فسحة الأمل

اليوم، بعد حديثي مع الطبيب المختص في الطب الوظيفي وفهم الأعراض التي عانيت منها الشهر الماضي بعد أخذ بعض المكملات، فهمت أنه لا يوجد نوع محدد من الأشعة أو تحليل معين يمكن من خلاله الوصول إلى جذور بعض الأعراض، بل يمكننا فقط القياس على الأعراض وردات الفعل المختلفة.

لكنني شعرت بالأمل، أنني اقتربت من الجذر، الطريق ليس سهلاً أبداً وليس معبداً، لكنه طريق وضع أمامي وتيسرت لي أسبابه. أخذت نظرة سريعة على حياتي وتصالحت مع فكرة أنني لحكمة أجهلها تأخذني الطرق دائماً للجذور، مهما حاولت التشبث بالأسطح والاكتفاء بها ومقاومة تفكيكها أصل لمفترق طرقٍ يرغمني على التبحر والتشعب.
أشعر بالامتنان الشديد للألطاف الخفية التي أوصلتني إلى هنا في أحلك الليالي ظلمةً، وانتشلتني من غياهب اليأس التام. الألطاف التي منحتني القدرة على الاستمرار في التجربة والخطأ والوقوع ومن ثم التجربة مرة أخرى.

أعتقد أن منح الأمل للآخر هو من أنبل ما يقوم به الإنسان لأخيه الإنسان. أتذكر استيقاظي في إحدى الصباحات وذهني يردد (ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل)، فلو لم يتأمل الإنسان الشفاء، التغيير، الحب، النهوض، لقاء الأحبة، لكان الاستمرار أضيق من ثقب إبرة، وهو ما يعتريه عندما يخفت الأمل.

جعل الله حياتكم مليئة بفسحات الأمل وبالآمال الطيبة

هل يمكن التصالح مع الانفعال؟

بدأت الأمور تعود إلى سابق عهدها وأعيد استعادة أنفاسي بعد القطار المعنوي الذي مر علينا الأسابيع الماضية.

كتبت عدة “أنصاف” مدونات ولم أكملها، بدأت في دورة لتعلم الرسم المائي ولم أكملها لأنني لم أشترِ حاجيات الرسم حتى الآن، أعلق كل ذلك على زيارة مكتبة جرير واقتناء جهاز آيباد وأدوات الرسم التي أحتاجها. ولكن لم يجب أن يكون كل شيء مثالياً وفي مكانه الذي أفترض صحته حتى أنهي ما أبدؤه؟

سجلت مع مدربة رياضية وهي مختصة علاج فيزيائي في الوقت ذاته لأنني لم أستطع إلزام نفسي بنفسي للعودة إلى الرياضة بعد انقطاعي لما يزيد عن ثلاثة أشهر والذي عقب انتظاماً قارب تسعة أشهر، علقت ذلك أيضاً على شراء مرآة مناسبة حتى لا أقوم بالتمارين بشكل خاطئ فتؤذيني. لدي قائمة ذهنية من الأسباب المقنعة لتأجيل كل شيء ماعدا الاستلقاء بعد العمل ومشاهدة المسلسل الذي أتابعه هذه الفترة أو تصفح اليوتوب بالطبع.

حالياً أحاول إيجاد طريقة أو وسيلة أو شيء ما أقوم به لحماية مشاعري وذهني من أذى الغير، ففي العمل ابتليت بأحد من هم أعلى مني إدارياً إلا أنه كتلةٌ من القلق والتوتر والانفعال واللوم المستمر، يرى الأعمال فيسرع لتخطئة الآخرين ليتبين بعدها أنه لم يقرأ ما كُتب بشكل صحيح. وللأسف التعامل مع الانفعاليين ليس شيئاً أجيده بل أشعر أن طاقتي الجسدية والنفسية تُمتص وكأن كل متعة وشعور جيد يتم سحبه مني لبقية اليوم.

أرغب في الوصول إلى مرحلة البرود التام بحيث لا أنفعل داخلياً أو خارجياً في وجه الانفعال، أي لا أكبته ولا أكظمه بل لا أشعر به أساساً. فقررت أن أقوم أولاً باعتبار الشخص شخصاً غير متزن ومعاملته على هذا الأساس ومحاولة بناء جدارٍ نفسي سميك، ومن ثم التعرف إلى الفرشاة والورق عل ذلك يأخذ بذهني بعيداً. أتمنى ألا يكون لأي شخص انفعالي سواءً كان قريباً أو بعيداً هذا الأثر شديد الأذى في نفسي التي أكره حساسيتها المفرطة وأتصارع معها أغلب الأحيان، فالانفعال يجعلني أغلق نفسي عليها وأبتعد عن المحيط لأحاول استعادة اتزاني، يعيدني مرة أخرى إلى شعور الشخص العاجز الذي لا يملك حماية نفسه من غضب الآخرين.

سأحاول أن أتنبه كل يوم إلى الأشياء والأشخاص الذين أصالح بهم الأيام والزمن، وما يساعدني على مصالحة نفسي وتهدئتها، اليوم كان كأس الشاي الأبيض ظهراً وبعض الفراولة المحلية ووجبة غداءٍ لذيذة بسيطة من السالمون، العودة إلى الكتابة، وأخيراً الست-صالحت بيك أيامي.

ما هو اليوم؟

لا أدري إن كانت الأيام لا تزال تُعد وتُؤرخ كما السابق، لأن شعوري الشخصي نحوها أنها متماهية متداخلة، فعندما أستيقظ صباحاً أحتاج لبعض الوقت حتى أعرف اليوم وما إذا كان يوم عمل أو نهاية أسبوع.

عدت إلى العمل في المكتب قبل أسبوعين وبدأت أيامي تتحسن قليلاً خاصة أنني كنت ألتقي هناك بصديقتيّ، وكان هناك العديد من الأحاديث والحكاوى التي تبادلناها، إلا أنني اضطررت للتوقف عن ذلك وإكمال عملي عن بعد نظراً لاختلاطي بوالدتي التي أصيبت بالفيروس المنتشر.

بعد ذلك دخلت في حالة قلق أقرب للهلع، أستطيع سماع صوت والدتي يخفت تدريجياً عبر الهاتف لكنني لا أستطيع رؤيتها، أتمنى أن يتحسن صوتها يوماً بعد يوم لكن ذلك لا يحدث. هل يُعقل أن يكون هذا الفراق الدنيوي؟

كان المحيطون بي يخبرونني مراراً وتكراراً بأنها ستتحسن إن شاء الله، وأقدر لهم ذلك حيث أنهم يحاولون جعل وقع الموضوع أخف وأكثر أملاً، لكنني كنت أتضايق في ذات الوقت وأفكر “لن أضايقكم بأفكاري عن حقائق الحياة التي نرغب في إشاحة وجوهنا عنها طمعاً في عدم حدوثها، لكنني لا أرغب في الهروب من ذلك”.

مواجهة واقع أن الحدث الأكيد في حياة كل الأحياء هو نهايتها، ليس الدراسة ولا العمل ولا الزواج ولا الإنجاب ولا السعادة ولا الحزن. بدأت الأشياء تفقد طعمها ولونها، وبدا كل شيءٍ بارداً معتماً بلا معنى، كل شيء يبدو غير مألوف.

وفي خضم ذلك كله كنت أحاسب نفسي وأفكاري وحزني، هل تعلقي مَرَضي وطفولي؟ هل حزني واقعي؟ هل تشبثي بوجودها أنانية مني؟

كيف يمكن للعالم أن يكون باهتاً لهذه الدرجة؟ وللقلب والأعضاء أن يكونوا هواءً وفراغاً؟

أحاول إيجاد نقطة الاتزان، بين كون الحياة في حقيقتها مؤقتةً جداً إلا أنها حقيقيةٌ جداً وعلينا أخذها بجدية، أن الألم جزء لا يتجزء من الحب لأننا مخلوقات ضعيفة هشة حياتها ليست أبدية ووجودها مؤقت وغير معلوم النهاية، أننا لا نمتلك شيئاً وإن امتلكنا ما امتلكنا، وأننا لا نستطيع فعل شيء حيال أي من ذلك.

بدأت مستويات الأكسجين تتحسن لدى والدتي بفضل الله، لكن صدمة احتمال الفقد القريب جداً التي مررت بها جعلتني أرى كل شيء بشكل مختلف، وأصبح يبدو كل شيء شديد السطحية ضئيلاً ومؤقتاً.

أول أسبوعين من كانون الثاني

كانت الأسبوع الماضي كانت عائلية بامتياز، على الرغم من أنني لا أفضل الذهاب إلى الأماكن المزدحمة وأتجنبها، إلا أنني كسرت القاعدة لأنضم إلى والدي وإخوتي لتناول الغداء يوم الخميس، وكان الأمر يستحق ذلك.
بعدها زارنا أحد الأقارب وبقي حتى منتصف الليل. ويوم الجمعة أيضاً كان اجتماعاً عائلياً. أحب الالتقاء بالأقارب -وليس لدي العديد منهم في المدينة التي أقطنها- لكنني كلما عرفت نفسي أكثر كلما تنبهت إلى أن طاقتي تُسحب وذهني يتشوش كثيراً عندما أكون محاطة بأناس عديدون لفترة طويلة. وكأنه أمر جسدي لا نفسي.

بدأ هذا الأسبوع بشكل هادئ بطيء، كلما أتيت للكتابة يزورني شعور غير لطيف، فالحديث هو نفسه هنا، وبيني وبين نفسي، ومع الأخصائية التي تراودني نفسي أن أؤجل الجلسة في كل أسبوع لأنني أشعر أنه لم يعد لدي ما يُقال. أعرف ما الذي يؤذيني، لكنني لا أعرف خطوات تغييره. أشعر بالوجهة لكنني لا أتلمس الطريق إليها.

كانت لدي جلسة هذا الأسبوع مع أحد الأقارب وهو متخصص في التقييم وفقاً لنموذج (بيركمان)، يمكن قراءة المزيد عنه لكنه عامةً نموذج يستطيع المرء من خلاله التعرف على نفسه بشكل أوضح، وإلى ميوله واهتماماته وما يناسبه سواءً كان ذلك في الحياة عامةً أو في العمل. وكانت هذه الجلسة محاولة لتحديد الخطوات التي يمكن أن تأخذ بي إلى ما أتقن عمله ويناسبني في الوقت ذاته.

على عكس نهاية الأسبوع الماضي، نهاية هذا الأسبوع هادئة، أنتظر نضج خبز الموز بدقيق جوز الهند الخالي من أي محليات، قاربت إنهاء قراءة كتاب لم أكن أرغب في انتهاءه وكنت أتباطؤ في قراءته لأجل ذلك، أنهيت مسلسلاً من ثمانية حلقات في يومين تقريباً وذهبت لزيارتين عائليتين سريعتين.

أعتقد أن الشعور الغالب على هذه الأيام هو “الطفو”، كل شيء يبدو قريباً جداً وبعيد النوال في الوقت ذاته، يغمرني الرضا للحظات طوال ويصارعه القلق والجزع، أحاول القبض على لحظات الرضا والانغماس فيها، ليس تشاؤماً ولكني أصبحت أكثر معرفة بالواقع، فعندما تحين اللحظة التالية أمتن لأنني لم أشغل عقلي وقلبي حينها بـ “ماذا سيحصل بعد”.

كل شيء يبدو غير حقيقي بما يكفي، حالياً أتمنى لو كانت لدي وسيلة أخرى للتعبير غير الكتابة والحديث، لأن هناك مشاعر لا أستطيع التعبير عنها من خلالها بوضوح. كأن كل شيء يسير بطريقة التصوير البطيئة في الأفلام، مشاعر لا تميل اتجاه السلبية ولا الإيجابية، رغبة مستمرة في الصمت والتأمل.

السادس من كانون الثاني

أشعر أنني أمر هذا الأسبوع بشعور افتقدته منذ ما يزيد عن عام: امتلاك الوقت. فبعد أن عاد أغلب الزملاء من الإجازات التي تكدست في نهاية العام وعدت لإنجاز أعمالي فقط وبعد الاستقرار في المنزل والانتهاء من أغلب الحاجيات، أصبح يعتريني خلال اليوم شعور راحة عجيب بفضل الله، افتقدت هذا الفراغ كثيراً، القدرة على الإبطاء بعض الشيء وعدم الركض واللهاث. أتوقف أثناء المشي لإنهاء خطواتي وتعتريني ابتسامة في كل مرة تتبادر إلى ذهني فكرة أن الركض قد تباطئت سرعته، أرغب في استنشاق هذا الشعور والاحتفاظ به في رئتي.

اليوم يصادف ميلاد أحد أعز الصديقات، فكرت في شراء شي بسيط وإعطائها إياه عند الالتقاء بها، لكن قررت إرسال باقة ورد مجهولة المصدر إليها لتكتشف المرسل فقط عند استلامها لها، لأنني تذكرت شعور المفاجئة اللطيف الذي غمرني عندما قامت ابنة عمي بفعل ذلك لتشكرني على خدمة بسيطة جداً قدمتها لها وبقائي طوال اليوم مشغولة في التفكير في مرسل الباقة التي تواصل معي المندوب لإيصالها.

أحالتني الأخصائية إلى مختص في الطب الوظيفي وأعطاني عدة مكملات وطلب مني الاستمرار على نظام غذائي معين ليس سهلاً أبداً، لكنني أعتقد أنني حالياً أجرب لأول مرة الحياة انخفاض حدة صوت الأفكار القلقة المزدحمة في رأسي، أرغب في قراءة المزيد عن ارتباط صحة الجهاز الهضمي بالالتهابات المخ “brain inflammation” والتي تزيد في كثير من الأحيان من أعراض الاكتئاب والقلق.
حتى الآن، يصادف أن العديد ممن أعرف وتكون لديهم معاناة متربطة بأجهزتهم الهضمية يكونون أيضاً أشخاصاً قلقين متوترين.
وشخصياً لا أمانع تجربة أي شيء طالما أنه لا يحتوي على مواد كيميائية أو أدوية، كما أنه وفقاً لتجاربي الشخصية تعالج الأدوية المستمرة أعراض الأمراض المزمنة لا جذرها، وأفضل دائماً الوصول إلى الجذور وإن كانت الطرق أصعب وأكثر وعورةً وطولاً.

لدي فضول لمعرفة شكل الحياة دون نبضات القلب المتسارعة والأفكار الصاخبة، لتجربة مشاعري اتجاه الأشياء والأشخاص والأحداث دون ظل الاكتئاب الثقيل الذي كنت أظن أنه جزء من تكويني ولا أعرف له اسماً، ودون التقلبات الحادة في المشاعر، أرى أن “المشوار” طويل لكن كل شيء طيبٍ يحتاج إلى صبر والتزام و”طولة بال”، رزقني الله وإياكم إياها.

آخر أسبوعين من كانون الأول

كانا أسبوعين حافلين، مليئين بالصراعات الداخلية، الرغبة في ترك كل شيءٍ والانعزال عن العالم، مقاومة هذه الرغبة بكل ما أوتيت من طاقةٍ وجهدٍ ومحاولات استبقاء الأمل.

ساعدتني التجارب السابقة كثيراً، رأيت وصولي مراتٍ عدة لقيعان بأشكال مختلفة، وفي كل مرةٍ كان لطف الله يضع في طريقي ما يأخذ بيدي إلى أماكن أعمق وأبعد، أماكن تنتشلني من القاع وتعيد تعريف مفاهيمي وتريني كل شيءٍ بعين أخرى.

ساعدني كثيراً لقاء الصديقات بعد طول انقطاع، فمع الأولى قضيت ٥ ساعاتٍ كاملة في التحدث دون انقطاع، في الضحك وفي البكاء أيضاً، ومع الأخرى قضيت ما يقارب ذلك، أحاديث لا تنقطع أثناء المشي في الحديقة وتأمل القمر المكتمل المختبئ وراء الغيوم. اتفقنا أن علينا ثلاثتنا الاتفاق على وقتٍ محدد من كل أسبوع للالتقاء حتى لا نترك الأمر لأمزجتنا الكسولة. أعتقد أن لحظات الصفاء هذه ساعدتني وتساعدني كثيراً، خاصةً وأننا جميعاً نمر بنفس المرحلة المرتبطة بمحاولة إيجاد المعنى وعدم الارتياح لشكل العمل الحالي، مرحلة تشكيل مفاهيم وثوابت ورؤية الواقعة والحقيقة مجردين من التخيلات المثالية والاصطدام بما يجبرنا على النظر و”الحفر” في دواخلنا وعدم اللجوء إلى الهروب كما كنا نفعل عندما كنا أصغر سناً وأقل تجربة.

تساعدني كثيراً أيضاً فكرة أنني أخبر نفسي: هذه مرحلة انتقالية كسابقاتها، لا شيء يدوم، وطالما أنني أدعو من يملك كل الإجابات فعليّ أن أترك التشبث بالمقود بهذه القوة.

ممتنةٌ للألطاف التي غمرتني في أكثر اللحظات حلكةً وظلاماً، للعلامات على الطريق التي أرشدتني بشكل تدريجي وشكلتني، ممتنة للقدرة على دعاء مالك الملك في كل وقت وفي أي مكان، لأطياف الأمل التي تلوح لي حتى وإن تلاشت بعدها، للانفتاح على التجارب المختلفة التي كانت أسباباً وحبال نجاة.

أشعر أنني بحاجة إلى استعادة القدرة على كتابة اليوميات، فالمدة الماضية كانت قاعاً لم أخرج منه تماماً، لكنني إن تعلمت شيئاً من تجاربي يعينني على هذه الأيام فهو أن القيعان التي تدفعني للاتجاه إلى الداخل وإلى الخالق تتلوها أمورٌ طيبة بإذن الله.

آخر أسبوع من الإجازة- كانون الأول

اليوم كان أول يوم عملٍ لي بعد العودة من إجازتي والتي انقضت سريعاً بالطبع.
استسلمت إلى حقيقة أنني أحتاج إلى من تساعدني في مهام المنزل بشكل أسبوعي على الرغم من أنني كنت لا أفضل الاستفادة من الخدمات المقدمة من شركات عمال المنازل بالساعة لعدة أسباب أخلاقية وإنسانية، إلا أنني حالياً لا أمتلك حلاً آخر لأنه في المقابل الغرف التي يتم تصميمها في الشقق للعاملات المنزليات لا أعتقد أنها تكفي طفلاً حتى تكفي إنساناً بالغاً عاقلاً يحتاج إلى مساحته الشخصية في المكان الذي سيكون مقر معيشته لما يزيد عن عام.

أجلس في نهاية اليوم بعد الانتهاء من الاجتماعات والانتصاف في رسائل البريد الالكتروني التي تجاوزت الأربعمائة، وبعد إعداد الغداء وتناوله، في انتظار انتهاء العشرة دقائق التي يحتاجها مشروب الليمون والزنجبيل الدافئ حتى (يختمر) إن صح التعبير.

يغمرني إحساسٌ كنت أحاول الهرب منه من خلال الإجازة. أشعر أن هذه المرة مختلفة عن كل مرة، وكأنني انتصفت في الطريق الطويل، أرى ما مضى بقلبٍ كان يحمل غضب الدنيا حتى فتته مراراً وتكراراً ليتجمع مرة أخرى وبشكلٍ آخر، ليتجاوز التوقعات التي خابت ويفهم ما ورائها من معاناة أشخاصٍ خُيبت توقعهاتهم حتى بقي ما بقي منهم. يتجلى لي فهم أن ما كان كان وما سيكون سيكون، لا أستطيع تغيير الماضي ولا الحاضر وإن خرقت الأرض وبلغت الجبال طولاً. أنه ليس هناك نهاية مغلقة حالمةٌ للآلام والندوب، أن الناس لا يتغيرون وإن أحببتهم مراراً وتكراراً وتوقع عقلك الباطن وحلمت بتلك اللحظة التي تأتي ليخبرك أحدهم بأنه يعلم بما تسبب لك به من صعوبات ومعاناة وتُفتح صفحة جديدة وتصبح الدنيا “بمبية”. أن هذا الألم مقدر لك لأسباب لا تعلمها وتجهل حكمتها لكنها جزء من قدرك وجزء من تجربتك المحتمة عليك سواءً ركلت وعارضت وقاومت ذلك بكل ما أوتيت من قوة وطاقة أو رضيت واستسلمت.

أعلم ذلك كله، لكنني أشعر أنني أصبحت في منطقة شديدة الرمادية، فلست غاضبة ولا متمسكة، ولكنني لست متأملة ولا متفائلة في الوقت ذاته. أرغب في أخذ مقعد المتفرج ومشاهدة الشريط يمر من أمامي، لا أرغب في القيام بأي فعل أو اتخاذ أي قرار ولا أمتلك الطاقة لذلك.
أعلم أن عملي خالٍ من المعنى والمتعة بالنسبة لي وبأنه يساعد في إثارة كل مكامن الضعف لدي، لكنني لا أود الهرب هذه المرة باستقالةٍ أو طعامٍ لا يضيف إلى صحتي أو اختباءٍ وانطفاء، لأن ذلك لا يغير من الواقع شيئاً فكل مرة أعود للاصطدام بذات الجدار. هل هناك حلولٌ أخرى؟ لا أعلم.

أشعر أنني حاولت كثيراً في كل الاتجاهات، ولا أستطيع التمييز ما إذا كان هذا استسلاماً وتسليماً إيجابيين أم يأساً، ولا أستطيع إنكار خوفي من هذا الشعور ومن تلوينه لي.

الله يبعتلكم أيام ملونة بألوان مبهجة

أول أسبوعين من الإجازة- كانون الأول

هكذا بدأ أول يوم إجازة قبل أسبوعين: استيقظت من النوم بحماس لتجربة سوبرماركت جديد لشراء الاحتياجات كنوع من التغيير. على الرغم من أنني لا أنام مبكراً إلا أنني أحاول الاستيقاظ قبل الساعة الثامنة لمحاولة استغلال أيام وساعات الإجازة بأكبر قدر ممكن.
كان يوماً هادئاً بطيئاً كما أحب، الشمس شبه غائبة منذ الصباح. بعد العودة وترتيب الحاجيات استلقيت للعودة لقراءة ما بدأته قبل شهرين تقريباً وصوت المطر المنهمر يملؤ المكان.

إلا أن بقية الأسبوعين لم يكملا على نفس الوتيرة، فالركض كان مستمراً بين محلات الأثاث لأنني أرغب في إنهاء التأثيث قبل العودة إلى العمل وبين محاولة إنهاء أوراق العمل التي ازدادت صعوبتها مع التقدم في البرنامج التدريبي وبين ترتيب وجرد المنزل، حيث سأكون في مكان زميلتين عندما أعود إلى العمل الأسبوع المقبل، وكانت هذه الفكرة مقلقة لي طوال الوقت. لا أدري ماذا أطلق على هذه الحالة: القلق من العودة إلى العمل أثناء الإجازة.

لم أقم بتجربة أطباق جديدة، بل تقريباً لم أقم بطهو أي أطباق مطلقاً.

في المقابل كان هناك بعض اللحظات اللطيفة التي أحاول التمسك بها: الركض خلف ابنة أخي التي تبلغ العامين في الحديقة وتأمل الفضول الفطري والدهشة اتجاه كل شيء، بدءاً من ورق الشجر الملقى على الأرض وحتى تجربة غمس قدمها في الطين المبلل حول النخيل ومحاولة دفن وجهها في ورق نبتة الصبار، زيارة مقهاي المفضل صباحاً لتشجيع نفسي لكتابة أوراق العمل، الاستيقاظ دون منبه، إعداد كمية كبيرة من البراونيز المحلى بالتمر (أستخدم شوكولاتة داكنة بنسبة 90%)، إنهاء الليالي الشتوية بكوب من مشروب الشوكولاتة الساخنة بكريمة جوز الهند، وجدت الدولاب الذي أرغب به منذ مدة بالصدفة والمناسب لركن القهوة والشاي في صالة الجلوس والمصنوع من الصدف الأبيض المختلط بالصدف الذي يتموج لونه بين الرمادي والأزرق.

أحاول التمسك بأي شيء يدفع عني هذا القلق الذي زارني قبل عدة أشهر ويأبى مفارقتي، تزورني لحظات سكينة متفرقة بعد محاولات حثيثة لتهدئة النفس، أحاول الهرب باستمرار من الضجيج وإيجاد أماكن هادئة، لكن كيف السبيل للهرب من الضجيج المستمر في رأسي وبين جوانبي؟

استيقظت اليوم على رسالةٍ من مديري السابق يطلب مني عقد اجتماع مع رئيس القسم لعرض عمل قمت به سابقاً، استفزتني الرسالة لأنني في إجازة ولأنها كانت رسالة خالية من الذوق لا سلام فيها ولا أدب طلب بل أمر جاف، توترت كثيراً وقررت الرد بأنني سأقوم بذلك الأسبوع القادم لأنني في إجازةٍ حالياً. أشعر أن علي الاستقتال لمقاومة محاولة التعدي على وقتي الخاص وحياتي، ليس هناك تسمية أخرى لتجميل ذلك خاصةً أن السواد الأعظم يقبل هذا التعدي، يرحب به ويمجده.

أحاول مقاومة الرغبة في ترك كل شيء والهرب وهو ما أجيده، عل الناتج يتغير هذه المرة بإذن الله.

الأسبوعين الأخيرين من تشرين الثاني

بدأت في كتابة هذه التدوينة منذ أسبوع ولم أتفرغ لإنهائها حتى الآن.

أستيقظ صباحاً وأحاول تشجيع نفسي: بقي يومان على الإجازة.

وكأن الإجازة هي الحل السحري المُنتظر. أعتقد أنني قد أكون “أدمنت” شعور الهروب من كل شيء عندما لا أعرف كيف أتعامل معه. أمس أثناء حديثي، رأيت الشريط الطويل أمام عيني: كل مرة أبدء عملاً ما، وبعد البداية بمدة ليست بالطويلة أبدء بالشعور بالاختناق، أشعر وكأن جزءاً من روحي وعقلي وقلبي يضمر بالتدريج مع محاولة إخضاع عقلي ونفسي لحدود العمل.

نعم أعلم أن العمل وسيلة لعدة أمور: الاستقلال المادي الذي يوسع الخيارات (وإن كانت هذه النظرة قد تغيرت بعد عدة تجارب مريرة، فالرزق المكتوب مكتوب وقد رأيت أناساً أحبهم أغرقوا أنفسهم في الأعمال رغبةً في الاستقلال والاكتفاء ليستيقظوا بعد عشرات السنين وقد فاتهم من النظر في أنفسهم والبحث فيها وفي الكون ما فاتهم، ولا تزال ذات الأسئلة عالقةً لديهم). هل لدي حل آخر لهذه المعضلة الكونية في هذا الزمن والتي يعاني منها العديد غيري؟ لا، لكنني أشعر أن هذه الوسيلة أصبحت تغرقني وتغرق تقريباً كل من أعرف.

اليوم، جائت في طريقي مقالةٌ أعتقد أنها دلتني على جذر هذا الصراع: عدم أنسنة أماكن العمل، إن صح التعبير.

“تشييء” الإنسان لتصبح قيمته كفردٍ مرهونة بالمهارات التي يمتلكها والتي تجلب المزيد من المال لأصحاب العمل، فلا يهم كونه لطيفاً مع الخلق يتعاطف معهم ويحسن إليهم طالما أن ذلك لا يؤدي إلى زيادة المبيعات. وضع الإنسان في هذه الدائرة من خيارات يختلف ظاهرها لكن باطنها متشابه، تأخذ به بعيداً عن جوهره ومعناه.

أو على الأقل، هذا الإحساس الذي ينتابني ويستمر موجوداً. لكنني لا أريد الهرب هذه المرة فقط من أجل الهرب لأن الكرة تعاد في كل مرة.

انتهى أسبوع العمل أخيراً باجتماعٍ مع صديقات المدرسة، هذا الاجتماع السنوي الثالث عشر بعد التخرج، تسبقه سنوات الدراسة منذ الصف الأول الابتدائي. غريب كيف أنه في كل اجتماعٍ سنوي نعود وكأن هذه السنين الطويلة لم تنقضِ، على الرغم من كل ما مرت به كل واحدة منا على حدة، يعود الضحك والمزاح المستمرين، الأحاديث المتداخلة والأصوات المرتفعة. كان يوماً ممطراً والجو شديد اللطف.

لا أزال أحاول تعويد عقلي أنه ليس هنالك ما يقلق عليه، ليس هناك مواعيد فائتة ولا مهام مطلوبة فأنا في إجازة لمدة ثلاثة أسابيع (أحاول ألا أفكر فيما يليها). ياه، يا للسلام الذي يصطحب هذه الفكرة. أشعر وكأن رئتي تتوسع لتستعيد القدرة على التنفس مرة أخرى.

متحمسةٌ جداً للعودة للتدوين بشكل يومي إن شاء الله، لترتيب مكتبتي وإكمال تأثيث المنزل، تجربة أطباق جديدة، رؤية الصديقات، مشاهدة وقراءة ما فاتني، الجرد السنوي للملابس، والأكثر من ذلك استشعار هذا السكون الذي تتوق روحي إليه.

عدت للاستمتاع بالجلوس فقط والاستماع للست والابتسام للانتشاء بمزيج الكلمات واللحن والأداء
يا حبيبي طاب الهوى ما علينا

الأسبوع الثاني من تشرين الثاني

لا أفضل بث الكثير من المشاعر الغير لطيفة من خلال ما أكتب، لكن هذه الفترة من حياتي تتضمن العديد من التجارب النفسية الشاقة، ولا أرغب في إعطاء كتاباتي طابعاً غير واقعي، لأنني أذكر نفسي أن هدفي من الكتابة هنا دون استخدام اسمي هو أن أعبر دون أن أحمل هم التوقعات المسبقة وأن تكون كتاباتي حقيقة لتوثيقها والعودة إليها بعد سنين.

مع مرور الوقت والزمن يتأكد لي مراراً وتكراراً أن الركض لا يناسبني ولا يلائم طبيعتي. والآن تأكد لي ذلك أكثر من أي وقتٍ آخر، الاستقياظ بفزع من قائمة مهام العمل الطويلة والخوف من نسيان بعضها، تفقد دفتر المهام مراراً وتكراراً، الغرق بين رسائل بريد العمل التي لا تتوقف بل تزداد، عيناي التي أصحبت تحتويان على نقاط حمراء بسبب الجفاف وصداع محاجر الأعين الناتجين عن التركيز على الشاشة منذ الاستيقاظ وحتى النوم، عدم الاستمتاع ببطء أيام نهاية الأسبوع وصفاء الذهن فيها، الهرب من الارتباطات الاجتماعية حتى تلك التي أحب وأفتقد والتي تمدني بالطاقة لأن ذهني في الوقت حالي ينظر إلى كل شيء كأنه مهمة أخرى تضاف إلى القائمة.

أعتقد أن سلواي في هذه الفترة أن هذا كله مؤقت، ستعود مديرتي بعد أسبوعين وسينتهي برنامج التدريب بعد خمسة أسابيع، ستمر هذه الفترة إن شاء الله.

في إجازات نهاية الأسبوع وفي الوقت الذي أسترقه مع من أحب أكتشف افتقادي للاتصال البشري خارج نطاق العمل، يوم السبت زرت أحد الأحباب، تناولنا الإفطار وجلسنا عدة ساعات تحت ظل شجرةٍ كبيرة، كانت جلسة سُكبت فيها القلوب، فحيح الأشجار، الشمس والهواء. أحسست بأنني ابتعدت عن هذه الدوامة وشعرت أن روحي كانت عطشى لمثل هذا.

يوم الأحد لم يكن سلساً منذ بدايته فقد بدأ بمشكلة مع مديري السابق لأنني طلبت منه عدم إرسال طلبات جديدة لي لأن مديرتي الحالية في إجازها والقسم جديد ولا يوجد أحدٌ آخر يقوم بجميع المهام المتعلقة بتأسيس القسم وتلك المتعلقة بالأعمال والمهام اليومية.

بعد صلاة العشاء وتناول الغداء، تعرضت لصدمة لم أتعرض لها مسبقاً، أثناء مشيه فقد زوجي وعيه فجأة وسمعت صوت ارتطام جسده بالأرض، ركضت لمصدر الصوت ووجدت رأسه ووجهه غارقين في الدماء، أصابتني حالة من الهلع ولوهلة ظننت أنني أتعرض لأسوء كوابيسي ومخاوفي، لا أتذكر ماذا قلت أو فعلت لكنه بدأ في استعادة وعيه وبدأت في ارتداء عبائتي سريعاً لأخذه إلى المستشفى، طلب مني الاتصال بأخيه لفعل ذلك لأن أعصابي تتعرض لضغط شديد ولا يجدر بي أن أقوم بالقيادة في هذا الوضع. بعد ذهابه إلى المستشفى قمت بتنظيف أرضيات المنزل التي انتثرت فيها الدماء، وبعدها بدى كل شيء بطيئاً وبدت كل حركة تتطلب مني جهداً عظيماً للتفكير بها.

لم أرغب في الاتصال بوالدتي فهي لم تعد صغيرة في السن والوقت لم يكن مبكراً ولم أتمنى أن أكون سبباً في تعرضها لقلق شديد في هذا الوقت خاصة أنني لم أستطع التوقف عن البكاء على الرغم من معرفتي أنه بخير والحمدلله وأنهم قاموا بعمل جميع الفحوصات اللازمة للقلب والدماغ والأغلب أنه كان هبوط ضغط مفاجئ واحتاج خياطة بسيطة. لكن صدمة الشعور الأول بقيت عالقة معي ولم أستطع تجاوزها، ومن ثم صدمة اكتشاف أنني إن لم أتصل بأمي بحثاً عن الراحة في الحديث معها عما حدث فإني لم أجد أحداً آخر تسمح علاقتي به بفعل ذلك.

هل بالغت في الحفاظ على مسافات في جميع علاقاتي حتى تلك القريبة منها، خوفاً من الحب والفقد، خوفاً من أن أثقل على أحدهم لأجد نفسي في نهاية المطاف وقد كبلتني مخاوفي وحجبتني عن القدرة على الاتصال البشري الطبيعي؟

أتأمل أحد أقربائي الذي قارب السبعين وأفكر: كيف يشعر وقد تجنب محاولات الآخرين للاتصال معه بحضن أو كلمة دافئة أو لمسة يد حانية لما يزيد عن خمسة عشر عاماً؟ كيف يمكن لأحدهم أن يقسو على نفسه لهذا الحد ويحرم نفسه من قرب التواصل البشري؟ أن يخاف ويجد من يطمئنه ويتحدث إليه؟

وأشد ما أخافه هو أن أفعل في نفسي يوماً ما فعل، لأن بالتأكيد كانت بدايته تدريجية، كان هناك الكثير من “منطقة” العلاقات والمسافات “الآمنة” في ظاهرها.

أعتقد أنني أرغب في كسر هذه الحواجز التي وضَعت بعضها ووُضِعت لي بعضها، أرغب في أن أسمح لنفسي بإظهار ضعفي وخوفي ومحبتي، حتى وإن خذلت وإن فقدت وإن تألمت، لأن هذا كله جزءٌ لا يتجزء من المحبة والشعور بالآخر ومن التجربة الإنسانية التي نخوضها، وأعتقد أن هذا الألم أخف وطئاً من قسوة العزلة النفسية والفردانية التي تعززها طبيعة الحياة الحالية.

أنار الله قلبي وقلوبكم بالمحبة والطمأنينة والسكينة وغمرها بألطافه.