التاسع عشر من أيلول

بدأت يومي بمقابلة صديقتي للإفطار، وامتدت أحاديثنا لمدة خمسة ساعات متواصلة دون إحساس بالوقت. يوجد احتمالٌ كبير أنها ستنتقل بشكل نهائي إلى دولة أخرى نهاية العام المقبل، أشعر بثقل الفكرة منذ الآن فأنا لا أكوّن صداقات بسهولة ولا أستطيع سكب نفسي وأفكاري ومخاوفي بسلاسة دون “فلاتر” حتى يتقبلني الآخر ويفهمني. ولكنها سنة الحياة، أليست كذلك؟
الحب والفراق، الأنس والوحدة، الضحك والبكاء، الفرح والألم، الأمل واليأس، التقلب بين هذا كله مراراً وتكراراً.

لا زلت أحاول التصالح مع هذه الفكرة، أن أسمح لنفسي بالحب وبالفرح وبالأمل دون خوف من النقيض الآتي لا محالة، لأن كل شعور جيد سيليه نقيضه الغير مفضل في مرحلةٍ ما، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بالجيد لتخفيف الألم يعني أن تكون حياة أعيش فيها على أطراف أناملي طوال الوقت، وهذا اللاشعور يعني وحدة داخلية مهما كثر المحيطون.

عدت إلى المنزل لأكتشف أن المشكلة الأساسية التي أعدنا ترميم المنزل بسببها لمدة عامٍ كامل واستنزف جهداً وطاقةً ومالاً وعمراً لم تحل في الحقيقة، انتابني إحساس أن كل ما يحصل في حياتي حالياً هو كوميديا سوداء إن صح التعبير، أن كل ما أقوم به هو عبارة عن مقاومة للاستسلام لليأس والدخول في البئر السحيق.

الضوء في نهاية النفق يتلوه نفق آخر دائماً، ذلك جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، ضرورة أن تنجو بنفسك وأن تحافظ عليها من المرارة التي تعتريها من التجارب والانسحاق المستمر، العلو والهبوط، القوة والضعف. لا زلت أبحث عن ذلك، كيف تستطيع النفس في الاستمرار بالإحساس بالجمال والحب واللطف دون أن تقسو بفعل عوامل التعرية؟

وَقَــــدْ بَـسَـطْـنَـا أَمْــرَنَــا لَــدَيْـكَ”
وَقَــــدْ شَــكَـوْنَـا ضَـعْـفَـنَا إلَــيْـكَ

فَـارْحَـمْنَا يَــا مَـن لاَ يَـزَالُ عَـالِمًا
بِـضَـعْـفِـنَـا وَلاَ يَـــــزَالُ رَاحِــمــاً

الثامن عشر من أيلول

أشعر اليوم بسلامٍ يغمرني.

قمت بتحديد خطة الطبخ للأسبوع القادم يوم الخميس والانتهاء من التسوق لها كذلك حتى أترك لنفسي مجالاً للاسترخاء يوم الجمعة أو السبت، كما قمت بإعداد كمية من الطعام تكفيني خلالهما.

استيقظت اليوم باكراً، وصلت طلبية السمك الطازج الذي قمت بعملها قبل يومين، عندما استلمت صندوق الفلين شممت رائحة البحر وأحسست بالاشتياق الشديدة لجدّة وبحرها والأحباب هناك.

بعدها قمت بتنظيف المنزل وتبخيره بالمستكة التي تشعرني رائحتها بالانتعاش، وشعرت بالامتنان بعد الخروج من استحمام الجمعة الطويل لمنزل يعبق بالروائح الطيبة.

أشعر بالحماس الشديد لأنني سأخرج لتناول الإفطار غداً مع صديقتي التي لم أرها منذ عدة أشهر.

أعتقد أنني سأحاول تكرار ذلك كل أسبوع: الانتهاء من المهام في يومين وترك يومٍ للاسترخاء والقيام بما أحب.

الخامس عشر من أيلول

كانت طاقتي شديدة الانخفاض اليوم، أعتقد أن ذلك يعود إلى نومي الغير مستقر على غير العادة، كنت دائماً أرتاح لفكرة أن نومي لم يتأثر يوماً بصحتي النفسية أو الجسدية، أما هذا الأسبوع فكنت أتقلب كثيراً لساعات قبل أن أتمكن من النوم وأستيقظ في الخامسة ولا أنام حتى نهاية اليوم. لذا لم أستطع أن أقوم بتماريني الرياضية أو تمارين العلاج الطبيعي لا اليوم ولا البارحة فبالكاد أستطيع الانتهاء من مهام العمل.

أعتقد أن توتر العمل بدأ في السيطرة علي، فالعمل بين قسمين بمهام كثيرة ومشاريع خارج هذين القسمين أمرٌ ينهك طاقتي، كما أنني أشتم رائحة تجربة سابقة غير لطيفة في مديري المباشر الحالي حيث أنني في أحد تجاربي السابقة عملت تحت إدارة أحد الأشخاص الاعتماديين الذين يفضلون الاستحواذ على الشخص الذي يرونه جيداً وخنقه بالأعمال بدل توزيع المهام بالتساوي لإراحة أذهانهم وعدم معرفتهم بأساسيات الإدارة، لكنني ولله الحمد أقوى عوداً هذه المرة وسأتحدث عندما أرى أن هذا الوضع غير مؤقت.

استمعت اليوم أثناء المشية المسائية إلى بودكاست لطيف تعرفت إليه مؤخراً اسمه “دُم تَك” يتنقل بين التعريف بفنانين وألوان مختلفة من الموسيقى العربية، واستمعت اليوم إلى الحلقة الخاصة بابتسام لطفي، بعد الانتهاء منها عدت للاستماع إلى مفضلاتي الخاصة بها:
مضت أيام في حبك، ودعتك الله يا مسافر، فارج الهم، لا تطل بالله بعدك، يا حبيبي آنستنا.
أحب صوتها الذي يبعث على الأنس حتى عند حزن اللحن والكلمات، رقة مخارجها الحجازية، والابتسامة الخفية الواضحة في صوتها دائماً.

قررت اليوم أن أحاول شرب البابونج والقراءة قبل النوم علّ ذلك يساهم في رفع جودته وتحسين طاقتي غداً.

الأسبوع الثاني من أيلول

أصبح المطبخ أقرب الأماكن إلى قلبي ونفسي هذه الأيام، مهما كان اليوم سيئاً وطاقتي منخفضة وحتى إن كان هناك فائض طعامٍ في الثلاجة إلا أنني أستمتع بفكرة تجربة شيءٍ جديدٍ يومياً مهما بغت بساطته: حليب نباتي منزلي، وصفة حمص منزلية، پانكيك بدقيق جوز الهند للإفطار. أشعر أن التركيز الذي يتضمنه فعل ذلك هو أمرٌ مهدئ للنفس، وعند نجاح ما أقوم به أشعر بالحماس والاكتفاء.

لم أكن يوماً أجيد الطبخ ولم أدخل المطبخ يوماً قبل الزواج، وحتى بعده كانت والدة زوجي ترسل لنا الغداء يومياً، ثم أصبحت والدتي تقوم بذلك بسبب أوقات عملنا الطويلة، وحتى بعد عدة تجارب ناجحة كنت أشعر أنها عملية شديدة التعقيد. لذا أعد كوني سأكمل شهراً بعد أسبوع من إعداد جميع الوجبات بما في ذلك الوجبات الخفيفة منزلياً حتى في إجازة نهاية الأسبوع والاستمتاع بذلك وبتناول النتيجة إنجازاً لم أنجح فيه سابقاً.

تراودني فكرة تعلم التصوير بشكلٍ أفضل، أشعر أنني أحب فعل ذلك وأستمتع بتخيل شكل الشيء إذا تم التقاط صورة له حتى إن لم أقم بذلك.

ألاحظ بشكل واضحٍ جداً الفرق في مزاجي طوال اليوم عند المشي بعد الفجر خارجاً في الحي، لكنني بكل صراحة لا أشعر بأمان حول فكرة أن أقوم بذلك وحدي مما ينتج عنه ألا أقوم بذلك سوى مرة إلى مرتين أسبوعياً. أفكر في كيف يمكن أن تتغير صحتي النفسية والجسدية إن تمكنت من المشي في مكانٍ آمن مفتوح خالٍ من السيارات والشاحنات والاسمنت يوماً ما. أحب الهرب إلى الخيال والاحتمالات منذ طفولتي.

هذا الأسبوع أوشكت على الانتهاء من مسلسل Broadchurch، لم أتابع مسلسلاً مثيراً للفضول منذ مدة طويلة، أصبحت أتطلع للانتهاء من المهام والعمل والمشي حتى أتمكن من استكماله، لا أعلم ما الذي سأقوم بمشاهدته بعد الانتهاء منه. على الرغم من أنني مؤخراً أصبحت لا أفضل إلا مشاهدة الأمور الخفيفة ولا أطيق توتر الآكشن، إلا أن هذا كان استثناءاً نجح في شد انتباهي منذ بدايته.

الأسبوع الأول من أيلول

كان الأسبوع الماضي مليئاً بالركض المادي والمعنوي، ففي العمل حصلت العديد من التغييرات من ضمنها تثبيتي في القسم الذي لا أفضله والذي كنت معارةً له في البدء، ثم بعدها بيوم نقلي إلى قسم آخر جديد الإنشاء وسيكون فيه الكثير من الفوضى إلا أن التثبيت لم يكتمل على الأقل.

استيقظت يوم الجمعة -وهو أحب الأيام إلي- بنفسٍ مثقلة. خططت للذهاب بعد شروق الشمس إلى حديقتي المفضلة التي تطل على وادي حنيفة علّ شعور الاختناق هذا يُزاح، خاصةً أنني كنت خلال الأسبوع أحاول التأقلم مع الجيران الجدد الذين يقوم أطفالهم باللعب والصراخ بشكل مستمر في الممرات أمام الشقق، هناك درجات من الصراخ المستمر التي تجعلني أشعر باختراقها لجمجمتي.

ذهبت إلى الحديقة، مشيت كثيراً، تعرضت للهواء والشمس، بعدها ذهبت لتناول الإفطار في أحد أماكني المفضلة بعد انقطاع أسبوعين عن أي طعام غير منزلي. لكن الشعور لم يفارقني للأسف.

لكي أكون حقيقيةً مع نفسي، أخشى الاعتراف بهذا الشعور المألوف الغير مرغوب، تلك الحفرة العميقة التي دخلتها قبل عامين، أشعر بأنني على حافتها مرةً أخرى وبأنني بدأت في الانزلاق.

أشعر بالاكتئاب يبتسم بخبثٍ ويظهر أنيابه مجدداً، ذات الأسباب باختلاف أشكالها. أشعر بالأشياء تبدأ بفقدان طعمها وألوانها، أشعر بالمسافة بين ما أشعر وما أُظهر تزداد اتساعاً، أحاول مصارعة الأفكار السوداوية التي تبدأ بالتكالب والانقضاض كحيواناتٍ مفترسةٍ تم تجويعها.

أحياناً يخيل لي أن لدي هذه الغرفة الخفية المظلمة في عقلي، عندما أكون حول الآخرين تختفي وأستطيع التحدث والضحك وإبقاء كل شيء تحت السطح، وما أن أخلو بنفسي حتى يُفتح باب الغرفة ويطل هو بكل أذاه.

لم أكن أطلق عليه أي مسمى سابقاً حتى سمته الأخصائية لي، كنت أعتقد أن هذا الشعور الذي يلاحقني كظلٍ حتى في أكثر اللحظات بهجة هو جزء لا يتجزء مني، واعتقدت أنه جزء من تكوين البشر أيضاً طالما أنني لا زلت أأكل وأشرب وأعمل وأتحدث، إلا أن كل هذا فيه قتالٌ ومقاومة مستمرة لنفسي، لأنني أعرف أنني إذا لم أقاوم السقوط في هذه الهوة السحيقة بكل ما أوتيت من طاقة وحاولت الهرب في الاتجاه المعاكس ستبتلعني، وسأحتاج لجهود مضاعفة للخروج منها.

أحياناً عندما يمر يومٍ دون غرق في هذا الشعور أفكر: يا ترى أهكذا يشعر من ليس لديه هذا الظل؟ يا للخفة.

أشعر بأنني أعود لنقطة الصفر في كل مرة، أن الحياة تعيد نفسها بطرق مختلفة، لا أستطيع مشاركة مشاعري وأفكاري القاتمة مع الآخرين لأنني أبدو كشخص متصالح ومسيطرٍ على كل أمور حياته إضافةً إلى أن هناك أفكاراً خاماً قد لا تراود أصحاب الأذهان الوديعة ولا أفضل فتح أبوابٍ مغلقة للآخرين أو المخاطرة بذلك. لدي صديقة أستطيع مشاركة القتامة معها دون خوفٍ من ذلك لأننا نتشارك هذا الظل، لكن أصبحت هنالك مسافةٌ كبيرة بيننا مؤخراً، فكلٌ منا اختارت طريقاً مختلفاً كلياً عن الأخرى للتعامل مع ظلها.

هذه المرة تبدو مختلفة -ككل مرة- لكنها أول مرة أكون قد بذلت فيها كل ما وسعي كي لا أفقد اتزاني إلا أن الدائرة تبدأ بالانغلاق مرة أخرى بشكل أكثر إحكاماً من المرات الماضية.
أتمنى ألا يكون الليل سرمداً وأن يأتيني الله بضياء يخترق ظلمته وظلمتي.

السابع والعشرون من آب

بدأ يومي بشعور جيد، ذهبت لحضور موعد العلاج الطبيعي، في طريق العودة خضت نقاشاً مع أحدهم حول شخصٍ يهمنا أمره، غالباً يمر الآن في مرحلة شديدة الصعوبة ولا نعرف كيف يمكننا مساعدته خاصةً أنه يستصعب القيام بما يمكن أن يعينه على التحسن سواءً صحياً أو نفسياً أو جسدياً أو اجتماعياً. كان هذا من أكثر المواضيع التي تشغل ذهني مؤخراً وأتقلب بين فكرة أنه لا يمكنني فعل أي شيء للشخص سوى الدعاء إن لم يتخذ قراراً جازماً بشأن أي من أموره وبين أن هذا الشخص يعتبر في أصعب مراحل حياته وأن التعاطف معه من أقل حقوقه علي خاصةً أن وضعه ينتج عنه إرباك عام لجميع محيطه تقريباً كما يخرج أحياناً على شكل نوبات غضب، أين يقف خط التعاطف الصحي ومتى يكون ترك المسافة حفظاً للنفس من الأذى ومتى يكون أنانية؟

عدت إلى المنزل، تناولت الإفطار وأنهيت مهام العمل، بعدها تم إبلاغي بأمر كان محتملاً لكنه وقع، الغالب أنه سيغير من شكل حياتي كلها وسيدخلني صراعات مع نفسي ومع وجودي وهو ما خشيته. أتعامل مع الأخبار السيئة بهدوء حين وقوعها حتى أختلي بنفسي وتبدأ الأفكار بالتفكك والتقاذف. أسائل نفسي هل ما يحدث لنا بسبب أننا نفعل شيئاً ما خاطئاً وهذا تنبيه أم أنه ابتلاء؟
يخيل لي أحياناً أن كل ما أفعله هو الركض المستمر لمحاولة إخماد النيران دون فترات راحة متقطعة سوى عدة أيام، أشعر وكأنني أحتاج إلى بخاخ ربو معنوي إن صح التعبير. أقف في ذهول أمام كل ما يحصل.

هل تصوري عن الحياة مغلوط؟ هل هو مثالي زيادة عن اللازم؟ هل أفتقر إلى المرونة النفسية والقدرة على التحمل أم أن ما يحصل غريب فعلاً. أشعر بأن الألوان تتداخل في بعضها والمفاهيم والمعاني، ألوك القلق تحت ضرسي وأشعر به يخترق أضلاعي ورئتي، كل شيء يبدو ثقيلاً وبلا معنى.

السادس والعشرون من آب

اليوم هو ثالث يومٍ من النظام الغذائي المتبع، منذ عامٍ ونصف تقريباً وأنا أتبع نظاماً معتدل الكربوهيدرات ولكنني لم أقم يوماً بتجربة قطع السكر بما في ذلك الأنواع الغير مكررة منه كسكر جوز الهند وسكر القصب الخام. الآن وبعد قطعه لمدة ثلاثة أيام بالإضافة إلى أي منتجات تحتوي عليه بالطبع وتقليل الكربوهيدرات والحد من نوعياتها إلى نوعيات ذات مؤشر جلايسيمي منخفض فقط، تنبهت إلى علاقتي العاطفية مع الطعام ومدى تأثيره على مزاجي وشعوري العام.

أشعر حقيقةً كأنني انقطعت عن شخصٍ أعزه كثيراً وبهت طعم الحياة إلى حدٍ ما، خائفة جداً من الانتكاسة حيث أن النظام السابق كان خالياً من الحرمان لكنه في المقابل لم يكن يعالج الأمور التي آمل أن يعالجها النظام الحالي.

قد أركز على ذلك كثيراً في الأيام المقبلة لأنني حقيقةً أشعر بصراع نفسي كبير وأنني قد قاربت اليأس من كثرة المحاولات في هذا الخصوص وكثرة الآراء والأبحاث وتناقضها، وكلما أبحرت أكثر ازددت قلقاً وحيرةً.

أنهيت يومي بالاسترخاء ومشاهدة عدة حلقات من مسلسل جديد لأمينة خليل، استمتعت بالتأمل فيها وفي أناقتها أكثر من أي شيء آخر.

الرابع والخامس والعشرون من آب

بدأت منذ يوم الاثنين التركيز على أن تكون جميع وجباتي منزلية وأن أتأكد من محتوياتها، وبعد الانقطاع عاماً كاملاً عن الطبخ قضيت معظم اليومين الماضيين فيه، أرغب في تعويد نفسي على السرعة في ذلك لأن هناك أنباءً بأننا قد نعود للعمل نهاية الشهر القادم. لا زلت أجد يدي ثقيلة وبطيئة ولا تزال مشكلة أقدامي تُثار عند الوقوف مدة طويلة وهو ما أعمل على إصلاحه من خلال العلاج الطبيعي، وما أطمح له هو أن أصل لمرحلة إعداد طعامي بشكل خفيف سريع لأنني أؤمن أنها مهارة مهمة خاصة لمن يرغب في تحسين جودة طعامه وبالتالي صحته.

أشعر بالرضى عند تناول وجبات منزلية دافئة وإن كانت بسيطة، وكأن علاقتي بالمنزل بدأت تتوثق بعدما بدأت بالطبخ البارحة. نسيت كمية الأصوات التي كنت أتعرض لها هنا قبل ترك المنزل مؤقتاً من بكاء أطفال الجيران وأصوات أقدامهم على السقف، ولسبب ما: اكتشفت أنني شخصٌ يتأثر بالأصوات جداً ويتوتر من تكرارها إلى درجة غير مريحة كما أن أخف صوت أو حركة توقظني من النوم، اضطررت يوم الأحد إلى أن أطلب من الأطفال الذين يلعبون في الخارج بعد الحادية عشرة مساءً أن يتوقفوا عن الصراخ لأن هناك أشخاص لديهم أعمال وأشغال في الصباح الباكر.

أنزعج أحياناً كثيرة من سهولة توتري وصعوبة تواجدي حول الآخرين وعدم مرونتي عموماً.

تلقيت اليوم خبراً مقلقاً متعلقاً بالمستقبل، لكنني لم أقلق بل غلفتني سكينة ومُسح على قلبي بطمئنينة حمدت الله عليها كثيراً، أعتقد أنني بدأت أتصالح مع فكرة محدوديتنا وأن الاجتهادات ليس هنا محل تقييمها ولا مربط الفرس.

الأسبوع الثالث من آب وآخر يومٍ من عشرينات الصراع

الأسبوع الماضي كان مليئاً بجميع أنواع المشاعر، بدايةً بحماس الانتقال إلى المنزل والاستقرار والمشاعر الفياضة المتعلقة بمفارقة عائلتي بعد اعتيادي على جوارهم وقضاء عام لديهم، أعرف أنني لا أزال في نفس المدينة وسأتمكن من رؤيتهم، لكني كائن آخذ وقتاً حتى آلف المحيط ثم وقتاً يماثله للاعتياد على غيره، مروراً بالعرقلات التي “عسرت” الموضوع وبدلاً من الانتقال يوم الثلاثاء انتقلنا البارحة.

أعرف أن في كل ما يحصل خيراً قد لا أستطيع رؤيته، أعرف ذلك بعقلي لكنني أحياناً عدة لا أستطيع مقاومة شعور الدخول في وادٍ سحيق.

شعرت بالامتنان لحديقة المنزل التي احتوتني أيام الحجر الكامل، لغرف المكان التي حوت تحولات وآلاماً وأفراحاً ومحاولات، كنت في وضع ذهني ونفسي مختلف تماماً عندما جئت إلى هنا العام الماضي.

عدت اليوم إلى العمل، لا نزال نعمل من المنزل، وعندما انتبهت إلى تاريخ اليوم استوعبت أنه آخر يومٍ أقضيه في العشرينات، كنت أرغب في كتابة شيء ما مطول وتجهيز نفسي نفسياً وقضاء جلسة طويلة مع النفس لـ”عكس” ما تم خلال العام الماضي، ما الذي قمت به بشكل صحيح ومالذي يجب فعله بشكل أفضل.

كنت دائماً عندما أقرأ أو أستمع إلى رائعة الدكتور غازي رحمه الله “حديقة الغروب” أبدل الـ”خمسٌ وستون” بالعمر الحالي لي، كثيراً من الأحيان يغمرني شعور بأنني عشت حياةً طويلة مليئة بالاحتمالات والتجارب النفسية، أنني خضت الكثير ولازلت. لكنني لا أستطيع إنكار أثر التزامي مع الأخصائية عاماً كاملاً حتى الآن بفضل الله على تمكني من الاقتراب من جذوري النفسية ورؤية بصيص النور، لا أنكر أنني لا زلت أتأرجح هنا وهناك وأصل إلى القاع أحياناً عدة بفعل أمور صغيرة يكون لها أثر كرة الثلج المتدحرجة على نفسي، لكن هذا القاع لا يقارن بالهوة التي وصلتها قبل عامين تقريباً.

مر عام ونصف منذ أن قررت تغيير نمط حياتي الصحي وهذه أطول مدة دون انتكاسات طويلة المدى ولله الحمد، أخطط لتجربة نظام جديد يقلل من الاتهابات الجسدية كما ذكرت مسبقاً لكن الاتزام به سيتطلب أن أعد كل شيء بنفسي وقطع العديد من الأغذية التي تزيد من هذه الالتهابات وهذا أكثر ما يجعلني قلقة بشأنه.

لا زلت أحاول في كل الاتجهات وبكل الوسائل الممكنة، وهذه بعض خلاصات العام الماضي:
1- صاحبت الدعاء والمناجاة هذا العام كما لم أفعل من قبل ولامست أثر ذلك في الطمأنينة التي كانت كنسمات ربيع لطيف في أيام صيف ملتهبة الحرارة وفي الرسائل الخفية، وعرفت قطعاً أن التوكل على الله والإيمان بحسن تدبيره عند وقوع الحدث وقبل وصول النتيجة هو مفصل الرضى ومربطه، وأن من عرفه وأحبه فقد “عرف كل شيء وما فاته شيء وما فقد شيئاً”.
2- توصلت إلى أنه لا يابسة هنا، هو إبحارٌ ومحاولات مستمرة، وذلك كل ما أملك لنفسي، أن أحاول بكل ما أوتيت من وقت ومال وجهد وطاقة لحمايتها من التعرض للأذى حتى وإن كان ذلك بالغذاء السيئ لها، وأن أزكيها ما استطعت إلى ذلك سبيلاً.
3- أذكر نفسي بشكل مستمر أن كل محاولة وإن كنت قد نجحت فيها لأنني اخترت الطريق الأصعب والأكثر حقيقةً إلا أن ذلك لا يجعلني أفضل من غيري الذي اختار طرقاً أخرى، لأن حتى السمات الشخصية التي تجعل ذلك ممكناً لي كالقدرة على الانضباط وكل ما صقل شخصيتي وجميع قدراتي الذهنية لم يكن لي فضلٌ فيها، وأن تكون نظرتي للآخر دائماً نظرة رحمة وتعاطف، ألا ألوم أحداً -حتى وإن كان ذلك بيني وبين نفسي- على عدم تحسن أوضاعه أياً كانت، لأن هذه الأصوات المادية البحتة التي تحاول منطقة المعاناة لتبريرها أكثرها سمّيّة على النفوس البشرية التي تنهض وتتحسن برحمة بعضها بعضاً.
4- كل ما مر به العالم هذا العام من جائحة وتباعد اجتماعي وكل ما لم يخطر على بال على الرغم من القلق الشديد الذي سببه لي بدايةً ولا يزال أحياناً، إلا أنه قربني من حقيقة الوجود كما لم يفعل أي شيء آخر، وتبدى لي مدى عشوائية العالم وضعف حيلته وأنني كنت أحمله أكثر مما يحتمل.

وأخيراً إن كان هناك ما أمتن له في نفسي وأحمد الله عليه فهو محاولاتي المستمرة وعدم الاستسلام حتى عندما كان كل شيءٍ يدعو إلى ذلك، البحث المستمر والانفتاح على التجارب المختلفة حتى وإن كانت غير مألوفة.

أتمنى أن أحظى العام المقبل بمزيد من الهدوء والسلام، وأن تكون لدي المرونة النفسية الكافية لعدم الجزع أمام صعوبات الحياة، وأن تكون لدي القدرة على تجاوز هذا الكم الهائل من الغضب الذي تفاجئني شدته ويذهلني وجوده تحت الأنقاض المنسية في كل مرة، وأتمنى أن يكون قلبي أكثر وسعاً وأن يسمح لي بالحب دون حاجز الخوف وبقايا أقرانه من الشوائب.

الخامس عشر من آب

استيقظت اليوم بثقلٍ شديد، أفكارٌ متتالية عن مدى تورطي بحساسيتي المفرطة التي لم أستطع الوصول بعد إلى مرحلة تمكنني من عدم النظر إليها كضعف يكبلني.

تجعلني أحياناً عدة أستغرب ردة فعلي النفسية الشديدة على أمور يراها أغلب من أعرف بسيطة ولا تستدعي ذلك، أصبحت مع الوقت أحتفظ بها وبآثارها لنفسي وأنتظر لحظة الاختلاء بها حتى أستطيع السماح لنفسي بالتعبير عنها. لا أستطيع إنكار أن جزءاً مني يغضب لوجودها وأشعر أنها تعيدني عشرات السنين إلى الوراء لأنني أعتقد أن هذه الحساسية منوطة بالأطفال ولا يفترض أن تستمر معي كشخصٍ سيدخل الثلاثين بعد عدة أيام.

أعرف إيجابياتها وكيف تمكنني من التعاطف مع الآخرين ووضعي نفسي مكانهم، وبالتالي التعامل معهم بشكل لطيف دائماً، تجعلني أكثر رحمةٍ بالآخر، لكن التعامل الدائم معها منهِك ثقيل، فقد أحتاج إلى أيام لتخطي أمر بسيط، والكثير من المداراة والتحايل.

وكما تقول السّت: أروح لمين؟
وأكملها أنا: من نفسي