النفس: الورطة المستمرة

فوضى عارمة تجتاح العوالم الخارجية والداخلية، يتضائل كل شيء في عيني فأتساءل سؤالي المعتاد الذي اعتدت سؤاله للمُعالجة: كيف يستطيع العديد الاستيقاظ والامتنان لنعمة الحياة؟

كوني أمتلك جميع مقومات الحياة التي لا يمتلك الآخرون على بعد دول قليلة أدناها لا يجعلني أشعر بأنني “أفضل”، بل يغمرني شعور الفوضى واللامعنى، ثم أتذكر مقولة أحد العلماء التي كانت جدتي رحمها الله تشاهد برامجهم على التلفاز، كنت أمر في فترة صراع مشابهة، جلست بجانبها ليقول “لا يُدرك تمام عدل الله إلا بتمام علمِه”.

خلال الأسبوع الماضي ذهبت إلى جدة لقضاء العيد مع العائلة، بعد الوصول استوعبت أنني لم أقم بالتواجد حول العائلة بشكل مستمر لعدة أيام دون انقطاع ودون فرصة للاختلاء بنفسي بعدما بدأت فتح الملفات قبل عامين، وشعرت أن نفسي وجسدي أصبحا كجهازٍ تم الضغط على جميع أزراره في الوقت ذاته دون توقف حتى اشتدت حرارته وأصبح يطلق إشارات إنذار بشكل مستمر.

لا أذكر آخر مرة زارني فيها القلق لأنام ما يقل عن ساعتين كل يوم، لا أشعر بأن قدماي على اليابسة، بل أشعر أنني في الهواء ولا أستطيع الدنو من الأرض، أبحث عن ثقلٍ ما يعيدني إليها لأستطيع التقاط أنفاسي.

مضى ثلاثة أيام على عودتي ولا زلت أحاول الرجوع إلى نقطة اتزاني، قضيت أيامي الماضية في إنهاء خطواتي فقط ومن ثم التسمر أمام شاشة التفاز، أحاول جاهدةً استبعاد فكرة الاستقالة والاستسلام للعزلة عن كل الأشياء والأشخاص والتوقف عن المحاولة، تبدو هذه الفكرة مغريةً جداً ومريحةً جداً.

أعتقد أن أصعب ما يمكن للإنسان التورط معه هو نفسه، لأنها لا تفارقه ولأنه لا يعرف غيرها ولا يستطيع منها هرباً، لا يمكنه الانفصال عن ذاكرته الجسدية والنفسية حتى وإن مُحيت الصور تماماً وأصبحت قيد النسيان.

برداً وسلاماً، يا رب.