الثاني والثالث عشر من آب

البارحة كان يوم ترتيب الأوراق والمستندات في المنزل. أثناء ترتيبها وتفنيدها والتخلص مما لا أحتاجه منها انتابتني عدة مشاعر: مستندات أول وثاني وثالث وظيفةٍ لي، ياه كم يبدو ذلك بعيداً نفسياً وزمنياً على الرغم من أنها ستة سنوات أو أقل. اكتشفت أنني لا أحب تذكر تلك الفترة الزمنية وأحس بمغص جسدي وغثيان عند تذكرها، كان الضياع عارماً ومغرقاً حينها على جميع الأصعدة.
مستندات الجامعة والمدرسة، حقيقةً لا أعلم لمَ يرغب العديد في العودة في سنينه إلى الوراء، صحيحٌ أن المسؤوليات كانت تكاد لا تُذكر ولا خيارات مصيرية تقريباً، لكن هناك شعور بالتصالح والسكون يخالج لحظات الصراع والضياع كلما تقدمت في السن بالنسبة لي.

غمرني بعدها شعور امتنانٍ ممتدٍ عميق غسل روحي، حمدت الله كثيراً على ما آل إليه حالي، على ألطافه التي انتشلتني حين كان السواد يحيطني، على كل ألمٍ قربني منه وعرفني إليه برحماته التي تلته.
تناولت ورقةً كنت قد كتبتها قبل عدة سنوات تحتوي شكل يومي المثالي، وشعرت حينها بالأشواط التي قطعتها وإلى النقطة التي وصلت إليها حالياً وكيف أنني حققت كثيراً مما كنت أتمناه بفضل الله وكرمه، لذلك أحب الكتابة.

تأملت في كيف أن الأمنيات والآمال تتحقق أحياناً، لكن لا يأخذ الطريق إليها مجرى ومنحى سلساً ولا يكون واضحاً حينها أن هذا هو الطريق المؤدي فأٌصارع وأنازع وأفزع وأجزع، أن تفاصيل الطريق أغرقتني أحياناً عدة، لكن عندما أوقف ذهني عن التفكير في الطريق، أسأل نفسي: أليس هذا ما كنت أرجوه؟
أعتقد أن أقسى وأغلى درس تعلمته هو عدم التشبث، ألا أتشبث وأتمسك بشيء ما وأصارع نفسي وواقعي وكل ما حولي لاعتقادي أنني أعرف الأفضل لي، أن ما تشبثت به كان أحياناً عدة “علقة”، وأن أكثر ما زهدت فيه كان كثيراً من المرات يحمل في طواياه خيراً كثيراً وفيراً لم أكن لأصل إليه بنفسي، وأن التسليم والتوكل هو رحمة للنفس البشرية التي إن فعلت ما فعلت فهي لا تملك لنفسها ضراً ولا نفعاً.

اليوم كان بداية إجازتي التي ستمتد لأسبوع والتي يفترض أن أنتقل إلى المنزل خلالها بإذن الله، لذا سيكون أسبوعاً حافلاً مليئاً بالمهام، لكنني شديدة الحماس لها وللاستقرار بعد ذلك على خيرٍ بإذن الله.

الحادي عشر من آب

كان اليوم طويلاً ومنهكاً ولكني أنجزت الكثير خلاله ولله الحمد، بدأ بمهمة عمل أمضيت عدة ساعات لإنجازها لأتلقى اتصالاً يفيد بأنها لا تخص المستند الذي يجب أن أعمل عليه. انتهيت من ترتيب خزانة الملابس ولازلت أتفاجأ بما أمتلكه، الوضع أفضل من السابق حيث بت لا أتردد في التخلص من أي قطعة أمضت عاماً دون استخدام. تبدو الكثير من القطع دون جدوى حالياً خاصةً مع التباعد الاجتماعي وعدم الالتقاء بالآخرين كما في السابق.

مضى الوقت دون انتباه فوصل بي الجوع إلى مرحلة “تاز” الذي كان يدور كالزوبعة ليأكل كل ما أمامه وحوله.
سأفتقد قطعاً فكرة عدم حمل هم ما سأتناوله للغداء عندما أفارق عائلتي وأن أجد دوماً طعاماً منزلياً بانتظاري.

قررت اليوم تجربة شرب السّدر قبل النوم لعله يحسن من جودة نومي، ففي الأيام الأخيرة أصبح تقلبي كثيراً وأمضي ما يزيد عن الساعة في السرير قبل أن تغفى عيناي لأحظى بنومٍ مليئ بالأحلام الغير مريحة.

لم أستمع اليوم لشيء محدد وأمضيت ساعة المشي في التقليب المستمر.

العاشر من آب

استيقظت اليوم بطاقةٍ أفضل، واكتشفت أن الإفطار الذي يحتوي على البيض هو أكثر ما يجعل طاقتي متزنة ولا أشعر بانخفاض غريب فيها بعد تناوله، أنجزت مهام عملي وتمرنت.

زارتني اليوم المعالجة الطبيعية لتقييم وضع ركبتي وأخبرتني أنه من الأفضل أن أتوقف عن تمارين الجزء السفلي الرياضية حتى يتحسن الألم وأنه علي الالتزام بثلاث جلسات أسبوعية معها.
رحلتي مع العلاج الطبيعي بدأت منذ أربعة سنوات ولا تكاد تنتهي حتى تعود للبدء مرة أخرى، أعتقد أن التخصص الدقيق في المجال جديد نسبياً لذا احتجت إلى الكثير من البحث والتجارب حتى أستطيع أن أفهم مشكلتي، وهذه تجربة جديدة أخرى لحل المشكلة وأتمنى أنها الأخيرة إن شاء الله.

حقيقةً عندما أتأمل في مشاكلي الجسدية أجد أن كل شيء يقول: inflammation ، أعتقد أن أدق ترجمة هي حمضية عالية في الجسم.

اليوم كان ڤيديو الإفطار في الصباح متعلقاً برحلة في جزيرة بالي، تبادر إلى ذهني أن النظام الذي أنوي اتباعه سيكون صعب التطبيق في السفر وسيمنعني من تجربة أطباق مختلفة وذلك أحد أهم متع السفر، بالطبع أجبت نفسي كما هو الحال دوماً: تبقى وقت طويل حتى أتمكن من السفر مرة أخرى بسبب الأوضاع الحالية وأوضاعي الشخصية المتعلقة بالانتقال إلى المنزل والترتيب والاستقرار، وعندما يُفتح المجال وتُفرج سيكون هناك ازدحام على السفر عالمياً وهو ما سيضطرني إلى تأجيل السفر لمدة طويلة لأن الازدحام ينغص كل لذة بالنسبة لي سواءً كان ذلك في الشارع أو في أحد أماكني المفضلة، أكثر ما أفتقده هو الشعور المنعش الذي يصاحب استنشاق هواء جديد كلياً وسماع لغة جديدة والدهشة المصاحبة لكل ذلك، فـ”فيننا وفين السفر”.

أجد بهجةً هذه الأيام في الاستماع لمفضلاتي القديمة التي لم أستمع إليها منذ مدةً طويلة، أنهيت يومي بالاستماع لـ مدام معايا القمر.

التاسع من آب

اليوم هو أول يوم عمل بعد إجازة عيد الأضحى، لا نزال نعمل عن بعد ولكن مهام العمل ابتلعت معظم الوقت، أحاول تذكير نفسي بالامتنان لأنني أعمل في عمل لا أَظلم ولا أُظلم فيه بينما يمر العالم من حولي في كل ما يمر به وأن أتوقف عن التذمر حتى الداخلي.

بين مهام العمل استلقيت على السرير لعدة دقائق ولأول مرة شعرت أنني أستطيع النظر إلى السقف بهذا الحب، تأملت في كيف أن وجود السقف وثباته وسكونه وجموده هي نعمة عظيمة، لطالما شعرت بهذا الحب لجدران المنزل سابقاً -أعلم أن هذا قد يبدو غريباً بعض الشيء- لكن السقف الآن يجب أن يحظى بذات المشاعر فأهميته لا تقل عن إخوانه الجدران.

لم يبق الكثير من الحاجيات لترتيبها ونقلها، أعتقد أنني سأكون جاهزة للانتقال خلال نهاية الأسبوع إن شاء الله إن تمكنت من زيارة المنزل يومياً للترتيب.

لا زلت في رحلة بحث عن لوح أقتنيها وفكرت في مراسلة عدة مصورين لسؤالهم عن إمكانية شراء صورهم إلا أنني أخشى أن يشعروا بالإهانة لسبب أو لآخر.

أنهيت يومي بالاستماع لـمركب الهند.

الثامن من آب

منذ يومين يعتريني شعور غريب بالخمول الشديد وانخفاض الطاقة بعد تناول الإفطار على الرغم من خفته وعدم احتوائه على أي عناصر غير صحية ومغذية، أصبحت أتطلع كل يومٍ أكثر من سابقه للاستقرار حتى أستطيع إعداد الطعام لنفسي والالتزام بغذاء أكثر اتزاناً، لا أرغب في بناء آمال ضخمة على النظام الذي أنوي اتباعه حتى لا أحبط إذا لم يؤتِ نتائجه المرجوة خاصةً مع ثبات وزني الذي أعاني منه منذ خمسة أشهر تقريباً بغض النظر عن التزامي غذائياً ورياضياً. أعتقد لو كنت في مرحلة حياتية وفكرية سابقة كنت سأتوقف عن كل ما أفعله لأعود إلى عاداتي السيئة، لكن بفضل الله أصبحت أنظر للموضوع كصحة شاملة وأحاول عدم التركيز على الوزن.

كان اليوم يوماً عائلياً بامتياز، قضيت اليوم كاملاً تقريباً مع عائلتي في منزل أخي لتناول طعام الغداء، ذكرني اليوم بأيام العيد القديمة المليئة بالضحك والأكل الكثير الطيب والأحاديث والمشاكسات. ممتنة اليوم للحظات الصفاء مع العائلة، لحظات كهذه أحياناً تجعل الشوائب والصعوبات كأن لم تكن يوماً وأتمنى أن يتوقف الزمن خلالها لأحتفظ بها لتمرير أيامٍ أكثر صعوبة.

أنهيت يومي بالمشي والاستماع لنسختي المفضلة من سلّم علي بعينك.

السابع من آب

كنت أنتوي اليوم الاستيقاظ مبكراً والذهاب للمنزل لاستكمال ما بدأناه في الأيام الماضية من فتح الصناديق وترتيب الحاجيات، إلا أنني لم أستطع النهوض من السرير وقررت تأجيل الذهاب ليوم غد والاكتفاء بوضع الحاجيات المتبقية حالياً في صناديقها اليوم.

كانت أمي وأختي تتسائلان بشكل متكرر خلال الأيام الماضية: هل ستركيننا بهذه البساطة؟ وللأسف لم أستطع التخلي حتى الآن عن عادتي في إبداء التبريرات المنطقية الغير منطوية على المشاعر الحقيقية هرباً من إبدائها: نكمل هذا الشهر عاماً كاملاً لديكم منذ أن بدأت أعمال الترميم في المنزل ولا أفضل ترك المنزل دون سكن مدة أطول.

والحقيقة هو أنني في أول يوم ذهبت لفتح الصناديق فيه على الرغم من حماسي الشديد للانتقال وترتيب الأمور والبدء في كل المشاريع المعلقة بعدها والاشتياق إلى الاستقلال، إلا أنه خيم علي شعور غريب مزعج، أعتقد أنه استيعاب أنني سأنتقل من منزل عائلتي من جديد كما فعلت قبل ٨ سنوات تقريباً، مع فارق الألفة مع نفسي ومع زوجي بالطبع.

غالباً وصلت إلى تصالح مع فكرة أن العديد من الأمور في الحياة هي حلوة مرة في ذات الوقت، نستعين بحلاوتها على مرارتها.

هذه الأيام أحب مشاهدة هذه القناة اثناء تناول الإفطار حيث أفضل مشاهدة شيء هادئ صامت لا يكثر الحديث خلاله، كما أنها بالنسبة لي مختلفة من ناحية أنني لم أمر على قناة مشابهة يتم تصوير الحياة اليومية فيها بهذا اللطف في نفس المدينة التي أقطنها منذ ولدت فيها، أعتقد أنها منحتني عدسةً أخرة مجدّدَة لرؤية المدينة.

الخامس من آب

لم أستطع الكتابة البارحة بعد سماع الخبر المفجع، وحتى الكتابة اليوم تبدو ثقيلة. كل الأمور تبدو عديمة الأهمية.

أرتب حاجياتي في المنزل اليوم استعداداً للانتقال وأنا أفكر: يا الله ما أثقل شعور أن تضع في بيتك كل ما لديك من مشاعر ومحبة ووقت ومال وجهد ويذهب أدراج الرياح في ثانية واحدة، أن تفقد كل ما تملك دفعة واحدة دون سابق إنذار، يعتصر قلبي كمداً على كل من ذاق ذلك -وما أكثرهم- وأدعو الله أن يلطف بقلب ونفس كل من تهجر من بيته ووطنه.

تتجاذبني عدة أفكار خلال اليوم: هل الأصل في العالم الحرب أم السلم؟ فكل ما يثبته التاريخ أن التقلب هو الثابت، وأن الشر موجود مع وجود الخير مذ أن قتل الأخ أخاه.

الأمل صعب ثقيل هذه الأيام، أمارس يومي العادي ولكنني أشعر بهذا الشعور المثقل في الخلفية ولا أملك إلا تعاطفي الغير مجدي ودعائي.

لطف الله بقلوب ونفوس الأبرياء المتعبين المنهكين في كل مكان وأنزل عليهم رحماته وألطافه وبركاته وألهمهم الصبر والسلوان وثبت قلوبهم ونفوسهم بكرمه إنه على كل شيء قدير.

الثالث من آب

قاومت للاستيقاظ مبكراً فلدي موعد أشعة في الصباح استغلالاً مني لوقت الإجازة. عندما وصلت إلى المستشفى وعند تقديم طلب لموافقة التأمين وصلتني رسالة بالرفض من قبلهم، انفعلت أثناء الحديث مع موظف التأمين لأن زميله أفادني بسبب رفض غير منطبق وأبلغني هو أن ذلك غير صحيح وأن هناك سبب آخر وهو أن التأمين يرى أن طلب الأشعة المقطعية غير منطقي. بعد الرجوع إلى موظف المستشفى اتضح أن الخطأ من الطبيب لعدم كتابته لتقرير تفصيلي. وفي النهاية لم أجرِ الأشعة لأن الطبيب المتواجد في العيد أقنعني أن مشكلة ركبتي المستمرة منذ 4 أعوام يفترض أن تتحسن بتقوية العضلات وإطالة بعضها وهو ما يتردد على سمعي من أخصائيي العلاج الطبيعي أيضاً.

استمر في وخزي الشعور بالذنب بقية اليوم اتجاه موظف التأمين الثاني، أعلم أن رده لم يكن منطقياً حينها، لكنني منذ زمن طويل عاهدت نفسي على عدم الانفعال عندما يتعلق الأمر بموظفي خدمة العملاء في أي مكان لأنني أعلم أنه ليس لهم علاقة بأي مما يحصل وراء الكواليس.

يفترض أن أبدأ اليوم بترتيب ما تبقى من الأغراض لنقلها إلى منزلنا لأنني أرغب في الانتقال والاستقرار خلال الأسبوعين القادمين حيث لا إجازات بعدها حتى شهر نوفمبر، وبالتالي سأعلق بين مهام العمل والانتقال والترتيب إذا لم أتحرك سريعاً، للأسف لم أقم بأي شيء.

لدي موز كثير قارب على شدة الاستواء فقررت تجربة هذه الوصفة السريعة للاستفادة منه، وكانت ناجحة فعلاً ومنعشة ومناسبة لقيظ الرياض هذه الأيام وبديلاً أفضل من غيره.

لا يزال روتيني غير منظماً منذ بداية العيد بما في ذلك روتيني الغذائي. أتطلع إلى تجربة نظام غذائي يعني بالصحة الشاملة بعد الاستقرار ولا يركز فقط على إنقاص الوزن.

أتمنى أن يكون غداً أفضل حالاً وأكثر إنجازاً من اليوم.

الثاني من آب، وأوبة للكتابة

قبل أربعة سنوات مررت بأول قاعٍ ظننت ألا خروج منه، وكنت على وعيٍ تام بأنه قاع لا يندرج تحت أي من المسميات الأخرى التي كنت أطلقها عليه سابقاً، ولا يمكن الهروب منه بإلقاء اللوم أو اللجوء إلى وسائل الهرب الأخرى، كانت أول مواجهة لي مع نفسي ومع الحقائق التي كانت تطلق عليها مسميات لا تعكس واقعها. بعدها تعلمت أن كل قاعٍ أمر فيه يبدأ الخروج منه بالبحث في نفسي وفي الجانب الذي يخصني من الأمور، في الشوائب التي تحجبني أحياناً عدةً عن الإحساس بحقيقة الأمور، وبالدعاء أولاً وأخيراً. للدعاء في حياتي دورٌ وأثرٌ قريب حبيب إلى نفسي، مهما كان إحساسي عائماً متخبطاً يمنحني طمئنينة أنني أُسمع وأُرى وإن كنت أشعر بالضياع في خضم وجودي وصخب العالم أجمع، أنني وإن أصابني الهلع والجزع فهو سبحانه يطلع على خفايا ذلك لأن الكلمات كثيراً من الأحيان تعجزعن نقل المعنى.

أخيراً، أنهيت هذا الأسبوع اختباري الذي قضيت آخر عدة أسابيع في التجهيز له، ونجحت بفضل الله لكن التوتر الذي أصابني واعتقاد الفشل أثناء أجرائه استمر معي حتى خلدت إلى النوم. لا أشعر بجدواه لكنني أحاول مقاومة الشعور باللاجدوى، طلبته مني جهة عملي على حسابها ولدي الوقت والجهد والطاقة ولله الحمد، وقد يؤتي أكله بشكل مختلف في وقتٍ آخر ويكون سبباً في تغييرٍ ما. 

تشجعت واستطعت حجز موعدٍ لقص الشعر بعد طول تردد حيث عادت الصالونات إلى عملها، فبعد أن تبرعت بقص شعري لنفسي أصبحت أطرافه تأن من هول ما أصابها من عمل يدي. أتردد على هذا الصالون لشدة هدوئه منذ أكثر من ثمانية سنوات، ولم أزر غيره تقريباً خلالها. للأسف أغلق مكانه الواسع الذي كان يفصلني عن الواقع جزئياً بسبب الظروف الأخيرة وفتح فرعاً صغيراً بعد أن غير اسمه وهويته في مكان مختلف تماماً، لكنني سأستمر في زيارته لأنني ببساطة لا أحب التغيير وأميل للمألوف. شعرت براحةٍ شديدة وأنا أشاهد أطراف شعري التي جفت واهترأت تتساقط على الأرض بفعل المقص. أتمنى أن هناك شيئاً ما يوازي شعور التخلص والتخفف هذا في الحياة غير الهرب من الأشياء وتركها وراء ظهري وهو ما أتقنه وأحاول تغييره، فالبقاء والمواجهة لا تسبب هذا الشعور المنعش الذي يلحق بالبدايات الجديدة. 

كان هذا العيد ألطف من سابقه حيث لم يكن هناك منع للتجول لمدة ثلاثة أيام كاملة كما في عيد الفطر، فكان هناك شعور أفضل بالعيد وتمكنت من تناول إفطار العيد بوجود الجميع. أحب كيف نسمح لأنفسنا بالفرح والاستمتاع بالعيد دون محاسبات متعلقة بالأكل أو بأي واجبات أو عمل. وأحب فكرة هذا السماح: يومان في السنة لن أحاسب فيهما نفسي على ما أتناوله وأستغل وقتي فيه، سأتحدث وأضحك، أتناول أطايب الطعام التي أشتهيتها خلال العام، سأسمح لنفسي بالنوم خلال النهار، سألبس وأتجمل دون إحساس بعدم الحاجة إلى ذلك. وسأستطيع أن أقول لمن يعلق على ذلك -بما في ذلك نفسي-: عيد!

قلقٌ على قلقٍ على قلقِ

يأكلني القلق ويلوكني، تتكاثف عليّ الأفكار والمشاعر كأطفالٍ في رحلة مدرسية يترجلون من الباص ركضاً لدخول مدينة الملاهي-الوصف ألطف كثيراً من الوقع- أحاول أخذ نفسٍ عميق لأنني أشعر بالغثيان من شدة القلق لتبدأ دموعي في الانهمار في كل مرة، لم أشعر بثقل الوجود كما أفعل الآن.

هذه الأيام أشعر وكأنني عمود قشٍّ في وسط المحيط، يجذبه الموج إلى أعمق قيعانه المظلمة تارةً ثم يلفظه خارجه سريعاً إلى شاطئه، وتعيد الأمواج القبض عليه لتبتلعه ثم تلفظه وهكذا، دواليك.

لا أبحث عن أجوبةٍ سريعة كما كنت سابقاً، أحاول ألا ألقي باللوم على أي مما مضى وألا أنظر بعقلية الضحية أو نفسيتها. لا أريد اتخاذ قرارٍ سريعٍ لأنه أكثر راحةٍ آنياً من العيش في هذا القلق الصامد المفزع. أرغب في الوصول إلى الحقيقة هذه المرة. في كل مرةٍ كنت أقرر سريعاً كانت تستمر في لسعي قرصات الشك والندم فيما بعد وأقنع نفسي “منطقاً” بصواب ما ارتئيت.

لكن قلبي الذي تقول عنه الست “ولي بين الضلوعِ دمٌ ولحمٌ هما الواهي الذي ثكل الشباب” هو الذي يستمر في الركل كطفلٍ غير راضٍ ولا قانع، أتمنى لو كان مع القلب دليلٌ للتعامل معه. لا أستطيع القول أن قلبي هو دليلي، لأن عليه من الشوائب وفيه من الرواسب ما الله به عليم، وعملية محاولة تخليته والوصول إلى حقيقته منهكةٌ ومفزعة لأن كل منطقٍ يصبح غير حقيقي، فالقلب لا يفكر بالمنطق، وتكتوي نفسي بهذا الصراع صبحاً ومساءً.

أخاف نفسي والاستماع لها، لا أستطيع الثقة بها ولا تفتيد أصواتها: أهذا صوت قلبي حقاً مجرداً من كل العوالق؟ أم هذه أصوات المثالية الغير واقعية التي اعتادتها الأعين والأذهان في كل مكان؟ هل هو الخوف النابع من عدم التسليم؟ هل هو صوت ذلك الطفل الغير واثق الباحث عمن يطبب جرحه؟ أم أنني ألقي نواقصي على غيري؟ هل يُشفى القلب من أعطابه أم أنني “تورطت” به؟
وكأن نفسي تُطحن بين شِقَّيّ الرَّحى حتى أصبحت كالخرقة البالية، لكنني أسمح للألم في هذه المرة أن يمر من خلالي، خليّةً خليّة، أجبر نفسي على البقاء فيه وعدم الركض منه جزعاً.

يمسح عليها استشعار رحمات يقينٍ بأن الألم هذا لا يمتد، أنني وكلت أمري لمن سوّى هذا القلب وخلقه ويقلبه بين يديه كيف يشاء، لأن الحقيقة القاطعة ألا سلطان لي عليه إلا بأمره. يمسح علي بين الحين والآخر استرجاع لحظات مماثلة في الماضي -لم تصل يوماً لهذا الألم- لكن كل قاعٍ وصلته جردني من اعتقاد أنني أعلم أو أخبر بنفسي، كان بعده درجةً أعلى من المعرفة الحقيقية

“وقد جمعت في باطنك صفات، منها صفات البهائم ومنها صفات السباع ومنها صفات الملائكة; فالروح حقيقة جوهرك وغيرها غريبٌ منك. وليس القلب هذه القطعة اللحمية التي في الصدر من الجانب الأيسر، لأنه يكون في الدواب والموتى. وكل شيءٍ تبصره بعين الظاهر فهو من هذا العالم الذي يُسمّى عالم الشهادة، وأما حقيقة القلب فليس من هذا العالم، لكنه من عالم الغيب فهو في هذا العالم غريب.”
– أبي حامد الغزالي