الأسبوع الثالث من تشرين الأول

كتبت أربعة تدوينات لم تكتمل ولا أعتقد أنها ستكتمل، كانت يوميات تدل على أيامي الأسبوع الماضي. كان أسبوعاً منهكاً على جميع الأصعدة فقدت نفسي خلاله واستعدتها عدة مرات.

تلقيت خبراً من أحد الذين يهمني أمرهم وهو أمر له وقع شديد الأثر على حياتي كذلك، الخبر كان وقعه سيئاً جداً على هذا الشخص كما أن الطريقة التي حصل له بها كانت مهينة له جداً. أعتقد أنها المرة الأولى التي يكون فيها احتكاكي مع شعور القهر بهذا القرب ولا أملك أن أفعل شيئاً، وأخذني ذلك إلى رحلة داخلية دون إرادة مني.

تذكرت دعاء الحبيب عليه الصلاة والسلام حين خرج من الطائف وقد أوذي، ثم تذكرت العديد من المواقف الشبيهة التي حصلت له وهو المؤيد والموحى له. ياه، ربما هذه هي المرة الأولى التي أراها من هذا المنظور الشخصي الإنساني، كيف أنه أوذي كثيراً من القريب والبعيد والوحدة التي يبعثها هذا الأذى، وأن أذى الشخص من الغير لا يحدد مرتبته ولا منزلته الحقيقية.

أثناء الاجتماع العائلي، أنظر إلى قطعة الدجاجة المشوية التي أتناولها، أشعر أن شكلها شديد الغرابة، أحياناً تبدو الأشياء والأسماء التي اعتدت سماعها أو رؤيتها غريبةً عندما يكون ذهني مشغولاً بتفكيك أمر معقد وبمحاولة الانشغال وابتلاع القلق.

أراقب الشارع أثناء تحرك السيارة، يبدو كل شيءٍ خالياً من الروح، الأماكن مكتظة والبشر كثيرون، لكن كل شيءٍ يشبه بعضه، الأصوات والألوان والتصرفات.

أراقب انعكاس الشجر من النافذة على شاشة الجوال، أشعر أنني أرغب في الجلوس في مقعد المتفرج، لا أرغب في التحرك، الكثير من الأمور التي تحصل تبدو غير منطقية، أتأمل وجه الأحبة، أحاول الاحتفاظ بوجوههم واستشعار نعمة وجودهم ومقاومة هذه الأيام الثقال بذلك.

تتزاحم مقاطع من الآيات في ذهني دون إرادة مني تثبت فؤادي. أشعر برفاهية القدرة على مناجاة ملك الملوك المتصرف في المخلوقات جميعها في كل وقت، أحاول الوصول مع نفسي إلى هدنة مع حقيقة أن الحياة أصلها التغير وعدم الثبات، والتغير له أشكالٌ عديدة غير مريحة في كثير من الأحيان.

أستشعر نعمة أن يكون لي منزلٌ أعود له ويحتويني في نهاية اليوم، أبتعد فيه عن كل الأصوات الخارجية والزحام، ألملم شتات نفسي فيه، أطمئن وأسكن إليه.

الأسبوع الثاني من تشرين الأول

الأسبوع الماضي أصابني “فيضانٌ” من القلق لا يزال مستمراً. قلقٌ لا يتوقف: من أول فكرة عند الاستيقاظ من النوم مروراً بكل ما أقوم به وحتى الخلود إلى النوم وأثناءه.

حتى إن نسيت ما يقلقني وانشغلت بالحديث أو القراءة، إلا أن ذلك الشعور الذي يملؤ الحلق كأنياب طويلة مغروسة والصخرة الضخمة التي تجثم على معدتي لم يفارقانني.

أحاول تفكيك الأسباب مع نفسي وأحاول أن أتلطف معها على الرغم من غضبي الذي إحاول إنكاره اتجاه ضعفي النفسي وعدم مرونتي الداخلية. أحياناً أشعر أنني عبارة عن “رضَّةٍ” ضخمة تمشي على قدمين، كلما لفحها شيءٌ أو لمسها يجزعها الألم.

إلا أن القلق كان كل ما هو حاضر ومسيطر. لم يصبني هذا النوع من القلق منذ مدةٍ طويلة وينهكني التواجد معه، نهاية الأسبوع الماضي كانت مليئة بالمهام والزيارات ولم أستطع تهدئة هذا الجرس الذي يرنّ بشكلٍ مستمرٍ في رأسي.

يبدأ صوت الجرس بالخفوت مع يوم السبت وذلك لانقطاعي يوماً كاملاً عن العمل، ثم يعود بقوةٍ مع بداية الأسبوع والعمل. حقيقةً لا أعرف كيف أصف هذا الشعور وتقلقني غرابته، هو ليس قلقاً خالصاً بل مزيجٌ من مشاعرٍ تملؤني بالذهول ولا أعرف كيف أتعامل معها أو أصنفها أو حتى ألمسها.

يوم السبت كان أكثر الأيام لطفاً معي، استيقظت باكراً للذهاب إلى موعد طبي، بعده تناولت الإفطار في مكان نباتي صرف لم أزره سابقاً، كان هادئاً وكل من كان هناك إما يعمل أو يقرأ أو يتحدث بصوت منخفض، الموسيقى لطيفة جداً وهادئة والطعام لذيذ ومكوناته نظيفة. في المساء كان الاجتماع الشهري مع إخوتي والذي قررنا عمله ابتداءً من هذا الشهر مع حجز التواريخ المسبق للشهور القادمة، كان اجتماعاً خفيفاً لطيفاً مليئاً بالضحك والذكريات والأحاديث آنسني وأنساني هذا الممر الضيق الذي أمر به.

اليوم انفعلت لأول مرة خلال عملي هذا على موظف في قسم آخر لأنه ابتدء في رفع صوته أثناء حديثه معي دون أن يترك لي فرصة للحديث، فلم أتمالك أعصابي وانفعلت بدوري. أعرف أن هذا أمر صحي إلى حد ما لأن هناك أفراداً يتعلمون حدود الآخرين بهذه الطريقة فقط، لكنني أفضل أن أتمكن من تمالك أعصابي وإخباره بأنه إن لم يخفض صوته ويتحدث بأدب فسأقوم برفع شكوى إلى مديره. يُشعرني الانفعال أنني ركضت أميالاً عديدة، ثم يصيبني الغضب من نفسي لأنني أشعر أن الانفعال هو ضعف وانكشاف إلى حد ما بدلاً من القدرة على تمالك الأعصاب والهدوء. أُعتبر شخصاً هادئاً إلى حد كبير ولا أحب الأصوات العالية ولا الأشخاص سريعي الغضب، لكن إن انفعل أحدهم علي أو تعدى على حدودي خاصةً إن لم يكن أحد أصحاب الحقوق علي وأولئك الذين تغفر لهم محبتهم فلا أملك إلا الانفعال في المقابل دون تفكير.

أتمنى أن يغمر حياتي وحياتكم الهدوء والرفق والطمئنينة واليسر

السادس من تشرين الأول

أستيقظ بشعورٌ قلق وكأن ورائي شيءٌ ما ثقيلٌ ينتظرني. أجلس على السرير قليلاً أحاول استيعاب السبب، هل لدي مهام عمل ترتبط بعملاء “غثيثين” اليوم؟ نعم ولكن هذا هو الحال كل يوم.

أشعر بأنني “ملخبطة”، وكأن شفرات حياتي قررت التفكك جميعاً في ذات الوقت، اكتشفت عالماً جديداً للصحة الجسدية وأبحرت فيه وبدأت باتباع قواعده، ثم أجريت تحليلاً للمعادن من خلال عينة شعر واكتشفت أن ما أعاني منه وأن النظام الذي أتبعه شبيه جداً بما يحتاجه جسدي في الفترة الحالية، إلا أن علي تغيير بعض الأمور فيه. “يادوب” بدأت بالاعتياد على السابق، هل هذا هو الطريق الصحيح أم أنني أغرق نفسي؟ لكن ما جعلني أبحث بدءاً هو أنني بغض النظر عن غذائي الصحي وحركتي لمدة تقارب العامين إلا أن هناك أعراضاً صحية وخمولاً لا يفارقانني. على الأقل الآن لدي شيءٌ ما أضع يدي عليه. أقول لنفسي: علها خيرة، أن أخوض كل هذا الآن لأقلل احتمالية الإصابة بأمور أكثر خطورة كلما تقدم بي العمر.

تسألني صديقة أو قريب عند الاجتماع على وجبة عن سبب عدم قدرتي على تناول هذا الصنف أو ذلك، وأشعر أن الشرح طويل ومتشعب وقد غرقت في تفاصيله أسابيع وبدأت بتجربته حتى بدأت في فهم المعدة وتفاعلها مع الغذاء. يشعر بعضهم أنني أبالغ وأن الحرمان غير مفيد، لكنني توقفت عن النظر إليه كحرمان وأعتقد أن هذا هو المهم بالنسبة لي، بل أنظر إليه كشكر ومحاولة محبة وتصالح مع هذا الجسد الذي تحمل سوء تعاملي معه كثيراً ومحاولة خلق أفضل بيئة قد ينمو فيها أحدهم يوماً ما وأفضل احتمالٍ أملكه ليحملني جسدي دون أن أثقل عليه عندما أتقدم في السن، محاولةً للتناغم معه ومع طيبات الرزق، ومحاولة لتسمية الأشياء بسمياتها الحقيقة.

يجعلني هذا أتأمل في اختلاف تجربتي دوماً، لطالما جزعت من تجارب ومواقف مررت خلالها وحاولت إيجاد مرجعية شبيهة (Bench-marking) لما أمر به من خلال تأمل حيوات الآخرين وتجاربهم والبحث في مصادر أخرى، لكني أغلب الأحيان كنت أعود خالية الوفاض حائرة، فما أمر به لا يشبه ما قرأته هنا وما سمعته هناك من أصحاب الثقة والحكمة. فخلصت إلى أن جزءاً من قصتي هو الاختلاف حتى وإن حاولت مصارعته، كما أن جزءاً منها هو الوصول إلى الجذور مهما حاولت الهرب من ذلك إلى القشور السريعة ومهما كان الطريق إليها مؤلماً ووعراً ووحيداً وموحشاً.

كان اختلافي دائماً غير مريحاً بالنسبة لي وكنت أحاول الانخراط بكل ما أملك لأنني أعتقد أن الحاجة إلى الانتماء فطرية، وفي كل مرة كنت أجابه ما يجعلني أواجه حقيقة اختلافي منذ أن وُجدت هنا ومنذ أن بدأت قصتي سواءً رغبت بذلك أو لم أرغب. حتى اقتنعت أن ذلك جزءٌ لا ولن يتجزء منها وعليّ الآن أن أبحث عما يصالحني مع هذا الجزء أكثر حتى أصل لمرحلة التقبل المحب والانسجام.

الرابع من تشرين الأول

الأيام الماضية لم يكن أي شيء فيها واضحاً بسبب تغيير الروتين تماماً يوم الخميس مما أدى إلى تغير طاقتي بقية الأيام، تأثير السهر على طاقتي النفسية والجسدية سريع جداً. لا أزال لا أعرف كيف أوازن بين حاجاتي الاجتماعية وزيارة جانبي العائلة في نهاية الأسبوع وحاجتي لأن أمارس كل شيء ببطء يوماً واحداً على الأقل حتى أبدأ الأسبوع بطاقة مشحونة.

لم أكن يوماً متيقنةً أكثر من الآن أنني لا أحب مجال عملي وأؤدي المهام بثقل شديد على نفسي، ذكرت ذلك مراراً وتكراراً سابقاً لكن اليوم كانت رغبتي شديدة الوضوح، أمنّي نفسي بالتقاعد والمزرعة التي سأقطن فيها أغلب أيامي حينذاك، بالمزروعات والمأكولات الطازجة والمطبخ الكبير الذي تخترقه أشعة الشمس نهاراً والسكون الذي يحيط يومي.

علاقتي بالمطبخ أصبحت وطيدة، أنهي مهامي سريعاً وأغوص في تجربة طبق اليوم. تريحني فكرة أن هناك شيئاً ما يمكنني اتباع خطوات محددة فيه وتكون النتيجة غير مخيبة للتوقعات، أن هناك شيئاً ما يمكنني السيطرة عليه دون أن يخالف كل الحقائق والتوقعات كما هي بقية الأمور التي لا سلطان لي عليها.

اليوم ولأول مرة جربت إعداد الملوخية ابتداءً بقطفها وحتى غليها، غالباً سأشتريها مجمدة المرة القادمة لكني رغبت في تجربة إعدادها من الصفر أول مرة. اختلفت مشاعري اتجاه الطعام، أستشعر رائحة الليمون الزكية، الكزبرة الطازجة، ملمس الملوخية عند فرمها، تفاعل روائح البهارات في الوعاء على النار، وأشعر بامتلاءٍ واكتفاءٍ نفسي. أعتقد أن الطبخ أصبح بالنسبة لي يشكل شكلاً من أشكال الاعتناء بالذات وحبها وتقدير جسدي وشكر النعمة.

روائح الطعام في المنزل وقت الغداء تشعرني بدفء المنزل، لا زلت أذكر ذات الشعور عند عودتي إلى المنزل من المدرسة واستقبال روائح طهي الغداء لي وارتباط ذلك بألفة المنزل.

الأول من تشرين الأول

أبدأ بالكتابة اليوم على الرغم من دخول اليوم الثاني لكنني أكملت أربعاً وعشرين ساعة منذ أن استيقظت بالأمس، فبدا لي اليوم كأنه يومان. غالباً يعود ذلك لكوبي القهوة السوداء اللذين تناولتهما اليوم على الرغم من أن تناولي للقهوة اقتصر تقريباً على مرة في نهاية الأسبوع لكن يبدو أنه بعد الانقطاع عن السكر أصبحت أجد لذةً أكثر في القهوة السوداء خاصةً المثلجة منها هذه الأيام.

كان يوماً مليئاً بالاجتماعات ومهام العمل، بعدها تواعد وصديقتي على نحو مفاجئ في الحديقة التي تقع أمام منزل عائلتي نظراً لهدوء الحي. تحدثنا كثيراً ومشينا وسكبت قلبي، لم أرها منذ أن بدأت الأوضاع الحالية وأشعر أني لم أرتوِ من لقائها بعد على الرغم من حديثنا الذي لم يتوقف لساعات.

زرت والدتي تبادلت الأحاديث والضحك معها ومع أخواتي، أصبحت أزورهم مرة أو مرتين خلال الأسبوع فقط بسبب المسافة التي بعدت.

عدت إلى المنزل ولا أزال بكامل نشاطي على الرغم من أنني مشيت ما يزيد على ثلاثة عشر ألف خطوة اليوم، فقررت البدء في التنظيف الأسبوعي للمنزل لكي أقوم بشطب أحد مهام نهاية الأسبوع وأكافئ نفسي بالاستيقاظ غداً ببطء ليتبقى فقط شراء حاجيات المطبخ للأسبوع المقبل. بدأت بالتنظيف في الثانية عشر وانتهيت في الثانية والنصف صباحاً، لسبب أو لآخر انتابني شعور إجازة رمضان التي كنا نقضيها في جدة حيث كانت من الأيام القلائل التي أصل فيها الأيام مستيقظة.

أتمنى أن يزورني النوم بعد كل هذا حتى لا أقضي الغد في خمول تام. تصبحون على خيرٍ ورضى وعافية

السادس والعشرون من أيلول

كانت الأيام الثلاثة الماضية مليئة بالعائلة والأحاديث، تناولت أول أكواب قهوة سوداء بعد انقطاع شهر ولكني لا أزال مستمرة في عدم تناول السكر والكربوهيدرات المكررة وأعتقد أنني وصلت إلى تصالح مع فكرة أن جسمي لا يحتاج إلى السكر المستخلص ولا ينفعه بأي حال من الأحوال وأن تواجده في الفواكه والتمر يكفيني مدى الحياة.

طاقتي تنخفض جداً بالاجتماع مع الآخرين حتى الذين أحب ويضايقني هذا جداً. استيقظت اليوم مشوشة ومنهكة، أفكر بيني وبين نفسي: ليس لدي شيء لأتحدث عنه أثناء جلسة اليوم مع الأخصائية وأشعر بهم ثقيل لأنني لم أقم بإلغاء الموعد يوم الخميس حيث أن سياسة الإلغاء تتطلب القيام بذلك قبل الموعد بيومين. بدأت الجلسة وأخبرتها صراحة أنني لا أملك ما أتحدث عنه اليوم، أخبرتني أنهم في العادة ينتظرون هذه النقطة لأن ذلك غالباً يعني أن هناك الكثير للحديث عنه إلى حد تثاقل الحديث، وكان هذا الواقع فعلاً.

سبحان الله، أستغرب ذكاء العقل ومحاولته حماية صاحبه حتى آخر رمق، محاولة التهرب من الحديث عن الأمور الأكثر ثقلاً لأن الحديث عنها منهك. كان الحديث اليوم منهكاً بالفعل، خضت في مناطق كنت أحاول عدم التطرق لها دون وعي، وصفت مشاعر لم أسمع نفسي أتلفظ بها خارج جسدي مسبقاً، وشعرت بأن روحي كانت تُعصر أثناء ذلك. بعدها شعرت بإنهاك جسدي ونفسي، لم أستطع الحراك من مكاني خلال اليوم سوى عدة مرات جرّاً للقيام بالضروريات ولم تكن لدي أي قدرة على الحديث أو الاندماج في أي شيء.

يجعلني هذا أتأمل في ضعف الإنسان ودقة خلقه، ومن ضعفه أن آلاماً قد تكون شديدة القدم إلا أنها تجثم على حياته وتنخر في جسده دون معرفة أو وعي منه، أنه كيانٌ واحد لا يتجزء لا نفسياً ولا جسدياً، وأن ماضيه يتصل بحاضره وإن قاوم ذلك وحاول الفصل بينهما.

وأحب محاولات الإنسان المستمرة للسعي لإيجاد المعنى والأفهام، محاولات الربط والبحث في نفسه وفي الآخرين.

بينما تؤدي الحيوانات وظائفها في حتمية بالغة: تتقدم نحو فريستها حينما تسنح الفرصة، وتفر حينما تحس بالخطر، وتعيش في القطيع أو السرب أو الخلية دون فزع أو اكتئاب. فإن الإنسان دائم التردد، وسلوكه مرتبط بحريته واختياراته المتنوعة، فهو لا يمكن أن يكون جزءاً من آلة وظيفية اجتماعية مقررة مسبقاً. ثم هناك هذا الخوف والقلق الذي يشعر به الإنسان من خلال تأمله الدائم في الكون ومعضلاته، وهو ليس مجرد خوف بيولوجي مثل ذلك الذي يستشعره الحيوان، إنما هو خوف روحي كوني بدائي موصول بأسرار الوجود الإنساني وألغازه، ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور، تلك المشاعر المختلطة هي العامل الخالد الأزلي المحدد للوجود الإنساني.
– الإسلام بين الشرق والغرب

الثاني والعشرون من أيلول

أجلس في نهاية يومٍ طويلٍ بهدوء بعد إنجاز جميع مهام العمل والمنزل والرياضة، أتناول مشروباً دافئاً وأتطلع إلى إجازة نهاية الأسبوع الطويلة التي بدأت اليوم بمناسبة اليوم الوطني.

أتمنى أن تحتوي جميع الأسابيع على إجازة نهاية أسبوع تتكون من ثلاثة أيام على الأقل، يومٌ للمهام المعلقة المؤجلة ويومٌ للاجتماع بالعائلة ويومٌ بصحبة النفس والأفكار ومراجعتها وتهدئتها و”أخذ نفس”.

لسبب غير مفهوم أحسست هذا الأسبوع برغبة شديدة في الاطلاع على صور لأماكن وأزمان مرت عليها أعوام مديدة، وكأن ذاكرتي أصابها الشك من طول المدة وتقلب الأحوال، هل فعلاً كنت يوماً هناك أم أن هذا من نسج خيال الذاكرة؟

لدي كاميرا سوني لتصوير الفيديو من الطراز القديم، اقتنيتها قبل خمسة عشر عاماً تقريباً كهدية نجاح في نهاية ذلك العام، لا تزال لدي الأشرطة المسجلة لكن الكاميرا أصابها عطل وأجلت إصلاحها مدة طويلة لأنني لا أعرف إن كنت سأجد من يقوم بذلك. وأخيراً وبسبب رغبتي الملحة هذه، ذهب زوجي لزيارة عدة محلات حتى وجد من يصلحها، ويفترض أن تكون غداً جاهزة بعد صلاة العصر إن شاء الله. الحماس الشديد يغمرني لذلك والتعطش إلى مشاهدة ما تحمله تلك الأشرطة، وأشعر أنني أرغب في أن أمر بشريط الذاكرة بوضوح أكبر بعد كل هذه السنين وبعد الوصول إلى هذه المرحلة.

قد يكون سبب هذا الشعور هو الرغبة في الشعور بالألفة، أو الحنين إلى مرحلة حياتية كانت فيها القطعيات والبديهيات واضحة، غريبٌ كيف يمكن أن يشعر الإنسان بالألفة لأمور يعرف أنه لا يرغب بها في حياته حالياً لكن الاعتياد والنشأة جعلت منها أمراً يبعث على ذلك الشعور.

وكما تقول فيروز: في باب غرقان بريحة الياسمين، في باب مشتاق وفي باب حزين، هالأرض كلها بيوت يارب خليها مزينة ببواب، ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب

التاسع عشر من أيلول

بدأت يومي بمقابلة صديقتي للإفطار، وامتدت أحاديثنا لمدة خمسة ساعات متواصلة دون إحساس بالوقت. يوجد احتمالٌ كبير أنها ستنتقل بشكل نهائي إلى دولة أخرى نهاية العام المقبل، أشعر بثقل الفكرة منذ الآن فأنا لا أكوّن صداقات بسهولة ولا أستطيع سكب نفسي وأفكاري ومخاوفي بسلاسة دون “فلاتر” حتى يتقبلني الآخر ويفهمني. ولكنها سنة الحياة، أليست كذلك؟
الحب والفراق، الأنس والوحدة، الضحك والبكاء، الفرح والألم، الأمل واليأس، التقلب بين هذا كله مراراً وتكراراً.

لا زلت أحاول التصالح مع هذه الفكرة، أن أسمح لنفسي بالحب وبالفرح وبالأمل دون خوف من النقيض الآتي لا محالة، لأن كل شعور جيد سيليه نقيضه الغير مفضل في مرحلةٍ ما، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بالجيد لتخفيف الألم يعني أن تكون حياة أعيش فيها على أطراف أناملي طوال الوقت، وهذا اللاشعور يعني وحدة داخلية مهما كثر المحيطون.

عدت إلى المنزل لأكتشف أن المشكلة الأساسية التي أعدنا ترميم المنزل بسببها لمدة عامٍ كامل واستنزف جهداً وطاقةً ومالاً وعمراً لم تحل في الحقيقة، انتابني إحساس أن كل ما يحصل في حياتي حالياً هو كوميديا سوداء إن صح التعبير، أن كل ما أقوم به هو عبارة عن مقاومة للاستسلام لليأس والدخول في البئر السحيق.

الضوء في نهاية النفق يتلوه نفق آخر دائماً، ذلك جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، ضرورة أن تنجو بنفسك وأن تحافظ عليها من المرارة التي تعتريها من التجارب والانسحاق المستمر، العلو والهبوط، القوة والضعف. لا زلت أبحث عن ذلك، كيف تستطيع النفس في الاستمرار بالإحساس بالجمال والحب واللطف دون أن تقسو بفعل عوامل التعرية؟

وَقَــــدْ بَـسَـطْـنَـا أَمْــرَنَــا لَــدَيْـكَ”
وَقَــــدْ شَــكَـوْنَـا ضَـعْـفَـنَا إلَــيْـكَ

فَـارْحَـمْنَا يَــا مَـن لاَ يَـزَالُ عَـالِمًا
بِـضَـعْـفِـنَـا وَلاَ يَـــــزَالُ رَاحِــمــاً

الثامن عشر من أيلول

أشعر اليوم بسلامٍ يغمرني.

قمت بتحديد خطة الطبخ للأسبوع القادم يوم الخميس والانتهاء من التسوق لها كذلك حتى أترك لنفسي مجالاً للاسترخاء يوم الجمعة أو السبت، كما قمت بإعداد كمية من الطعام تكفيني خلالهما.

استيقظت اليوم باكراً، وصلت طلبية السمك الطازج الذي قمت بعملها قبل يومين، عندما استلمت صندوق الفلين شممت رائحة البحر وأحسست بالاشتياق الشديدة لجدّة وبحرها والأحباب هناك.

بعدها قمت بتنظيف المنزل وتبخيره بالمستكة التي تشعرني رائحتها بالانتعاش، وشعرت بالامتنان بعد الخروج من استحمام الجمعة الطويل لمنزل يعبق بالروائح الطيبة.

أشعر بالحماس الشديد لأنني سأخرج لتناول الإفطار غداً مع صديقتي التي لم أرها منذ عدة أشهر.

أعتقد أنني سأحاول تكرار ذلك كل أسبوع: الانتهاء من المهام في يومين وترك يومٍ للاسترخاء والقيام بما أحب.

الخامس عشر من أيلول

كانت طاقتي شديدة الانخفاض اليوم، أعتقد أن ذلك يعود إلى نومي الغير مستقر على غير العادة، كنت دائماً أرتاح لفكرة أن نومي لم يتأثر يوماً بصحتي النفسية أو الجسدية، أما هذا الأسبوع فكنت أتقلب كثيراً لساعات قبل أن أتمكن من النوم وأستيقظ في الخامسة ولا أنام حتى نهاية اليوم. لذا لم أستطع أن أقوم بتماريني الرياضية أو تمارين العلاج الطبيعي لا اليوم ولا البارحة فبالكاد أستطيع الانتهاء من مهام العمل.

أعتقد أن توتر العمل بدأ في السيطرة علي، فالعمل بين قسمين بمهام كثيرة ومشاريع خارج هذين القسمين أمرٌ ينهك طاقتي، كما أنني أشتم رائحة تجربة سابقة غير لطيفة في مديري المباشر الحالي حيث أنني في أحد تجاربي السابقة عملت تحت إدارة أحد الأشخاص الاعتماديين الذين يفضلون الاستحواذ على الشخص الذي يرونه جيداً وخنقه بالأعمال بدل توزيع المهام بالتساوي لإراحة أذهانهم وعدم معرفتهم بأساسيات الإدارة، لكنني ولله الحمد أقوى عوداً هذه المرة وسأتحدث عندما أرى أن هذا الوضع غير مؤقت.

استمعت اليوم أثناء المشية المسائية إلى بودكاست لطيف تعرفت إليه مؤخراً اسمه “دُم تَك” يتنقل بين التعريف بفنانين وألوان مختلفة من الموسيقى العربية، واستمعت اليوم إلى الحلقة الخاصة بابتسام لطفي، بعد الانتهاء منها عدت للاستماع إلى مفضلاتي الخاصة بها:
مضت أيام في حبك، ودعتك الله يا مسافر، فارج الهم، لا تطل بالله بعدك، يا حبيبي آنستنا.
أحب صوتها الذي يبعث على الأنس حتى عند حزن اللحن والكلمات، رقة مخارجها الحجازية، والابتسامة الخفية الواضحة في صوتها دائماً.

قررت اليوم أن أحاول شرب البابونج والقراءة قبل النوم علّ ذلك يساهم في رفع جودته وتحسين طاقتي غداً.