى وما الذي استثاره؟ ولا أجد إجابة شافية.

يجعلني القلق أشعر وكأن هناك رافِعةً ما قامت برفعي إلى مكانٍ في الهواء يعلو سطح الأرض بكثير، وأن قدماي معلقتين في الهواء وأحاول إيجاد اليابسة للوقوف مرة أخرى دون جدوى، وتصبح حواسّي شديدة الحدة والابتلاع أكثر صعوبةً وكأن هناك منطاداً ضخماً يحلّق داخل حلقي.

أمارس أنشطة يومي حتى وإن أصبحت أكثر صعوبة، لا أميل إلى إلغاء كل شيء والاستسلام له لأنني لا أرغب في أن تكون له اليد العليا.

بين تجهيزات العودة إلى مقر العمل صباحاً والاجتماع العائلي ظهراً، ذهبت إلى مكان هادئ لمحاولة تخفيف حدته، لسببٍ ما عندما أذهب إلى مكان هادئٍ مختلف عن المنزل وحدي أشعر أن وجوده يتضاءل قليلاً.

أتوق للعودة إلى المنزل مساءً والجلوس وحدي بعض الوقت في هدوء تام، أشعر وكأنني كنت أمارس رياضةً شديدة الصعوبة طوال اليوم. أحاول جاهدةً ألا أكره هذا الضعف في نفسي.

أثرٌ لا يُرى

المدة الماضية كانت مليئة بالتقلبات، ظننت أنني وصلت إلى القاع مرة أخرى وأخافني ذلك كثيراً، إلا أن ذلك الشعور المظلم بدأ بالتزحزح تدريجياً وبدأت طاقتي الجسدية والنفسية تعود لي.

أعمل على تقبل الاستسلام للأيام السيئة لأنني أعلم ألا شيء يدوم على حاله وأن الأحوال تتغير وتتقلب وأحتسب أنها من أشواك الحياة الدنيا التي لا أملك التحكم بها، وعندما أمر بأيام جيدة أحاول استشعارها ملء حواسي دون التركيز على معرفتي بأنها ستمضي كغيرها، بل أصبح علمي بمضيها دافعاً أكبر للتشبع منها والامتنان لها.

البارحة اجتمعت لأول مرة مع شخص سيقوم بالإشراف عليّ في خطة تطويرية في العمل، سألني عدة أسئلة تتعلق بشخصيتي وخبرتي ومدى رغبتي في أن أكون في المكان الذي أتواجد فيه حالياً وما هي الأماكن التي تم وضعي فيها ولم يكن لي خيار في ذلك وما الذي أتطلع شخصياً للاستمرار فيه، ثم حدثني عن نفسه وعن أبناءه وبناته وتنقلاته، وأخيراً ختم حديثه معي بأنني أستطيع التواصل معه عند مواجهة أي صعوبات مهنية أو شخصية.

شعرت بعد الاجتماع أن هنالك شعورٌ ما تحرك لدي أكاد لا أتذكر المرة الأخيرة للشعور به، شعور يتعلق بكونه “إنسان” وبكوني “إنسانة” كذلك.
أعتقد أن العمل في أماكن ضخمة في السنوات الثلاثة الأخيرة قللت كثيراً من الشعور ب”أنسنة” مكان العمل والتعامل مع الأشخاص ومن هم أعلى مرتبة في السلم الوظيفي.

أؤمن أن الشعور ينتقل، وصدق حديثه وبساطته واستعداده الحقيقي للمساعدة جعلني أشعر ب”آلية” الآخرين إن صح التعبير. فالتعامل كله يشبه التعامل مع الأجهزة التي نعطيها أوامر محددة لتعمل ونقوم ب”خبطها” وإغلاقها وفتحها إن لم تعمل، وكيف أن استمرارية ذلك يجعل شيئاً ما يتآكل من الإنسان ببطء دون أن يعي ويبدأ الجمود يعتريه في تعاملاته عامةً بعد ذلك.

وأحياناً أخرى معاملة الآخرين التي لا تنم دائماً عن التهذيب تجعلنا نقيم جداراً دائماً للحماية للتأكد من التزام الآخرين بحدودهم، حتى يصبح الجدار جزءاً منا.

تكثر الأقوال، فالبعض ينظر للعمل كبيئة ليس للصادقين الذين يتعاملون مع الآخر بإنسانية فيها مكان، وأن هذه مثالية ليس لها مكان في الغاب وأن صاحبها سيؤكل ولن يصل لمكان.
ولأول مرة أرى بهذا الوضوح: ربما كل صراعي مع العمل هو ليس بسبب التخصص أو المهام أو الفوضى، فهذه الأمور قد يكون وقعها ألطف إن لم يكن الشعور الذي يغمرني هو أنني آلة كما الآخرين، وللأسف أن هذا ما أراه حولي حتى في بيئات العمل الأخرى.

أعتقد أنني أرغب في البحث عن هذا الأمر في الفترة القادمة وأحاول إيجاد حلول تمكنني من أنسنة تجربتي هنا حتى يقضي الله أمراً.

جعلنا الله جميعاً من أصحاب الكلام والأثر الطيب، وممن يزرع الأمل في النفوس ولا ينزعه.

النفس: الورطة المستمرة

فوضى عارمة تجتاح العوالم الخارجية والداخلية، يتضائل كل شيء في عيني فأتساءل سؤالي المعتاد الذي اعتدت سؤاله للمُعالجة: كيف يستطيع العديد الاستيقاظ والامتنان لنعمة الحياة؟

كوني أمتلك جميع مقومات الحياة التي لا يمتلك الآخرون على بعد دول قليلة أدناها لا يجعلني أشعر بأنني “أفضل”، بل يغمرني شعور الفوضى واللامعنى، ثم أتذكر مقولة أحد العلماء التي كانت جدتي رحمها الله تشاهد برامجهم على التلفاز، كنت أمر في فترة صراع مشابهة، جلست بجانبها ليقول “لا يُدرك تمام عدل الله إلا بتمام علمِه”.

خلال الأسبوع الماضي ذهبت إلى جدة لقضاء العيد مع العائلة، بعد الوصول استوعبت أنني لم أقم بالتواجد حول العائلة بشكل مستمر لعدة أيام دون انقطاع ودون فرصة للاختلاء بنفسي بعدما بدأت فتح الملفات قبل عامين، وشعرت أن نفسي وجسدي أصبحا كجهازٍ تم الضغط على جميع أزراره في الوقت ذاته دون توقف حتى اشتدت حرارته وأصبح يطلق إشارات إنذار بشكل مستمر.

لا أذكر آخر مرة زارني فيها القلق لأنام ما يقل عن ساعتين كل يوم، لا أشعر بأن قدماي على اليابسة، بل أشعر أنني في الهواء ولا أستطيع الدنو من الأرض، أبحث عن ثقلٍ ما يعيدني إليها لأستطيع التقاط أنفاسي.

مضى ثلاثة أيام على عودتي ولا زلت أحاول الرجوع إلى نقطة اتزاني، قضيت أيامي الماضية في إنهاء خطواتي فقط ومن ثم التسمر أمام شاشة التفاز، أحاول جاهدةً استبعاد فكرة الاستقالة والاستسلام للعزلة عن كل الأشياء والأشخاص والتوقف عن المحاولة، تبدو هذه الفكرة مغريةً جداً ومريحةً جداً.

أعتقد أن أصعب ما يمكن للإنسان التورط معه هو نفسه، لأنها لا تفارقه ولأنه لا يعرف غيرها ولا يستطيع منها هرباً، لا يمكنه الانفصال عن ذاكرته الجسدية والنفسية حتى وإن مُحيت الصور تماماً وأصبحت قيد النسيان.

برداً وسلاماً، يا رب.

رمضان والحنين

يحيط رمضان إحساس بالألفة لم يتغير على مدى الأعوام والأحوال، تشبه ما أطلقت عليه الألفة الأولى، هل لقيام سكان المدينة الواحدة بتناول الطعام في نفس الوقت تقريباً دور؟ لتشابه أنواع الأطعمة؟ أم لأن أغلب العائلات وإن لم يكن كلها تجتمع في وقت واحدٍ باختلاف السكن وعدم انسجام الأوقات الذي يمنع الاجتماع خلال الأيام العادية؟

أعتقد أن ألفتي اتجاهه ثابتة بتغير الأحوال ومرور السنين وتبدل الأشخاص. اليوم أثناء مشوار الذهاب إلى عائلتي لتناول الإفطار قبيل المغرب، شعرت بحنين مفاجئ اتجاه “رمضانات جدة”، فلسنين طويلة ومن بعد وفاة جدي رحمه الله منذ ما يزيد عن عشرين عاماً أصبحنا نقضي رمضان والعيد فيها، واستمر ذلك حتى قبل ثلاثة أعوام تقريباً.

شعرت بحنين إلى فوضى واستعجال الاستعداد للخروج قبل المغرب، إلى الرطوبة اللي تلفح وجهي قبل المغرب أثناء مشاهدة السيارات المستعجلة في الطريق إلى تناول الإفطار لدى أحد الأقارب، وإلى زيارة الأقارب والشعور بالألفة التي تصاحب زيارة بيوتهم التي أحفظ تفاصيلها عن ظهر القلب منذ الطفولة.

غريب هو شعور الحنين لأمور كنت كثيرة التذمر منها، ورمضان الحالي يحمل معه الكثر منه. لا يسبب لي ذلك شعوراً حزيناً، بل على العكس، أشعر بأن الحنين يجعلني أتلمس بعض الجذور التي أنسى وجودها بين الحين والآخر.

قبل عدة أسابيع، غمرني شعور مفاجئ لا أعرف مصدره، لكن لوهلة عادت بي الذاكرة إلى لقطات محددة من الطفولة كنت فيها سعيدة وشديدة الحماس والفضول اتجاه العالم، واستوعبت أمراً كان مفاجئة بالنسبة لي: هذا الظل القاتم الذي صاحبني على مر سنين طويلة لم يكن هنالك منذ البداية كما تصوّر لي.
لا زلت أتذكر أول جلسةٍ لي مع مُعالِجتي عندما أخبرتني أنه يسمى اكتئاباً وسألتني: هل تذكرين متى بدأ معكِ؟ وأخبرتها حينها أنني لا أتذكر نفسي أبداً دون هذا الظل المصاحب إلا أنني كنت أعتقد أن كل من على الأرض يحملون نفس المشاعر ولم أعتقد أنه يحمل اسماً محدداً.

بعد انتهاء تذكر هذه اللقطات المفاجئة غمرني شعورٌ بالارتياح، فهذا ليس جزءٌ أساسيٌ من تكويني، وهو ليس جذرٌ رئيسيٌ لنفسي كما ترسخ في ذهني لطول السنين وتراكم الأمور والأحداث.
شعرتُ بالرضى وبالشكر وبالامتنان، لم أتصور يوماً أنني قد أصل إلى هنا أو أن أرى شكل الأشياء أو أشعر بها كما أفعل الآن، ولم أعتقد يوماً بعد السنين العجاف أنني سأتمكن من التعرف إلى الأمل مرة أخرى.

فالحمد والفضل لله المبدئ المعيد الذي يحيي العظام وهي رميم.

مشاعر دون اسم

بدأت اليوم بقراءة النشرة البريدية لRob Walker والتي دائماً ما تفتح لي “أنفاقاً” جديدة في ذهني، أو على الأقل تمنحني نقطة ملموسة للانطلاق منها. عادةً، يُذيّل النشرة بتحديثات على “قاموس المفردات المفقودة” والتي يعرّفها ب”تمرين للانتباه للظواهر، والأحاسيس، والحالات التي تعترينا، والمشاعر، والأشياء الزلقة التي يمكن منحها أسماءً ولكن لم يتم تسميتها”.

وتضمن مقترح أحد القراء: “الحداد على خسارة شيء لم تمتلكه يوماً، على سبيل المثال: المهنة التي لم تخترها أو الشخص الذي لم ترتبط به.”

بعدها بدأت إنجاز مهام العمل التي كان معظمها روتينياً بحتًا، لكن جملة سمعتها البارحة في برنامج كنت أستمع إليه أثناء إعداد الطعام يتضمن معناها: أنه يجب تربية النفس على إكمال المهام حتى الممل منها، فلن نستطيع إنجاز أي شيء أو استكمال أي أمر إذا استمررنا في التنقل بين الأشياء والرغبات فقط بسبب الشعور بالملل وسنعتاد عدم إنهاء الأمور.
وحقيقةً، أشعر أنني في هذا الجانب أحتاج إلى كثير من التهذيب و”التشذيب”، فالأشياء التي أنهيها أقل بكثير من تلك التي أتركها وأنتقل منها فقط لأن قدرتي على الصبر على شعور انتهاء الاهتمام بأمر ما ضئيلة، أو لأنني أفكر في كمال صور الأمور أكثر من اللازم والنقص الحتمي ببشريتنا يجعلني أقف في مكاني.

وبالتالي، كنوع من المهادنة، بدأت الاستماع إلى ناي البرغوثي-افرح يا قلبي أثناء إنجازها، ثم سبح عقلي بعيدًا بعض الشيء:
هنالك شعورٌ قريب من ذلك الذي اقترح القارئ تسميته: توقٌ أو شعورٌ بالفقد لشيء لا نعرفه، ولم نجربه يوماً. شيء ما لا نعرف كنهه، هل هو حالة شعورية ذهنية أم أمر مادي ملموس، هل هو أمر واقعي ينتمي لعالمنا الحسي أو هو نتاج لعدة عوامل قام عقلنا الباطن بترجمتها لهذا الشعور لكنه أمرٌ غير موجود في الحقيقة. هو ليس شعورٌ حزين ولا بهيج بل متماهي، يزورني عند الغرق في الاستماع لشيء يحوز على جل انتباهي وإعجابي، أو عند قراءة نصٍ لا أود إنهاءه أو التواجد تحت شجرة كبيرة في صمت تام أيام الجمعة صباحاً أو عندما أكون طرفاً في محادثة أو جزءاً من لحظة أود استمرارها للأبد.
وكأنني أقف على حافة وأرى كل الأشياء الجميلة لكنني أرى نهايتها أيضاً، أرى النقطة في نهاية السطر، لكن ذلك لا يجلب الحزن معه بل يولد ذلك الشعور الذي ليس له اسم.

المنزل، المخبئ الدافئ

اليوم بقيت مستيقظة حتى وقت متأخر دون تخطيط، خبزت “شبيه براونيز” سريع بمكونات بسيطة لأنني بعد يوم غد سأضطر لاستبعاد أغذية إضافية حسب توجيهات الطبيب لمدة شهر ومن ثم أعيد الفحوصات لمعرفة ما إذا كانت هناك استجابة أفضل.
حقيقةً، أحاول جاهدة ألا أيأس أو أستسلم لأن العلاج عن طريق الغذاء طريق مليء بالتجارب وعدم القطعية، وأشعر بأن الإرهاق من مراقبة طعامي بدقة منذ عدة أشهر واستبعاد معظمه قيما عدا الاستثناءات بدأ يسبب لي القلق.

أحاول أن أقنع نفسي بأنني بدأت الطريق فسأحاول استكماله، وأنه إن كان فيه عافية بدني ونفسي فقد يقيني بإذن الله ما هو أشد تعقيداً في المدى البعيد، وأتمنى أن يجدي ذلك نفعاً لأنني أشعر أنني لا أستطيع استكمال الطريق لمدة طويلة.

تشعرني فكرة وشعور المنزل بالأمان، فكرة أنني لا أحتاج للتفكير لمعرفة أماكن الأشياء فيداي تذهب إليها تلقائياً، وأنني أستطيع الاستلقاء بعد نهاية يومي بهيجاً كان أو حزيناً والانغماس في الشعور دون قلق الانكشاف، فكرة اعتياد الألفة مع الأشياء والحاجيات والأماكن، وفكرة التجارب العديدة والواسعة والمتنوعة التي أخوضها من مكان واحد.

فكرة أنه مخبئ عن العالم الشاسع الواسع، المزدحم الهائج المائج، وتنهيدة الارتياح عند دخوله، اعتياد الأقدام على أرضياته، واعتياد الأذن على سكونه وأصوات الجيران المختلفة بما فيهم الطفلة المليئة بالأسئلة التي تعود مع والدتها إلى المنزل كل يوم في ذات الوقت ظهراً وتنتزعني بلطف من الانغماس في مهام العمل لأتحسس أن في العالم أبعاداً أخرى أكثر دفئاً ومعنى.

وممتنة لقدرتي على الشعور بالأمان فيه.