“إذا أخرج يده لم يكد يراها”

أشعر أن بعضاً من الذهول لا يزال مصاحباً لي. وكأنني أمر بمراحل الفقدان الخمسة، لكنه ليس فقداً لشخصٍ أو شيءٍ ما، إنما هو فقدٌ للأمل. للأمل ككيان، وكشعور، وكحالة، وكدافع، وكرغبات، وكتصورات.

أمورٌ مرّ عليها سنون في توقعات مستمرة للتحسّن، كانت بحد ذاتها وعلى وضعها غير مريحةٍ إطلاقاً، تستثير مشاعر ومستثارات بشكلٍ مستمرٍ، ولكن كنت دائماً أقول سيتحسن الأمر هذه المرة بإذن الله.

أطرق كل الأبواب والأسباب، مرةً وعشرة، ثم تبدأ الأمور بالانحدار تدريجياً، لكن صوتاً ما قد يكون إنكاراً للواقع كان يتردد في رأسي: ستتحسن الآن، لا تسوء إلا لتتحسن.

ثم يأتي ما ينتزع كل ذلك انتزاعاً من يدي، لا لتستمر الأمور كما هي عليه في وضعها الغير مريح، بل لتصبح أسوء بمراحل عديدة، أسوء مما تخيلت يوماً.

ملأني غضب عدم الفهم، وعدم التصديق، ولا يزال يزورني منذ عدة أسابيع، ثم بدأ يغلبني إفلات الأمل مع خليطٍ من الاستغراب.

أناجيه راجيةً ألا يحملني مالا يتحمله ضعفي وتكويني البشري وما يجعل كل شيء على المحك.

لا أرغب في أن أكون شخصية “البطل” بعد الآن، ولا أن ألعب دور المنقذ بشكل مستمر، أشعر أن نفسي أصابها وهنٌ لا تتمكن معه من إسناد غيرها ولا نفسها، وأن أكتافي مكوّنة من ورقة شفافة كتلك التي تُستخدم لشفّ الرسمات.

الشعور بالقِلّة هي من أسوء المشاعر التي أختبرها وتختبرني، أن تشعر أنك قليل، غير مرئيٍ أو مسموع، أو لا يهم ما تفعل أو تقول، أنك أصغر من الذرّة في هذا الكون الضخم، ضائع فيه وهائمٌ على وجهك.

تعلم يقيناً أن هذه الدار مؤقتة وأن المقامات الحقيقية لا تُنال هنا، لكنّ الهنا أصبح ثقيلاً ثقلاً يكاد يُجهز على أنفاسك. وأنت لا تفهم ما يحدث لأنك بشر. تحاول أن تبقي على بعض الأمل لكنك تخاف منه كما تخاف فقدانه، درسه كان شديد اللؤم هذه المرة.

أغرق في صمتي وضعفي، والرغبة الشديدة في الانزواء، و”أعيش أيامي بين ذلك وبين نجاحي أحياناً في المقاومة والقدرة على إلهاء نفسي واستعادة بعض الشعور الطيّب.

“دايم وِصاله دوم”

تمرّ أيامٌ أشعر فيها أن الأحلام “تُغرف” من قلبي، أنها تتلاشى وأن الحال يتبدل، لكنني هذه المرة أشعر أن هناكَ شيء مختلف عن المرات السابقة.

سابقاً كنت سأقضي جل أيامي في حالة جزعٍ متصلة، لا أعلم هل هو التقدم في العمر وخوض التجارب التي لا أدري حقيقةً أيّنا خاض الآخر، أنا أم هي.

وكأن السنوات الماضية كانت تجهيزاً لما يحصل، لأنه لو حصل قبل كل ذلك لكنت فقدت اتزاني كله تماماً ودخلت منطقةً لا خروج منها.

أما الآن، فقد فقدت اتزاني أول الأيام، ثم بدأت في محاولة إعادة القراءة والفهم، وفي المناجاة المستمرة.

سابقاً كنت سأوجه غضبي اتجاه الأسباب، وسأجد لنفسي منفذاً للهرب، أما الآن أعلم أنه لم يكن ليقع لولا أنه قدرٌ محتّم.

أحاول تلمّس اليسر الذي يكون في معيّة العسر في أيامي، وحين أشعر أن صوت القلق والأفكار بدأ بالارتفاع، أوجه تركيزي للألطاف السابقة التي صاحبتني وأنا في قعر بئر الظلمة.

أعتقد أن من أشد المشاعر ثقلاً على النفس وإنهاكاً لها هي رؤيتك للصعوبات تطحن روح من تحب، وأن تكون في عجزك وضعفك البشري هذا غيرَ قادرٍ على تحريك شيء أو تغييره، وأن تجلس وتكون معه في عجزه وضعفه، أن تتعاطف بكليّتك لأنك لا تملك شيئاً آخر سوى الدعاء، وأن تحاول ابتلاع مخاوفك حتى تكون جداراً صلباً يتكأ عليه في أيامٍ ذات رياحٍ عاصفة لا تبقي ولا تذَر. أن تشعر بألمك وألمه يأكل ويشرب ويتنفس معكما لكن لا يصيبك الجزع، لأن ارتباطك النفسي بالأسباب الأرضية قد انقطع انقطاعاً تاماً فلا تأمل في أحدٍ ولا من أحدٍ سوى الأحد.

لا أعلم حقيقةً ما الذي تحمله الأيام، ولا أعلم كيف سيتركني هذا الظرف، ولا أعلم كم سيطول. لكنني أعرف وأشعر أن هناك أجزاءً مني تموت وأجزاءٌ أخرى تُعاد ولادتها، أن هناكَ شيءٌ حقيقيٌ جداً، شديد الصدق تُعاد بلورته ويُعاد صقله وتكوينه.

السادس والعشرون من رجب

في عالمٍ يعاني ويتحدث الكثير عن مدى طغيان المادة فيه على كل شيءٍ وقيمةٍ أخرى، ومع علمي وفهمي وإدراكي أنه عالمٌ مؤقتٌ وأن الأصل فيه لكل مقيم هو تأقيت إقامته، وأنها الحدث الثابت الوحيد في حياة كل الأحياء والكائنات، إلا أن المعيشة فيه تجعل الانفصال اللا إرادي أو الواعي عن حقيقته وحقيقتنا أمراً شبه محتوم يحتاج إلى الكثير من المقاومة لتعديل عدسات النظارة ورؤية الحقائق بأحجامها وماهيتها الحقيقية.

قد يعدّ الكثيرون هذا الحديث سلبياً أو سوداويّاً، ولكنها حقائق مجردة يفضل البعض عدم مواجهتها لأن الحقائق ثقيلة، وعلى العكس، أجد فيها في المنعطفات الحادّة سلواناً وطمأنينة.

كان نومي ليلة البارحة غريباً مليئاً بالأحلام، استيقظت بعد ساعاتٍ قليلة ورأسي ينبض ألماً، هل ما حدث البارحة لا يزال حقيقياً؟

أشعر وكأن هناك شوالات من الأرز ملقاة عليّ، كل حركة تتطلب الكثير من الجهد. طلبت إجازة ليومٍ واحد، لولا أن لدي العديد من الاجتماعات التي لا تحتمل التأجيل هذا الأسبوع لكنت تقدمت بطلب إجازةٍ فيه لزيارة المدينة. روحي منهكة وأجد أثر سكينة جوار الحبيب عليه الصلاة والسلام بمجرد أن تطأها قدماي، أعلم أن ما أحتاجه الآن هو الانكفاء على الدعاء والسماح للدموع بالخروج أفواجاً والعزلة، والقراءة والكتابة.

مؤخراً، يخطر على ذهني كثيراً فكرة إعادة قراءة السيرة النبوية بعينٍ مختلفة بعد مضي العديد من السنين، دون أن أكون مجردة مستمعة متلقية لإسقاطات الآخر وتجربته ونظرت الشخصية، بل باحثة عن معنى وعن صِلةٍ وفهمٍ للتعامل مع النفس والمعاناة البشرية.
لم أنتبه لتاريخ اليوم، أعلم أن هناك اختلافاً في تاريخ ليلة الإسراء والمعراج، لكن أثناء تصفح انستقرام اليوم، كتب أحدهم مختصراً عن قصة الإسراء والمعراج وشجّع على إعادة قراءة الرحلة. بعد سنين من التلقين الذي أحاطه من الشوائب ما أحاطه، أجد نفسي كالمتعرف حديثاً على كثيرٍ من العلوم والأفهام التي مرت علي مراراً وتكراراً سابقاً.

فتحت مجلد السيرة النبوية لدي وبحثت عن الجزئية المتعلقة بالإسراء والمعراج، وبعدما بدأت في القراءة شعرت أنني انتقلت إلى عالمٍ مختلفٍ تماماً، شعرت أن لي جذراً ثابتاً ممتداً في عالم آخر، عندما عُرج بالحبيب صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وسلّم على الأنبياء، وما رآه من أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار، ورؤيته لجبريل عليه السلام على الصورة التي خلقه الله عزّ وجل بها، وانتهاءه إلى سدرة المنتهى.
كانت عدة صفحات لكنها أشبه برحلة طويلة مبهرة، مليئة بالجمال والجلال والهيبة، كنت مأخوذةً بما أقرأ، وكأنّ ماءً بارداً سُكب على النار التي تتوقد داخلي منذ البارحة، وكأنني أتعرف إلى كل هذا لأول مرة، ووجدت في كل ما قرأته سلواناً وتهدئةً وطمئنينةً وتثبيتاً.

تأملت كثيراً في العالم الذي يبدو بعيداً جداً لكنه أكثر حقيقةً وهو الأبدي السرمدي، وفي بشريته صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق وسيدهم ورغم ذلك ناله من الأذى ما لا أتخيل تحمّل بعضه.
أعانني ذلك على إعادة وضع الأمور في نصابها الذي كثيراً ما يختلّ، أن العوض والنتائج والتفضيل الحقيقي ليس على الظاهر والمظاهر والمعايير الموضوعة من قبل بشرٍ آخرين، وأن هذه دار ابتلاء وتمحيص مهما رغب البشر في محاولة الهرب من هذه الحقيقة أو تجميلها أو رفع أصواتٍ أخرى لنسيانها.
وكل ما أرجوه هو أن أُرزق الحكمة والقدرة على الموازنة بين هذين العالمين.

أنهي يومي وأنا أتخيل وصف نهر الكوثر “حافّتاه من ذهب، ومجراه على الدُّر والياقوت، تُربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج”.
وأعيد قراءة حال الجنة مراراً:
“ثمّ أتى على وادٍ فوجد ريحاً باردة طيبة ووجد ريح المسك وسمع صوتاً، فقال: “يا جبريل ما هذه الريح الطيبة وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟” قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني، فقد كثر عَرفي، وحريري، وسندسي، وإستبرقي، وعَبقري، ولؤلؤي، ومرجاني، وفضّتي، وذهبي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، وخمري، ولبني، فآتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي، وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني آمنته، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، وأنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد.. قالت: قد رضيت.”

جعلني الله وإياكم وأحبابنا ووالدينا من أهلها الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

خلا خالي ورب عالي

تبدو بداية اليوم من مقعدي هذا كأنها من حقبة زمنية أخرى.
بدأته بجرعة نشاطٍ افتقدتها مدةً طويلة، بدأت بإخراج محتويات دواليب المطبخ وإعادة ترتيبها، ثم كتابة قائمة لنواقص رمضان والعيد، ثم غسيل الخضروات والفواكه لاستخدامها بسهولة خلال الأسبوع، كان يغمرني شعورٌ بالسّعة والطمأنينة.

بعد العصر وصلني خبرٌ هزّني وأخلّ توازني، في البدء كنت أشعر أنني منفصلةٌ عن هذا الحدث وأنه لا يحصل في حياتي حقيقةً، وكنت فعلاً بانتظار شيء ما يكذبه أو يقول لي أنه ليس واقعاً فعلاً.

كنت في السابق إن تلقيت خبراً مشابهاً آتصل بوالدتي فزعةً علّها تساعدني في إيجاد حلول، لكنني هذه المرة شعرت كأنني في أحد مباريات كرة القدم التي كانت تقام في تجمعات الأقارب والتي لابد من أن يتلقى أحدهم فيها الكرة على وجهه بدلاً من المرمى ويفقد إحساسه جزئياً به قبل أن يبدأ الألم بالنبض، شعرت أنني لا أرغب في الحديث مع أيٍ كان وبأن طاقة الحديث قد سُحبت مني تماماً.

بدأت بالمشي لإنهاء خطواتي بكل هدوء، وكأن شيئاً لم يتغير، ربما إذا طال تجنب الواقع قد يتغير، شعرت بنبضات قلبي تتغير بشكلٍ غير مريح، جلست على الكرسي وأخذت نفساً عميقاً، بدأت بمحاولة التعرف إلى مشاعري بدلاً من إنكارها تماماً كي لا تهجم على نفسي وجسدي دفعةً واحدةً مستقبلاً.

أشعر أنني في صحراء ضخمةٍ مظلمة لا أستطيع تحسس طريقي فيها، وليس لدي طاقةٌ للنهوض، وأن كل شيء يبدو هلامياً وبعيداً جداً.

يبدو الذهاب إلى العمل غداً والتعامل مع البشر ككابوسٍ لا فكاك منه. الآن أفهم والدتي حين كانت تحكي عن وفاة والدتها رحمها الله وهي في عمر صغير، أفهم انعدام رغبتها في الحديث أو في أي تعامل بشري وانحصار رغبتها في البقاء على سجادتها والدعاء.

لا أرغب في طلب المساعدة ولا في أي تعاطف وبانعدام المعنى من ذلك، أرغب فقط في البقاء في هذه الصحراء وتأمل العالم يمضي كما هو وأن أخدر الألم كيفما اتفق، وأن أستطيع يوماً ما أن أفهم وأن أتعايش.

“متعدّي وعابر سبيل”

قمت بإجراء مكالمةٍ البارحة قبل صلاة العصر استثارت توتري جداً وندمت عليها، شعرت وكأنني كنت ألح في طلب شيء ما وأنا لا أحب ذلك لنفسي بل وأبغضه، ندمت على اتباع نصيحة التواصل والسؤال عن آخر ما تم. لكنني لا ألقي اللوم بالطبع لأنني من قمت باختيار إجراء المكالمة. حالياً أقف أمام عدة طرق مفترقة، كلها عبارة عن احتمالات قائمة لا شيء مؤكد، وحالة “الطفو” هذه التي لا يبدو أي شيء فيها مؤكداً أو نهائياً امتدت لمدة تزيد عن شهر، ومهما حاولت إخبار نفسي أنه “لن يحصل إلا المكتوب” وأن القلق غير مجدي، إلا أنه يبدو وكأن هذه الكلمات لا تصل إلا إلى عقلي ولا تهدئ من روعي حقاً.

وهذا على النقيض من يوم الخميس الماضي، والذي مررت خلاله بموقف عصيب أصابني حزنٌ شديد بعده، لأتلقى مكالمةً بعده بساعات غيرت حالي تماماً. تأملت ضعف حال الإنسان وتعقيده وبساطته في آنٍ واحد، كلمة طيبة من أحدهم تعيد إليك الشعور الطيب بقيمتك. مهما حاولت إنكار أن قيمتي لا تستند على كلمات الآخرين وتأكيدهم لها، إلا أن أثر الكلمة الطيبة واضح وضوح الشمس على شعوري بنفسي.

حضرت يوم الجمعة الماضي وأخواتي زواجاً بعد انقطاع أربع سنوات، سنتين بسبب الأوضاع الحالية وسنتين أخرى لأن أغلب المناسبات العائلية لا تكون في المدينة التي نقطنها.

لبست حينها عقداً من اللؤلؤ يزينه في المنتصف حجرٌ أخضرٌ كريم محاطٌ بصفٍ من الألماس، كان هدية جدتي رحمها الله لي بمناسبة زواجي قبل عدة سنوات، أحب إحساس الامتداد والتجذر والمحبة الذي يحيطني حينما أرتدي أو أستخدم شيئاً أهداه شخصٌ عزيزٌ لي بدافع المحبة الخالصة فقط.

كان زواجاً بسيطاً خفيفاً على النفس، أستثقل عادةً السّهر لأن أيامي تختلط بعدها، لكنني رأيت الأثر المختلف لأن أكون واعية بأن نيتي هي ل”جبر الخاطر”. كانت المرة الأولى التي نذهب فيها أربعتنا لمناسبة مشابهة وإحدانا هي التي تقود. وامتلئ طريق العودة بالأحاديث والضحك، اختلط التعب والسّهر عن وقت نومنا المعتاد مع انسداد القنوات السمعية جرّاء استمرار الصخب.

يحدث أن تنتهي دائماً ليالي المناسبات أياً كانت في المطبخ، ويبدأ صباح اليوم التالي هناك أيضاً. نظراً لتأخر وقت العودة قررت المبيت في منزل عائلتي بدلاً من القيادة وأنا مُتعبة. استيقظت اليوم التالي على صوت والدتي وأختي الصغرى وهنّ يتبادلن الأحاديث في صالة الجلوس، يغمر ضوء الشمس ودفئها الغرفة، وكان هذا الشعور مألوفاً ولذيذاً أعادني سنوات طويلة إلى الخلف.

كان لدي موعدٌ صباحي قررت في آخر لحظة إلغاءه، هناك لحظات صفاءٍ وسلام أود البقاء فيها والإبقاء عليها قدر الإمكان، المواعيد والتمارين في النادي يمكن تعويضها في يومٍ آخر.

أجلس مع والدتي إلى طاولة المطبخ لتناول الإفطار. بيض بال”بسطرمة”، جبنة بيضاء بالشّبت، خبزٌ طازجٌ من المخبز المديني، وشايٌ بالنّعناع والنوامي. كلما كبرنا وكبرت والدتي أصبحت تتحدث عن أمور حدثت في ماضيها لم تكن تتحدث عنها من قبل.

كانت سماء يوم السبت شديدة الجمال، وكان لكسر الروتين وللسماح بأن تخرج الأمور عن المعتاد وأخذ مقعد الراكب وإن كان ليومٍ واحدٍ أثراً مهدئاً على نفسي.

يبدأ فوزي محسون أغنيته ب”متعدّي وعابر سبيل“، التي استثار مطلعها تساؤلاً في نفسي، إذا تمكنت من المضي قدماً في أيامي وحياتي وأنا ألبس نظارة عابر السبيل، أتلمس من خلالها طريقي وأنظر من خلالها إلى مختلف الأمور، هل يمكن لذلك أن يخفف حدّة قلقي؟
وكيف يمكن الموازنة بين ذلك وبين الشعور بالاستقرار وبأن قدماي على الأرض لا في الهواء؟
أتمنى أحياناً أن يمتلك العطّار خلطةً أستطيع نقعها وشربها لأتمكن من إيجاد الوزنية المناسبة للأمور التي تبدو لي أنها متضادات.

والزّهر مفتّح، يا جماله.

منذ عدة أيام وأنا أشعر أن البئر يزداد عمقاً. قدمت طلب إجازة من العمل دون مقدمات أو تنسيق مسبق على خلاف المعتاد، لم أستطع حمل نفسي على الذهاب للعمل. وصلت لمرحلة لا أستطيع فيها سماع أصواتهم ولا أسمائهم ولا كتابة أية رسائل موجهة لهم.

أعرف أنه لا يمكن للعمل فقط أن يصل بي إلى هنا، ولكن الأسباب الأخرى لا أمتلك تغييرها، تتغير مشاعري اتجاهها بين حين وآخر وأحاول رؤية الجانب الأفضل، لكنه لا يمكن انتزاع الجذور.

واعدت صديقتاي المقربتين اليوم دون تخطيط مسبق، أجلت الأمر كثيراً، لم أكن أشعر بالقدرة على حمل نفسي على الخروج من المنزل ولم أكن أرغب في أن “أسمّم” يوم أو بدن أحدهم بكل هذه المشاعر السلبية. لكنني فعلت في النهاية لأنني أعرف أنهنّ من نعم الله وأفضاله علي وأن في رؤيتهن شفاءٌ وتهدئةٌ لكثير مما في نفسي.

التقيت بالصديقة الأولى قبل صلاة الظهر، وامتدت الأحاديث أربعة ساعات دون إحساس بالزمن، بعدها خرجت للتنزه مع الصديقة الأخرى في الحديقة، كان الجو لطيفاً، بعد المشي وتبادل أحاديث عامة، جلسنا على العشب لشرب القهوة، ثم نظرت إليّ في “وسط عيني” وقالت: ما علينا من كل هذا، إنتِ كيف حالك؟

وكانت هذه النظرة المليئة بالحب كمن ينفض عن كتفاي جبالاً رملية، تؤول الشمس إلى الغروب، يُرفع أذان المغرب بصوت نديّ، وأشعر بامتنانٍ وحمدٍ لله الذي قدّر أن تتقاطع طرقنا.

علاقات الصّداقة العميقة هذه في رحلتي حدثت في أكثر الأماكن التي يحذر الآخرون من علاقات الصداقة فيها (العمل)، وكانت من بيئات تختلف تماماً عن بيئتي، لكنها مكنتني من رؤية نفسي بعينٍ مختلفة محبة ورأت فيني مالم أستطع يوماً رؤيته. تصالحت مع جزءٍ كبير من نفسي التي أصارعها من خلالها، وشعرت أن هناك مكاناً ما مختلفاً يسعني، أضافت طعماً لذيذاً للمشاركة والحكايات، ودفئاً أتلمسه في أيامٍ قارسة البرودة.
علمتني أن أتصل بالآخر من جديد، وأن أثق، وأن أخاطر بالمحبة والانفتاح على الآخر مع احتمالية وجود الألم، وأصبحتُ أفضل احتمالية الألم على أن تكون حياتي خاليةً من كل الألوان التي تضفيها هذه العلاقات على نفسي ونظرتي للأمور وحياتي ومشاعري اتجاه كل شيء.

قبل عدّة أعوام مرّ علي بيت شعر مترجم للانجليزية لشاعر فارسي يقول فيه:

“I wish I could show you when you are lonely or in the darkness the astonishing light of your own being”
“أتمنى أن أستطيع أن أريك نورك المذهل عندما تكون وحيداً أو في الظلمة”

وأعتقد أن هذا ما تهديه إليّ هذه الصداقات مراراً وتكراراً، تمكنني من رؤية النور في خضم العتمة، ويكون لكلماتهم وقع الأكفّ الممدودة التي تشد عضدي، وأتمنى حقاً وصدقاً أن أستطيع رد هذه الجمائل والأفضال.

أنهي اليوم في طريق العودة بالاستماعِ ل الدنيا بتضحك حوالينا.

السادس والعشرون من يناير

استيقظت اليوم في منتصف الليل ولم أتمكن من العودة إلى النوم، تزورني أفكارٌ غير لطيفة أثناء محاولة العودة إلى النوم وأتذكر في صغري عندما كانت تزورني كوابيس متكررة فأنتظر وقت صلاة الفجر حتى تأتي والدتي لتوقظني لأعود إلى الواقع الآمن بعيداً عن خيالاتي الواسعة المليئة بخيالات مستقاة من سلسلة ما وراء الطبيعة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله.

لدي اليوم موعد أفكر فيه منذ البارحة، أعلم أن التمسك بقشة والتعلق بها قد يكون له نتائج أسوء من عدم التعلق أو التوقع، لكن ذلك على الأقل يهديني أمل التغيير.

فَرِغت عدة علب من المكملات اليومية التي أتناولها صباحاً في الوقت ذاته، على الرغم من أنها لا تحتوي على ذات العدد من الحبوب في الأصل، لذا فكرت بيني وبين نفسي، ربما هي علامةٌ لانتهاء الأمر العالق.
ثم ابتسمت ساخرةً من فكرة تفسير أي أمر على الوجه الذي تميل نفسي إليه، أي قشة “إنشالله السَّحّن دحِّن بو” كما يقول أحمد حلمي.

أُعدّ القهوة العربية التي أتخذها بديلةً للسوداء أحياناً بعد العودة للعمل عن بعد منذ عدة أسابيع. أحب أثرها المهدئ على نفسي وأعصابي، رائحة اختلاط الهيل المطحون بها اليوم أعاد إلي شعوراً دافئاً مألوفاً، تذكرت رمزية رائحتها في حياتي.

تذكرت جدتي رحمها الله وعلاقتها بالقهوة العربية التي كانت لا تتخلى عنها كل يومٍ بعد تناول الإفطار ضحى وبعد صلاة المغرب، المناكفات التي حصلت نتيجة محاولتهم لاستبدالها لها بقهوة الشعير حتى لا يتأثر ضغطها وقلبها، وكانت تعرف ذلك على الفور قبل أن تبدأ بشربها.

أعادني الحنين إلى قصصها التي كانت تبدو من كوكبٍ آخر، حين تزوجت وهي ابنة التسعة سنين، تحكيها وهي تضحك على ما كانت تفعله حينها، كنت أضحك معها ثم أفكر بعدها بيني وبين نفسي: يا الله، كيف يشعر الإنسان وهو لا يملك من يلجأ إليه ويعاضده من البشر.

تذكرت حبّها للون الأخضر، هو ذات اللون الذي صبغ روحها وقلبها، كانت تحب الفرح والناس والأنس واقتناء طِرَح (أو مسافع كما كانت تسميها) بمختلف الألوان، تعطرها وتتزين بها كل يوم. لا أتذكرها إلا كذلك.

وأعتقد أنني الآن أرى وأزن الأمور من منظور مختلفٍ تماماً، كانت هي تفضل الذكور وكنت أنا حينها في “فورة” غضبي عليهم، وكنت أتضايق من ذلك بشدة. لكني الآن بعد عمرٍ وتجارب أفهم سياقات عدة أدت إلى ذلك وأنظر لها بعين الرحمة والحب فقط.

أمتن جداً للتجارب والسنين التي أهدتني منظاراً أرى به الأمور بشكل مختلف تماماً، أوسع وأجمل وأبهى وأكثر تعاطفاً ورحمةً، وأشتاق جداً إليها وإلى الدفء الثابت التي كانت مصدراً له.

طقسٌ باردٌ وقلبٌ دافئ

كانت الأيام أو الأسابيع الماضية -فقدت الإحساس بالزمن إلى حدٍ ما- كأمواجٍ متلاطمة تأخذني إلى أعلى ارتفاعٍ ممكن ثم تهبط بي إلى قيعانٍ مظلمة دون سابق إنذار.

متكتفة الأيدي سلمت نفسي لها لا استسلاماً لكنني أعلم أن مقاومتها ومصارعتها سيجعلها أكثر ضراوةً.

مرت ليالٍ حالكة الظلمة كنت أعتقد أنني لن أرى النور بعدها، أفزع من نومي مهمهةً بأدعية لم تكن على البال مسبقاً: يا من كشفت عن أيوب عليه السلام ضره، ونجيت نوحاً عليه السلام في اليم، وأخرجت يوسف عليه السلام من السجن، ويونس عليه السلام من بطن الحوت، أخرجني مما أنا فيه.
لا أعرف الكيفية ولا أعلم إلى أين وليس في يدي أي أمرٍ لم تكتبه لي، ولم أعد أثق برغباتي.

أشعر الآن بفضل الله أن الهواء بدأ يعود إلى رئتاي بالتدريج.

لم أعد متمسكةً كما السابق بشكلٍ محددٍ للفَرَج، كنت أضع لذلك إطاراتٍ وأهدافاً وأشكالاً، إذا حصل أو تم هذا الأمر فهذا يعني أن الفرج قد وقع وحصل. أما الآن فكل مرادي من الحياة الدنيا هي الرضى والتسليم التامين اللذان لا يشوبهما شكٌ ولا قلقٌ ولا يأس ولا ظلمة، وقلبٌ سليمٌ معافى لا تتمكن الظلمة منه.

ذهبت اليوم صباحاً إلى منطقةٍ بعيدةٍ بعض الشيء عن المدينة، أشتاق إلى هذا الصمت المدوي، ولا أتنبه إلى هذا الاشتياق إلا عند إنصاتي إليه.

ضحكت اليوم كثيراً وتحدثت وتناولت طيّب الطعام والكثير من القهوة، زرت معرضاً للفنون، تبادلت وإخوتي تشغيل أغانينا المفضلة في الطريق إليه وكان حديثنا يغطي أنغامها.

قد يكون الجو اليوم الذي وصل إلى أربع درجات هو أبرد طقسٍ مرّ على الرياض منذ مدةٍ طويلة، لكن قلبي مُلئ بالدفء من جديد كما لم يفعل منذ مدة طويلة.

“وطال بالأنجُمِ هذا المدار”.

أجلس بعد صلاة الجمعة في مقهى كنت أرتاده منذ عدّة سنوات، كان حينها مقسوماً إلى نصفين، نصفٌ للعوائل ونصف للعزّاب، أصبح النصف الذي كان للعزاب هو الذي يتم أخذ الطلبات وتسليمها فيه وهو الذي يحتوي على المدخل الرئيسي، أما القسم الآخر فأصبحت أجهزته مهجورة وأصبح خالياً إلا من عدة مقاعد يتم الجلوس عليها عند امتلاء القسم الآخر.

أتأمل مرور الأعوام، عاماً تلو الآخر. كنت أعتقد حينها أنني إذا وصلت إلى هذا العمر سأكون بالتأكيد قد تجاوزت وعرفت وفهمت وتقبّلت وتصالحت، كان لديّ أمل أنه سيصبح لقدماي أرضاً ثابتة ولهذا الشيء الهلامي الذي أبحث عنه شكلاً واسماً ولوناً.

كنت أحاول إشاحة النظر عن الألم وإنكاره، لا أرغب في أن أكون “سلبية”، أنتظر بتأفف مرحلة التقبل والتصالح معه.
لكنه كان كالكدمة الزرقاء التي أنسى وجودها وأقوم بلمسها عن طريق الخطأ ليسري الألم فيها.

محاولات الإنكار والتعامل منهكةٌ على حد سواء، محاولات الإنكار كانت تحتاج إلى جهد جهيدٌ، كانت تتنوع ما بين محاولات إلهاء ومحاولات نظر للجانب الإيجابي ومحاولات تشبث بأملٍ خفيّ. لكن نتيجتها وخيمة، لأن للجسد والنفس قدرة محدودة تبدأ بالتراجع بعد استنفاذ كامل الطاقة.

وما يخيفني الآن بمناسبة الكتابة الأخيرة عن الخوف، هو الوهن الذي أشعر به، وانعدام القدرة على المقاومة.
أشعر أنني على حافةٍ لا أملك القوة الكافية لأكون متزنة عليها.

وكأنني أركض باستمرار لخط النهاية الذي كلما وصلت عنده تحرك مرة أخرى وعدت أركض ثانيةً بحثاً عنه، وهكذا، حتى يعييني التعب فأسأل نفسي، مالذي أركض منه وما الذي أركض إليه ولماذا وما المعنى منه وما البديل؟

أستيقظ فزعةً في منتصف اللّيل، تهاجمني الأفكار كنحلٍ ثائر، مكتوفة اليدين أمامها، كل المعاني تبدو كسرابٍ بقيعة، أعيد الإقرار بضعفي وعجزي أمام هذه الظلمة المتجددة.

“ربّنا ما خلقتَ هذا باطلاً”.

“يا صاحبي الخوف ما يطمّن الخوف”

قبل عِدّة أعوام أثناء مروري في أحد المنخفضات الحادّة التي لم أكن أعي حينها ماهيتها، التقيت بامرأة حكيمة كبيرة في السّن بَدَأت بالحديث معي، توقَّفَت أثناء حديثها ونظرت إليّ وأخبرتني أنه لا داعي لأن أحاول إظهار صلابتي وادّعاء قوّتي وابتلاع رغبتي في البكاء، احتضنتني وظهرت على السطح مشاعر متضاربة ومختلطة وكثيفة إن صحت الإشارة لها بذلك، أنا التي لا أحب ولا أستطيع إظهار مشاعري أمام القريب فضلاً عن الغريب.

سألتني، لم يتملكك كل هذا الخوف؟ من أين يأتي وما مصدره؟
أخبرتها أنني أعاني من القلق المستمر، فسألتني: أهذا ما يُطلقونه على الخوف هذه الأيام؟

والآن، ما يجعلني عالقةً فيما أنا فيه، مكبلة لا أستطيع التحرك في أي اتجاه، هو الخوف.
خوفٌ من الرغبات ومن انعدامها، خوفٌ من التمني ومن الخذلان، خوفٌ من معرفة نفسي ومن أن تكون هذه المعرفة جهلاً مركّباً، خوفٌ من أن يكون ما يلي أصعب وأثقل من الحال الآني فأختار التماهي مع الحال “امسك قردك لا يجيك اللّي أقرد منّه”، خوفٌ من الحركة المستمرة التي لا تتوقف ومن الرّكود المُميت، خوفٌ من الذوبان التام ومن أن أكون كنُتوءٍ ظاهرٍ مزعج.

خوفٌ من أسمح لقلبي باستقبال المحبة ومبادلتها ومن الفقد أو البُعد الذي قد يليه أو من أن يصبح وجودي ثقيلاً، خوفٌ من الأمل ومن الخيبة الذي يخلّفها، خوفٌ من الأحلام ومن أن تكون أوهاماً.

وخوفٌ من نفسي، من ضعفها الذي لا يُقوّم، تخبطها وبحثها الدائم عن أمرٍ لا يبدو موجوداً أو ملموساً، من وصولها للأبواب المغلقة الصمّاء باستمرار، من أنها ورطتي التي أحاول التعايش معها ومن أنه لا فِكاك منها، من توقها إلى طمأنينة لا أرى وجودها هنا في هذا العالم.

وخوفٌ من الخوفِ الذي لا يهدأ إلا لِماماً.