الثاني والعشرون من أيلول

أجلس في نهاية يومٍ طويلٍ بهدوء بعد إنجاز جميع مهام العمل والمنزل والرياضة، أتناول مشروباً دافئاً وأتطلع إلى إجازة نهاية الأسبوع الطويلة التي بدأت اليوم بمناسبة اليوم الوطني.

أتمنى أن تحتوي جميع الأسابيع على إجازة نهاية أسبوع تتكون من ثلاثة أيام على الأقل، يومٌ للمهام المعلقة المؤجلة ويومٌ للاجتماع بالعائلة ويومٌ بصحبة النفس والأفكار ومراجعتها وتهدئتها و”أخذ نفس”.

لسبب غير مفهوم أحسست هذا الأسبوع برغبة شديدة في الاطلاع على صور لأماكن وأزمان مرت عليها أعوام مديدة، وكأن ذاكرتي أصابها الشك من طول المدة وتقلب الأحوال، هل فعلاً كنت يوماً هناك أم أن هذا من نسج خيال الذاكرة؟

لدي كاميرا سوني لتصوير الفيديو من الطراز القديم، اقتنيتها قبل خمسة عشر عاماً تقريباً كهدية نجاح في نهاية ذلك العام، لا تزال لدي الأشرطة المسجلة لكن الكاميرا أصابها عطل وأجلت إصلاحها مدة طويلة لأنني لا أعرف إن كنت سأجد من يقوم بذلك. وأخيراً وبسبب رغبتي الملحة هذه، ذهب زوجي لزيارة عدة محلات حتى وجد من يصلحها، ويفترض أن تكون غداً جاهزة بعد صلاة العصر إن شاء الله. الحماس الشديد يغمرني لذلك والتعطش إلى مشاهدة ما تحمله تلك الأشرطة، وأشعر أنني أرغب في أن أمر بشريط الذاكرة بوضوح أكبر بعد كل هذه السنين وبعد الوصول إلى هذه المرحلة.

قد يكون سبب هذا الشعور هو الرغبة في الشعور بالألفة، أو الحنين إلى مرحلة حياتية كانت فيها القطعيات والبديهيات واضحة، غريبٌ كيف يمكن أن يشعر الإنسان بالألفة لأمور يعرف أنه لا يرغب بها في حياته حالياً لكن الاعتياد والنشأة جعلت منها أمراً يبعث على ذلك الشعور.

وكما تقول فيروز: في باب غرقان بريحة الياسمين، في باب مشتاق وفي باب حزين، هالأرض كلها بيوت يارب خليها مزينة ببواب، ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب

العشرون من أيلول

تمكنت اليوم من المشي في الحي بعد شروق الشمس، كانت ليلتي مليئة بالاستيقاظ المتكرر والأفكار المزعجة. أمشي في الحي أسمع أصوات السيارات تبدأ بالحركة والحفارات تبدأ في اختراق الأراضي استعداداً لبنائها، الكثير من المباني وبعض أتربة الأراضي البيضاء. أشعر أن روحي تتوق للسكون والطبيعة في منأى عن هذا كله، سواءً أكان ذلك براً أو بحراً أو سهلاً.

أيقنت قطعاً أنني لا أحب تخصصي وإن كنت أبرع فيه، أقوم بعملي على أكمل وجهٍ كواجب مدرسي لكنني لا أشعر بأي إنجاز بل “هم وانزاح”. أشعر بنشوة الإنجاز عند تجربة طبق جديد ينجح من أول مرة وأستمتع بتناوله، باكتشاف مذاقات مختلفة والتي كان من آخرها “الكزبرة الطازجة” التي لم تدخل في شيء إلا أضافت إليه، عندما ألتقط صورة شيء ما وأندهش من جمال الالتقاطة.

مررت اليوم على تأملات في اسم الله الرفيق، وشعرت بأن الكلام موجهُ لأفكاري ومشاعري الضائجة الضائقة، وكأنه ماءٌ باردٌ بعد قحط شديد.

فكرة أصبحت تمر في ذهني مؤخراً وأتوقف للتأمل فيها: أن مربط الفرس ليست هنا، أن هناك ما يمكن أن أتطلع إليه في جنة لا خوف فيها ولا قلق ولا نصب ولا وصب، لا حزن ولا ألم، لا ظلم ولا ضياع ولا تشتت، الأحباب فيها لا يتفرقون، الآمال والأمنيات تتحقق، الحقائق تتجلى وتُعرف. على الرغم من فكرة أن هذا كله مؤقت هي فكرة مخيفة لأن هذا هو كل ما نعرف بحواسنا الخمس ونألف، إلا أنها فكرة مريحة جداً، أن قياسات وموازين البشر بما فيهم نفسي ليست هي القاطعة ولا الدائمة ولا الحقيقية.

تصبحون على خيرٍ وسلام

التاسع عشر من أيلول

بدأت يومي بمقابلة صديقتي للإفطار، وامتدت أحاديثنا لمدة خمسة ساعات متواصلة دون إحساس بالوقت. يوجد احتمالٌ كبير أنها ستنتقل بشكل نهائي إلى دولة أخرى نهاية العام المقبل، أشعر بثقل الفكرة منذ الآن فأنا لا أكوّن صداقات بسهولة ولا أستطيع سكب نفسي وأفكاري ومخاوفي بسلاسة دون “فلاتر” حتى يتقبلني الآخر ويفهمني. ولكنها سنة الحياة، أليست كذلك؟
الحب والفراق، الأنس والوحدة، الضحك والبكاء، الفرح والألم، الأمل واليأس، التقلب بين هذا كله مراراً وتكراراً.

لا زلت أحاول التصالح مع هذه الفكرة، أن أسمح لنفسي بالحب وبالفرح وبالأمل دون خوف من النقيض الآتي لا محالة، لأن كل شعور جيد سيليه نقيضه الغير مفضل في مرحلةٍ ما، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بالجيد لتخفيف الألم يعني أن تكون حياة أعيش فيها على أطراف أناملي طوال الوقت، وهذا اللاشعور يعني وحدة داخلية مهما كثر المحيطون.

عدت إلى المنزل لأكتشف أن المشكلة الأساسية التي أعدنا ترميم المنزل بسببها لمدة عامٍ كامل واستنزف جهداً وطاقةً ومالاً وعمراً لم تحل في الحقيقة، انتابني إحساس أن كل ما يحصل في حياتي حالياً هو كوميديا سوداء إن صح التعبير، أن كل ما أقوم به هو عبارة عن مقاومة للاستسلام لليأس والدخول في البئر السحيق.

الضوء في نهاية النفق يتلوه نفق آخر دائماً، ذلك جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، ضرورة أن تنجو بنفسك وأن تحافظ عليها من المرارة التي تعتريها من التجارب والانسحاق المستمر، العلو والهبوط، القوة والضعف. لا زلت أبحث عن ذلك، كيف تستطيع النفس في الاستمرار بالإحساس بالجمال والحب واللطف دون أن تقسو بفعل عوامل التعرية؟

وَقَــــدْ بَـسَـطْـنَـا أَمْــرَنَــا لَــدَيْـكَ”
وَقَــــدْ شَــكَـوْنَـا ضَـعْـفَـنَا إلَــيْـكَ

فَـارْحَـمْنَا يَــا مَـن لاَ يَـزَالُ عَـالِمًا
بِـضَـعْـفِـنَـا وَلاَ يَـــــزَالُ رَاحِــمــاً

الثامن عشر من أيلول

أشعر اليوم بسلامٍ يغمرني.

قمت بتحديد خطة الطبخ للأسبوع القادم يوم الخميس والانتهاء من التسوق لها كذلك حتى أترك لنفسي مجالاً للاسترخاء يوم الجمعة أو السبت، كما قمت بإعداد كمية من الطعام تكفيني خلالهما.

استيقظت اليوم باكراً، وصلت طلبية السمك الطازج الذي قمت بعملها قبل يومين، عندما استلمت صندوق الفلين شممت رائحة البحر وأحسست بالاشتياق الشديدة لجدّة وبحرها والأحباب هناك.

بعدها قمت بتنظيف المنزل وتبخيره بالمستكة التي تشعرني رائحتها بالانتعاش، وشعرت بالامتنان بعد الخروج من استحمام الجمعة الطويل لمنزل يعبق بالروائح الطيبة.

أشعر بالحماس الشديد لأنني سأخرج لتناول الإفطار غداً مع صديقتي التي لم أرها منذ عدة أشهر.

أعتقد أنني سأحاول تكرار ذلك كل أسبوع: الانتهاء من المهام في يومين وترك يومٍ للاسترخاء والقيام بما أحب.

الخامس عشر من أيلول

كانت طاقتي شديدة الانخفاض اليوم، أعتقد أن ذلك يعود إلى نومي الغير مستقر على غير العادة، كنت دائماً أرتاح لفكرة أن نومي لم يتأثر يوماً بصحتي النفسية أو الجسدية، أما هذا الأسبوع فكنت أتقلب كثيراً لساعات قبل أن أتمكن من النوم وأستيقظ في الخامسة ولا أنام حتى نهاية اليوم. لذا لم أستطع أن أقوم بتماريني الرياضية أو تمارين العلاج الطبيعي لا اليوم ولا البارحة فبالكاد أستطيع الانتهاء من مهام العمل.

أعتقد أن توتر العمل بدأ في السيطرة علي، فالعمل بين قسمين بمهام كثيرة ومشاريع خارج هذين القسمين أمرٌ ينهك طاقتي، كما أنني أشتم رائحة تجربة سابقة غير لطيفة في مديري المباشر الحالي حيث أنني في أحد تجاربي السابقة عملت تحت إدارة أحد الأشخاص الاعتماديين الذين يفضلون الاستحواذ على الشخص الذي يرونه جيداً وخنقه بالأعمال بدل توزيع المهام بالتساوي لإراحة أذهانهم وعدم معرفتهم بأساسيات الإدارة، لكنني ولله الحمد أقوى عوداً هذه المرة وسأتحدث عندما أرى أن هذا الوضع غير مؤقت.

استمعت اليوم أثناء المشية المسائية إلى بودكاست لطيف تعرفت إليه مؤخراً اسمه “دُم تَك” يتنقل بين التعريف بفنانين وألوان مختلفة من الموسيقى العربية، واستمعت اليوم إلى الحلقة الخاصة بابتسام لطفي، بعد الانتهاء منها عدت للاستماع إلى مفضلاتي الخاصة بها:
مضت أيام في حبك، ودعتك الله يا مسافر، فارج الهم، لا تطل بالله بعدك، يا حبيبي آنستنا.
أحب صوتها الذي يبعث على الأنس حتى عند حزن اللحن والكلمات، رقة مخارجها الحجازية، والابتسامة الخفية الواضحة في صوتها دائماً.

قررت اليوم أن أحاول شرب البابونج والقراءة قبل النوم علّ ذلك يساهم في رفع جودته وتحسين طاقتي غداً.

الأسبوع الثاني من أيلول

أصبح المطبخ أقرب الأماكن إلى قلبي ونفسي هذه الأيام، مهما كان اليوم سيئاً وطاقتي منخفضة وحتى إن كان هناك فائض طعامٍ في الثلاجة إلا أنني أستمتع بفكرة تجربة شيءٍ جديدٍ يومياً مهما بغت بساطته: حليب نباتي منزلي، وصفة حمص منزلية، پانكيك بدقيق جوز الهند للإفطار. أشعر أن التركيز الذي يتضمنه فعل ذلك هو أمرٌ مهدئ للنفس، وعند نجاح ما أقوم به أشعر بالحماس والاكتفاء.

لم أكن يوماً أجيد الطبخ ولم أدخل المطبخ يوماً قبل الزواج، وحتى بعده كانت والدة زوجي ترسل لنا الغداء يومياً، ثم أصبحت والدتي تقوم بذلك بسبب أوقات عملنا الطويلة، وحتى بعد عدة تجارب ناجحة كنت أشعر أنها عملية شديدة التعقيد. لذا أعد كوني سأكمل شهراً بعد أسبوع من إعداد جميع الوجبات بما في ذلك الوجبات الخفيفة منزلياً حتى في إجازة نهاية الأسبوع والاستمتاع بذلك وبتناول النتيجة إنجازاً لم أنجح فيه سابقاً.

تراودني فكرة تعلم التصوير بشكلٍ أفضل، أشعر أنني أحب فعل ذلك وأستمتع بتخيل شكل الشيء إذا تم التقاط صورة له حتى إن لم أقم بذلك.

ألاحظ بشكل واضحٍ جداً الفرق في مزاجي طوال اليوم عند المشي بعد الفجر خارجاً في الحي، لكنني بكل صراحة لا أشعر بأمان حول فكرة أن أقوم بذلك وحدي مما ينتج عنه ألا أقوم بذلك سوى مرة إلى مرتين أسبوعياً. أفكر في كيف يمكن أن تتغير صحتي النفسية والجسدية إن تمكنت من المشي في مكانٍ آمن مفتوح خالٍ من السيارات والشاحنات والاسمنت يوماً ما. أحب الهرب إلى الخيال والاحتمالات منذ طفولتي.

هذا الأسبوع أوشكت على الانتهاء من مسلسل Broadchurch، لم أتابع مسلسلاً مثيراً للفضول منذ مدة طويلة، أصبحت أتطلع للانتهاء من المهام والعمل والمشي حتى أتمكن من استكماله، لا أعلم ما الذي سأقوم بمشاهدته بعد الانتهاء منه. على الرغم من أنني مؤخراً أصبحت لا أفضل إلا مشاهدة الأمور الخفيفة ولا أطيق توتر الآكشن، إلا أن هذا كان استثناءاً نجح في شد انتباهي منذ بدايته.

الأسبوع الأول من أيلول

كان الأسبوع الماضي مليئاً بالركض المادي والمعنوي، ففي العمل حصلت العديد من التغييرات من ضمنها تثبيتي في القسم الذي لا أفضله والذي كنت معارةً له في البدء، ثم بعدها بيوم نقلي إلى قسم آخر جديد الإنشاء وسيكون فيه الكثير من الفوضى إلا أن التثبيت لم يكتمل على الأقل.

استيقظت يوم الجمعة -وهو أحب الأيام إلي- بنفسٍ مثقلة. خططت للذهاب بعد شروق الشمس إلى حديقتي المفضلة التي تطل على وادي حنيفة علّ شعور الاختناق هذا يُزاح، خاصةً أنني كنت خلال الأسبوع أحاول التأقلم مع الجيران الجدد الذين يقوم أطفالهم باللعب والصراخ بشكل مستمر في الممرات أمام الشقق، هناك درجات من الصراخ المستمر التي تجعلني أشعر باختراقها لجمجمتي.

ذهبت إلى الحديقة، مشيت كثيراً، تعرضت للهواء والشمس، بعدها ذهبت لتناول الإفطار في أحد أماكني المفضلة بعد انقطاع أسبوعين عن أي طعام غير منزلي. لكن الشعور لم يفارقني للأسف.

لكي أكون حقيقيةً مع نفسي، أخشى الاعتراف بهذا الشعور المألوف الغير مرغوب، تلك الحفرة العميقة التي دخلتها قبل عامين، أشعر بأنني على حافتها مرةً أخرى وبأنني بدأت في الانزلاق.

أشعر بالاكتئاب يبتسم بخبثٍ ويظهر أنيابه مجدداً، ذات الأسباب باختلاف أشكالها. أشعر بالأشياء تبدأ بفقدان طعمها وألوانها، أشعر بالمسافة بين ما أشعر وما أُظهر تزداد اتساعاً، أحاول مصارعة الأفكار السوداوية التي تبدأ بالتكالب والانقضاض كحيواناتٍ مفترسةٍ تم تجويعها.

أحياناً يخيل لي أن لدي هذه الغرفة الخفية المظلمة في عقلي، عندما أكون حول الآخرين تختفي وأستطيع التحدث والضحك وإبقاء كل شيء تحت السطح، وما أن أخلو بنفسي حتى يُفتح باب الغرفة ويطل هو بكل أذاه.

لم أكن أطلق عليه أي مسمى سابقاً حتى سمته الأخصائية لي، كنت أعتقد أن هذا الشعور الذي يلاحقني كظلٍ حتى في أكثر اللحظات بهجة هو جزء لا يتجزء مني، واعتقدت أنه جزء من تكوين البشر أيضاً طالما أنني لا زلت أأكل وأشرب وأعمل وأتحدث، إلا أن كل هذا فيه قتالٌ ومقاومة مستمرة لنفسي، لأنني أعرف أنني إذا لم أقاوم السقوط في هذه الهوة السحيقة بكل ما أوتيت من طاقة وحاولت الهرب في الاتجاه المعاكس ستبتلعني، وسأحتاج لجهود مضاعفة للخروج منها.

أحياناً عندما يمر يومٍ دون غرق في هذا الشعور أفكر: يا ترى أهكذا يشعر من ليس لديه هذا الظل؟ يا للخفة.

أشعر بأنني أعود لنقطة الصفر في كل مرة، أن الحياة تعيد نفسها بطرق مختلفة، لا أستطيع مشاركة مشاعري وأفكاري القاتمة مع الآخرين لأنني أبدو كشخص متصالح ومسيطرٍ على كل أمور حياته إضافةً إلى أن هناك أفكاراً خاماً قد لا تراود أصحاب الأذهان الوديعة ولا أفضل فتح أبوابٍ مغلقة للآخرين أو المخاطرة بذلك. لدي صديقة أستطيع مشاركة القتامة معها دون خوفٍ من ذلك لأننا نتشارك هذا الظل، لكن أصبحت هنالك مسافةٌ كبيرة بيننا مؤخراً، فكلٌ منا اختارت طريقاً مختلفاً كلياً عن الأخرى للتعامل مع ظلها.

هذه المرة تبدو مختلفة -ككل مرة- لكنها أول مرة أكون قد بذلت فيها كل ما وسعي كي لا أفقد اتزاني إلا أن الدائرة تبدأ بالانغلاق مرة أخرى بشكل أكثر إحكاماً من المرات الماضية.
أتمنى ألا يكون الليل سرمداً وأن يأتيني الله بضياء يخترق ظلمته وظلمتي.

السابع والعشرون من آب

بدأ يومي بشعور جيد، ذهبت لحضور موعد العلاج الطبيعي، في طريق العودة خضت نقاشاً مع أحدهم حول شخصٍ يهمنا أمره، غالباً يمر الآن في مرحلة شديدة الصعوبة ولا نعرف كيف يمكننا مساعدته خاصةً أنه يستصعب القيام بما يمكن أن يعينه على التحسن سواءً صحياً أو نفسياً أو جسدياً أو اجتماعياً. كان هذا من أكثر المواضيع التي تشغل ذهني مؤخراً وأتقلب بين فكرة أنه لا يمكنني فعل أي شيء للشخص سوى الدعاء إن لم يتخذ قراراً جازماً بشأن أي من أموره وبين أن هذا الشخص يعتبر في أصعب مراحل حياته وأن التعاطف معه من أقل حقوقه علي خاصةً أن وضعه ينتج عنه إرباك عام لجميع محيطه تقريباً كما يخرج أحياناً على شكل نوبات غضب، أين يقف خط التعاطف الصحي ومتى يكون ترك المسافة حفظاً للنفس من الأذى ومتى يكون أنانية؟

عدت إلى المنزل، تناولت الإفطار وأنهيت مهام العمل، بعدها تم إبلاغي بأمر كان محتملاً لكنه وقع، الغالب أنه سيغير من شكل حياتي كلها وسيدخلني صراعات مع نفسي ومع وجودي وهو ما خشيته. أتعامل مع الأخبار السيئة بهدوء حين وقوعها حتى أختلي بنفسي وتبدأ الأفكار بالتفكك والتقاذف. أسائل نفسي هل ما يحدث لنا بسبب أننا نفعل شيئاً ما خاطئاً وهذا تنبيه أم أنه ابتلاء؟
يخيل لي أحياناً أن كل ما أفعله هو الركض المستمر لمحاولة إخماد النيران دون فترات راحة متقطعة سوى عدة أيام، أشعر وكأنني أحتاج إلى بخاخ ربو معنوي إن صح التعبير. أقف في ذهول أمام كل ما يحصل.

هل تصوري عن الحياة مغلوط؟ هل هو مثالي زيادة عن اللازم؟ هل أفتقر إلى المرونة النفسية والقدرة على التحمل أم أن ما يحصل غريب فعلاً. أشعر بأن الألوان تتداخل في بعضها والمفاهيم والمعاني، ألوك القلق تحت ضرسي وأشعر به يخترق أضلاعي ورئتي، كل شيء يبدو ثقيلاً وبلا معنى.

السادس والعشرون من آب

اليوم هو ثالث يومٍ من النظام الغذائي المتبع، منذ عامٍ ونصف تقريباً وأنا أتبع نظاماً معتدل الكربوهيدرات ولكنني لم أقم يوماً بتجربة قطع السكر بما في ذلك الأنواع الغير مكررة منه كسكر جوز الهند وسكر القصب الخام. الآن وبعد قطعه لمدة ثلاثة أيام بالإضافة إلى أي منتجات تحتوي عليه بالطبع وتقليل الكربوهيدرات والحد من نوعياتها إلى نوعيات ذات مؤشر جلايسيمي منخفض فقط، تنبهت إلى علاقتي العاطفية مع الطعام ومدى تأثيره على مزاجي وشعوري العام.

أشعر حقيقةً كأنني انقطعت عن شخصٍ أعزه كثيراً وبهت طعم الحياة إلى حدٍ ما، خائفة جداً من الانتكاسة حيث أن النظام السابق كان خالياً من الحرمان لكنه في المقابل لم يكن يعالج الأمور التي آمل أن يعالجها النظام الحالي.

قد أركز على ذلك كثيراً في الأيام المقبلة لأنني حقيقةً أشعر بصراع نفسي كبير وأنني قد قاربت اليأس من كثرة المحاولات في هذا الخصوص وكثرة الآراء والأبحاث وتناقضها، وكلما أبحرت أكثر ازددت قلقاً وحيرةً.

أنهيت يومي بالاسترخاء ومشاهدة عدة حلقات من مسلسل جديد لأمينة خليل، استمتعت بالتأمل فيها وفي أناقتها أكثر من أي شيء آخر.

الرابع والخامس والعشرون من آب

بدأت منذ يوم الاثنين التركيز على أن تكون جميع وجباتي منزلية وأن أتأكد من محتوياتها، وبعد الانقطاع عاماً كاملاً عن الطبخ قضيت معظم اليومين الماضيين فيه، أرغب في تعويد نفسي على السرعة في ذلك لأن هناك أنباءً بأننا قد نعود للعمل نهاية الشهر القادم. لا زلت أجد يدي ثقيلة وبطيئة ولا تزال مشكلة أقدامي تُثار عند الوقوف مدة طويلة وهو ما أعمل على إصلاحه من خلال العلاج الطبيعي، وما أطمح له هو أن أصل لمرحلة إعداد طعامي بشكل خفيف سريع لأنني أؤمن أنها مهارة مهمة خاصة لمن يرغب في تحسين جودة طعامه وبالتالي صحته.

أشعر بالرضى عند تناول وجبات منزلية دافئة وإن كانت بسيطة، وكأن علاقتي بالمنزل بدأت تتوثق بعدما بدأت بالطبخ البارحة. نسيت كمية الأصوات التي كنت أتعرض لها هنا قبل ترك المنزل مؤقتاً من بكاء أطفال الجيران وأصوات أقدامهم على السقف، ولسبب ما: اكتشفت أنني شخصٌ يتأثر بالأصوات جداً ويتوتر من تكرارها إلى درجة غير مريحة كما أن أخف صوت أو حركة توقظني من النوم، اضطررت يوم الأحد إلى أن أطلب من الأطفال الذين يلعبون في الخارج بعد الحادية عشرة مساءً أن يتوقفوا عن الصراخ لأن هناك أشخاص لديهم أعمال وأشغال في الصباح الباكر.

أنزعج أحياناً كثيرة من سهولة توتري وصعوبة تواجدي حول الآخرين وعدم مرونتي عموماً.

تلقيت اليوم خبراً مقلقاً متعلقاً بالمستقبل، لكنني لم أقلق بل غلفتني سكينة ومُسح على قلبي بطمئنينة حمدت الله عليها كثيراً، أعتقد أنني بدأت أتصالح مع فكرة محدوديتنا وأن الاجتهادات ليس هنا محل تقييمها ولا مربط الفرس.