من أنا؟

لا أعرف كيف أعرف نفسي.

لطالما احترت-ولا زلت- عن كيفية فعل ذلك، هل أنا اسمي، تخصصي، مهنتي ومسمايَ الوظيفي، أم أن نشأتي، بيئتي وجيناتي هي التعريف الأدق لي؟ هل أنا المدينة التي ولدت بها أم أنني المدينة التي يعود إليها أصلي؟

أشعر بالانتماء إلى كل شيء ولا أنتمي إلى أي شيء.

هل أنا من أكون عليه أثناء وحدتي، أثناء عملي، أم مع الآخرين؟

لازلت أتعثر في محاولة التعرف إلى نفسي وإيجاد نقطة توازن لي، نشأتي التي حملت التنوع والعديد من الأضداد جعلتني أتقبل المختلف ولا أنكره أو أستنكره لأنني كنت العديد من المرات أمثل ذلك “المختلف”.

وبالتالي أنا هي جل تلك الاختلافات والتنوعات والأضداد، درست الجامعة وتخصصت في تخصصي هرباً من الروتين ووقعت فيه، لا أزال أتنقل بين الوظائف والأماكن في محاولة لإيجاد ما يناسبني، وأفعل ذلك في حياتي أيضاً.

كانت دائماً المدونات والكتب عامةً مرجعاً لي عندما أشعر بعدم الانتماء، أطمئن إلى أن ما يدور في حياتي ونفسي لا يقتصر علي باختلاف أشكال وقوعه في حيوات أخرى، وأجد في الكتابة مستراحاً لي، لذا قررت بدء هذه المدونة وهو الأمر الذي أجلته سنيناً طويلة تردداً مني لعدم ارتقاء جودة كتاباتي ومواضيعي إلى مستويات المدونات التي أتابعها.

لذا آمل أن يجد من يقرأ هذه المدونة سلوانا وسلوَاً كالذي كنت ولا زلت أجده في المدونات والكتابات الأخرى. استرسلت في التعريف عن نفسي حتى خرجت عن صلب الموضوع، وهو ما ستجدونه يتكرر هنا كثيراً للأسف.

“ما أضيق العيش لولا”

أبحث في خرائط قوقل عن مكان قريب للعمل فيه لأني أجيد إلهاء نفسي في المنزل، أمرّ صدفةً على الحي الذي يحوي منزلها الذي كنت أزورها فيه كل أسبوع رحمها الله فأشعر بفراغ، ثم أمر على الأماكن التي كنت أرتادها كثيرةً مع الحبيبة الأخرى التي انتقلت إلى قارةٍ بعيدة فتزيد وحشتي.

أمرّ بوحشةٍ تتعلق حتى بتفاصيل حياتي الشخصية، تغيّرت بشكل سريع عاجل، في أشهر قليلة، كأني ركبت قطاراً بسرعة الضوء لا يتوقف، لكن هذا القطار السريع استثار مشاعراً كنت أعتقد أني تصالحت معها وتجاوزتها وتعاملت معها في الجلسات مع الأخصائية، لكني تفاجئت من حدتها، وخفت منها أحياناً كثيرةً أخرى. وما أخوف أن تخاف نفسك.
خفت ووجلت من الصوت الداخلي الذي ارتفع صوته فجأةً، وخفت من العلامات الواضحة الذي كان عقلي يتجاهلها عنوةً لسنوات لأني أحاول التكيف مع أمورٍ لا تطيقها نفسي.

بالطبع لست مع إعطاء النفس على هواها واعتبارها مرجعية، لكن قراءة النفس بشكل سوي وفهمها، ومن ثم البحث عن مرجعية سوية لا تستخدم إسقاطاتها الشخصية على “المفروض” و”المشروع”، وفهم أن هنالك أجزاء من النفس خُلقت مجبولة عليها حتى مع التهذيب والتزكية، ووضعها في مواضع تستثير ضعفها بشكل مستمر ليس من الصحة في شيء، جعلني أغضب من نفسي لأني جئت على هذا الضعف ولم أستمع للصوت المستمر في التنبيه، ووضعت نفسي موضع المنقذ الذي سيغير حياة الآخر للأفضل، واستقتلت لفعل ذلك.

والحقيقة هي أنك تستطيع التواجد للمساعدة بما في سعتك وطاقتك، لكنك لا تستطيع السير في الطريق بدل الآخر ولا خوض رحلته، ولا تستطيع منح الآخر معنى حياته. والخيط بين محاولة تقديم المساعدة وبين أن تُجلس نفسك مكان الآخر الذي ليس بالضرورة مستعداً لخوض الرحلة الثقيلة للبحث عن المعنى والتزكية ومعرفة النفس هو خيطٌ رفيع.

وبعد صراعٍ نفسي لأسابيع، أخبرني أحدهم صدفةً عن كراسة قراءة النفس للدكتور عبدالرحمن ذاكر، قلت في نفسي بدايةً أن الجلسات مع الأخصائية مشابهةٌ لفكرتها، لكنني تعلمت ألا أحكم على الشيء قبل تجربته إذا لم تتضمن احتمالية عدم النفع على ضرر.

بدأت بإجابة الأسئلة في الفصل الأول والثاني والثالث، ولاحظت الفرق الشاسع بينها وبين الجلسات، فهنا أحكي كل شيءٍ لنفسي كتابةً بالترتيب الزمني، وهنا أعرف ما تعريفي الفعلي لنفسي كأنثى دون مجاملة أو محاولة تحسين، أعرف صراعي مع نفسي في هذا الجانب دون محاولة تنميق الكلام لأنه لي، أجلس مع ذاكرتي ونفسي يومياً، أفككها دون أن أنظر إلى الساعة لترقب موعد انتهاء الجلسة ودون أن يكون الكلام الذي يخرج من فمي ثقيلاً لأن المعالجين النفسيين لا يُظهرون التعاطف، لأنني لا أضطر مراراً للدفاع عمن أحب ممن قد يكون قد نالني أذاهم سابقاً جهلاً منهم.

ووجدت إلى حدٍ ما الجذور التي كنت أبحث عنها في رحلة التعرف الحقيقية إلى النفس، تبقى لي الكثير في الكراسة وفي الرحلة ولا أزال في بداية الطريق، لا أعرف علامَ أو إلى ماذا ستنتهي هذه الفترة العجيبة، لكني أعرف يقيناً أنها مرحلةُ مخاضٍ كبيرة.
وكأن السنين الماضية أحد ألعاب الڤيديو قيمز التي تجعلك تواجه المراحل أصعب كلما انتهيت من الأسهل.

أعرف أن النور بعيدٌ جداً حالياً وأحاول المضي في أيامي بأخف وأقل ضرر ممكن، لكني أعرف يقيناً أن النور هناك.

تقول فرقة مومفورد آند سونز في أغنيتها The Cave-الكهف:

“But I will hold on hope
And I won’t let you choke
On the noose around your neck
And I’ll find strength in pain
And I will change my ways
I’ll know my name as it’s called again”
“لكنني سأتمسك بالأمل، ولن أسمح للحبل الذي يلتف حول رقبتك بأن يخنقك، سأجد في الألم قوّة، سأغيّر من طُرُقي وسأعرف اسمي عندما يُنادى مرّةً أخرى”

ما أعد به نفسي، أنني سأحاول إنقاذها، ألا أتوقف عن محاولة التعرف إليها، أن أحاول تزكيتها دون أن أنكر ضعفها وبشريتها وأخنقها، وألا أتركها تنزلق مهما بدا النهوض من السرير أياماً عديدةً كأسوء وأصعب شيءٍ يمكن أن أقوم به، أني سأحاول وإن بدت هذه المحاولات مكررة، وإن سئمت هذه المحاولات وسئمتني، وإن ملأت قلبي الوحشة واشتدت، أنني سأتكئ دائماً على دعائي وأتوكل وأثق بالواسع الكريم لا بنفسي ولا بغيري، الذي علم بوجودي قبل وجودي، الذي خلق نفسي وسواها، ومن هو أرحم بي من أمي الحبيبة ومن نفسي، حبيب كل غريب وأنيس كل كئيب.

لا أوحش الله قلوبكم، وملأها أُنساً وسروراً وبهجًة.

عن الفقد -١-

يؤسفني أن أقول ذلك، لكن يبدو أن “ثيمة” هذه الفترة هي الفقد.

صديقتي الأقرب إلى قلبي كانت ستغادر بشكلٍ دائم إلى بلادٍ أخرى في قارةٍ تبعد ستة عشرة ساعةً بالطائرة بعد منتصف العام الجاري، أثناء تواجدي في جدّة لقضاء العيد تلقيت رسالةً منها بأنها تفاجئت بشروط الإقامة الدائمة هناك وقد نبهها أحدهم إلى أن تأشيرة دخولها ستنتهي خلال أسبوع وبأنها ستغادر خلال يومين أو ثلاثة.

كنت أحاول التواصل معها هاتفياً لأعرف متى ستكون رحلتها وهل سأتمكن من وداعها حيث أنتي أعود إلى الرياض بعد يومين، وحاولت هي التواصل معي إلا أنه مع ازدحام العيد وازدحامها هي بإنهاء كل شيءٍ في يومين لم يحصل ذلك، فأرسلت لها أسألها عمّا إذا كانت قد حددت موعد الرّحلة فأجابتني بڤيديو قصير التقطته من شباك الطائرة المغادرة.

ذهلت، وطلبت منها أن تبلغني حين تصل وتستقر أوضاعها حتى نتمكن من الحديث.

عندما عدت إلى الرّياض شعرت بوحشة، تغيّر شكل وشعور المدينة بعدما غادَرَتها بخروجٍ نهائي.

لكلّ صداقةٍ وعلاقةٍ شكلها وتفاصيلها المختلفة، لكنّ صداقتي بها كانت أول علاقة صداقةٍ تمكنت من أن أعبّر فيها عن نفسي دون أن أخفي أي جزءٍ منّي مخافة عدم التفهم، وعلى عكس ما يردد البعض “لا أحد يستطيع مساعدتك سوى نفسك” وذلك ما كنت أؤمن به لمدة طويلة، إلا أن صداقتي بها عرفتني إلى نفسي، وجعلتني أتقبّل أجزاء كثيرة مني كنت أرفضها وأنبذها، وساعدتني على رؤية النّور في نفسي عندما كنت لا أرى إلا ظلمةً.

تقول ڤيولا ديڤيس في مقابلتها عن كتاب سيرتها الذاتية مع أوپرا، أنها كانت تعتقد أنها مصابةً بلعنة ما، حيث كانت طفولتها شديدة الصعوبة من جميع النواحي ومليئة بالعنف والفقر، فكانت تتساءل عن مصدر النور في حياتها، حتى وجدت في حياتها أشخاصاً يحبونها، وتقول أن ما يفعله هؤلاء الناس لأنهم يحبوننا، هو أنهم يعطوننا الإذن بأن نتمكن من حب أنفسنا.

لقاءاتنا دائماً تتجاوز الخمسة ساعات على أقلّ التقدير، نضحك ونبكي، نتشارك ضعفنا ومخاوفنا والأحلام والآمال، دون أي حاجز أو محاولة اتقاء لحكم الآخر. كانت لقاءاتنا مساحةً آمنة مُحبّة مضيئة.

لست ممّن يملك صداقات وعلاقات عديدة، لكن ما أملك نفيسٌ وثمين وكريم الأثر، وهي كانت ولا تزال من الأثمن والأكرم أثراً.

لأسباب متعددة مختلفة، اعتدت على أن أقضي وقتاً طويلاً وحدي في صغري، وكانت أمتن علاقاتي مع شخصيات الدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله، الدكتور رفعت اسماعيل، الدكتور علاء عبدالعظيم، نسرين. للعقل والمشاعر قدرةٌ عجيبة على التكيف مع المعطيات سبحان الله، ولمدّة غير قصيرة من حياتي وبسبب أن علاقاتٍ أساسية كان يشوبها اختفاءات مفاجئة، ولحماية نفسي من الألم المصاحب لذلك وضعت جداراً على قلبي ونفسي ومشاعري، وكنت دائماً أستدل في نفسي بحديث أبي ذر بأنه يمشي وحده ويموت وحده.

كنت أفعل ذلك لأبرر لنفسي أن الناس أطباع وأرزاق، وليس للجميع قدرةٌ على تكوين علاقات طيبة متينة، كما أن قبول الآخرين في المجتمع للمختلف لابدّ أن يكون معلّباً أيضاً، فالاختلاف يجب أن يكون في “كرتون” مغلف معروف. حتى تعرّفت إليها وإلى صديقة أخرى في مكان عمل سابق، وأصبحت علاقتنا علاقة صداقة وأخوة ومساحة آمنة لثلاثتنا.

رأيت نفسي بأعينٌ مختلفة مُحبّة، سريانٌ غير مفتعلٍ بين أرواح لا يوجد أي تقاطع أو تشابه في خلفياتهم أو طرقهم السابقة، وكان ذلك لي نوراً ورحمة في أحلك أيامي ظُلمةً.

في إحدى المسلسلات، كانت تقول من فقدت زوجها منذ مدةٍ أنها اعتادت أن تغلق قلبها لأن الحب يتبعه ألم الفقد، فردت عليها من تكبرها أعواماً عديدة: “أعتقد أنكِ قد تتجنبين فعلاً الكثير من الألم حين تحاولين حماية قلبك، لكن قد ينتهي بكِ الحال أن تعيشي نصف حياة”.

أعلم يقيناً الآن أن الفقد مؤلم، سواءً كان ذلك فقداً أبدياً من الحياة الدنيا، أو بعداً محتوماً، أنه يجعل المدن والأماكن أكثر وحشةً، وأنه يجعل الأيام هلامية نحاول أن تصلبها حتى نتمكن من تأدية ما علينا لأن الدنيا لا تتوقف لفقدنا أو وجعنا، وأنه يصيبنا بالإرهاق لأننا نحاول جاهدين ألا نعيد إغلاق قلوبنا خشية الألم.

أشعر أن هذا كل ما أود الكتابة والبحث عنه هذه الأيام، كيف يُسمح للألم بالتواجد بأقل الخسائر، وكيف نعيد تعريف ذواتنا ومحيطنا بعد الفقد، وكيف أن الفقد لا يقتصر على أشخاص رحلوا أو باعدت بيننا وبينهم صروف الحياة، بل قد يكون الفقد الأثقل هو لأناس أحياء يفترض أن تكون علاقتنا بهم جذرية ومتينة إلا أن ذلك لن يحصل يوماً، نراهم ونتكلم معهم عن كل ما هو سطحي وغير مهم، لكن الأثقل مسكوتٌ عنه وهذا قدرك، لأن الحديث خسارته أثقل وأنكى، وتقبل ذلك فيه فقدٌ ثقيل مرير، لأنه ليس مرئياً إلا لعينيك ونفسك، فقدٌ متكرّرٌ مع كل موقف، وكيف ألا يعرّفنا هذا الفقد على الدّوام، وكيف نتمكن من الاحتفاظ بقلوبٍ منفتحة للحبّ دون أن يتمكن الألم المتكرر من إغلاقها دونه.

أدعو الله أن يحيطني وإياكم بالصّادقين الخيّرين الطيّبين الأنقياء، وأن يجعلنا منهم، وأن يأخذ بأيدينا إلى ما ومن ينير قلوبنا وعقولنا وأرواحنا.

الخامس والعشرون من رمضان-١٤٤٣

أجلس يوم الأحد في الليلة الرابعة والعشرين من رمضان بانتظار صلاة الفجر بعد السّحور، يأتيني خبر وفاتها بشكلٍ مفاجئ دون مقدّمات من قبل من قام بنقل الخبر، أجلس لعشرة دقائق في صمتٍ دون ردّة فعل، فهي كانت رحمها الله تصارع المرض عدّة سنوات وأحاول “منطقة” أنها ارتاحت منه. بعدها بدأ سيل من الصّور والأصوات ينهمر من الذّاكرة، وكأن أحدهم قام بتشغيل شريط ڤيديو برتم سريع.

ابتسامتها، أصابعها الرقيقة حين تقلّب صفحات كتاب الدّرس، ترحيبها الذي يشعرني كل مرّة بأني أهم وأجمل شخص في العالم، جلسة الدرس في حديقتها المنزلية التي كنت أشعر خلالها أني منفصلةٌ عن العالم الخارجي، حتى بعد ما تعبت رحمها الله كنت لا أخرج من عندها إلا منتعشة. إحسانها في التعامل مع كل شخص حسب طبيعته، صدرها الذي اتسع لنا باختلافنا، لا أعلم كيف مرت ثمانية عشر عاماً كأنها حلم. بدأت معها وأنا ابنة الثالثة عشر، أثرها ملتصق في حياتي وتكويني وذاكرتي، ربتني صغيرة وعلمتني كبيرة.

أرفع رأسي وأتأمل رسالتها مع مجموعة الرسائل والكروت الورقية التي أحتفظ بها على جدار مكتبي، أهديتها تقويماً قبل عدّة أعوام عليه شكل مجموعات النجوم التي تتكون في السّماء وفقاً للوقت من العام وتحديد الأزمنة والمواسم من خلالها كما كان يستدل بها أهل الجزيرة العربية، كنت قد انقطعت عن الذهاب لها بسبب صراعات كنت أخوضها حينها: “كنتِ رفيقة نجومي طوال عام ١٤٣٨، تلك النّجوم الصامتة والتي تبث في كلّ ليلةٍ ألف حديث وحديث، كانت رحلة صمت ماتعة تعلّمت منها الكثير.. تعلّمت جمال الصّمت وصمت الجمال..كنتِ نعم الرفيقة الصامتة كما كنتِ نعم التلميذة يوماً.. وسأظل أفخر بكِ.. كلّ عامٍ وأنت نجمٌ يتألق”.

يبدأ الفقد في قرص قلبي، أنني لن أراها ولن أسمع صوتها مجدداً في هذه الحياة، أردد في نفسي لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشعر بفراغ يخرج منه الهواء في قلبي. كل الأشياء والأحداث يتضائل حجمها، الصلاة عليها ستكون بعد الظّهر، أتقلب في السرير ولا أستطيع النّوم. تأتيني رسالة بأني إذا كنت أرغب في السلام عليها فمن الممكن أن أتجه إلى المسجد في الساعة العاشرة.

أنهض من السرير، أضع ثيابي بشكلٍ آلي تلقائي، أقود سيارتي، كان الجو مغيماً ممطراً كأننا لسنا في صيف الرياض، الطريق شديد الازدحام لكني لا أستطيع أن آبه به، سبحان الله، كيف يعمل الجسد والعقل بشكل تلقائي دون تفكير حين يكون هناك أمرٌ شديدٌ ثقيل الوقع.

أدخل إلى غرفة انتظار التغسيل، أسلم على الأحباب ونعزّي بعضنا بعضاً فيها، نحن الذين لا نرتبط فيها ولا ببعضنا بأي رابطة سوى المحبّة والأخوة في الله، يأتي وقت السّلام، كل ما ينادي أحدهم باسم يشبه اسمها يعتقد عقلي بتلقائية أنها ستأتي وتجيب، كأن العقل عضلةٌ تتمرن على أن الشخص لم يعد في هذا العالم في كل مرة.

أشعر أنّ السّلام دائماً يهدئ نفسي، أنني أسلّم وأنا أعلم أن هذا اللقاء الأخير في هذا العالم، أعرف أنها آخر مرةٍ أرى وألمس من أحب، سبحان الله، كيف ييبس الجسد بعد خروج الرّوح، وكيف يبدو كل شيء كأنه حلم.

كلّما انتقل أحد الأحباب إلى دار الحقّ، أشعر أن هذا العالم والذّاكرة هما أشبه للحلم منهما للواقع. أحاول البحث في ذاكرتي عن كلّ صوتٍ وصورة تثبت أنهم كانوا واقعاً ملموساً، وكل شيءٍ هنا يبدو متناهياً في الصّغر.

تمر الأيّام بشعور غريب، وكأن هذا العالم برمته غريبٌ عليّ، أشعر برغبة ملحّة في الانكباب على التعرّف على تفاصيل العالم الآخر الذي رحلت إليه رحمها الله وسبقها الآخرون إليه، عالم الروح والبرزخ، أشعر أن هذا يساعد في مشاعر الفقد وبأنني أحاول تحسس العالم الذي يقيمون فيه، والعالم الذي سأقيم فيه يوماً ما.

رحمها الله ووسّع مدخلها وجعل قبرها روضةً من رياض الجنّة وجعل روحها من الأرواح المنعّمة، وجمعني بها وبالأحباب في فردوسه الأعلى على سررٍ متقابلين، مع النبيّين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، ورحمنا جميعاً إذا صرنا إلى ما صاروا إليه وختم بالصّالحات أعمالنا.

“إذا أخرج يده لم يكد يراها”

أشعر أن بعضاً من الذهول لا يزال مصاحباً لي. وكأنني أمر بمراحل الفقدان الخمسة، لكنه ليس فقداً لشخصٍ أو شيءٍ ما، إنما هو فقدٌ للأمل. للأمل ككيان، وكشعور، وكحالة، وكدافع، وكرغبات، وكتصورات.

أمورٌ مرّ عليها سنون في توقعات مستمرة للتحسّن، كانت بحد ذاتها وعلى وضعها غير مريحةٍ إطلاقاً، تستثير مشاعر ومستثارات بشكلٍ مستمرٍ، ولكن كنت دائماً أقول سيتحسن الأمر هذه المرة بإذن الله.

أطرق كل الأبواب والأسباب، مرةً وعشرة، ثم تبدأ الأمور بالانحدار تدريجياً، لكن صوتاً ما قد يكون إنكاراً للواقع كان يتردد في رأسي: ستتحسن الآن، لا تسوء إلا لتتحسن.

ثم يأتي ما ينتزع كل ذلك انتزاعاً من يدي، لا لتستمر الأمور كما هي عليه في وضعها الغير مريح، بل لتصبح أسوء بمراحل عديدة، أسوء مما تخيلت يوماً.

ملأني غضب عدم الفهم، وعدم التصديق، ولا يزال يزورني منذ عدة أسابيع، ثم بدأ يغلبني إفلات الأمل مع خليطٍ من الاستغراب.

أناجيه راجيةً ألا يحملني مالا يتحمله ضعفي وتكويني البشري وما يجعل كل شيء على المحك.

لا أرغب في أن أكون شخصية “البطل” بعد الآن، ولا أن ألعب دور المنقذ بشكل مستمر، أشعر أن نفسي أصابها وهنٌ لا تتمكن معه من إسناد غيرها ولا نفسها، وأن أكتافي مكوّنة من ورقة شفافة كتلك التي تُستخدم لشفّ الرسمات.

الشعور بالقِلّة هي من أسوء المشاعر التي أختبرها وتختبرني، أن تشعر أنك قليل، غير مرئيٍ أو مسموع، أو لا يهم ما تفعل أو تقول، أنك أصغر من الذرّة في هذا الكون الضخم، ضائع فيه وهائمٌ على وجهك.

تعلم يقيناً أن هذه الدار مؤقتة وأن المقامات الحقيقية لا تُنال هنا، لكنّ الهنا أصبح ثقيلاً ثقلاً يكاد يُجهز على أنفاسك. وأنت لا تفهم ما يحدث لأنك بشر. تحاول أن تبقي على بعض الأمل لكنك تخاف منه كما تخاف فقدانه، درسه كان شديد اللؤم هذه المرة.

أغرق في صمتي وضعفي، والرغبة الشديدة في الانزواء، و”أعيش أيامي بين ذلك وبين نجاحي أحياناً في المقاومة والقدرة على إلهاء نفسي واستعادة بعض الشعور الطيّب.

“دايم وِصاله دوم”

تمرّ أيامٌ أشعر فيها أن الأحلام “تُغرف” من قلبي، أنها تتلاشى وأن الحال يتبدل، لكنني هذه المرة أشعر أن هناكَ شيء مختلف عن المرات السابقة.

سابقاً كنت سأقضي جل أيامي في حالة جزعٍ متصلة، لا أعلم هل هو التقدم في العمر وخوض التجارب التي لا أدري حقيقةً أيّنا خاض الآخر، أنا أم هي.

وكأن السنوات الماضية كانت تجهيزاً لما يحصل، لأنه لو حصل قبل كل ذلك لكنت فقدت اتزاني كله تماماً ودخلت منطقةً لا خروج منها.

أما الآن، فقد فقدت اتزاني أول الأيام، ثم بدأت في محاولة إعادة القراءة والفهم، وفي المناجاة المستمرة.

سابقاً كنت سأوجه غضبي اتجاه الأسباب، وسأجد لنفسي منفذاً للهرب، أما الآن أعلم أنه لم يكن ليقع لولا أنه قدرٌ محتّم.

أحاول تلمّس اليسر الذي يكون في معيّة العسر في أيامي، وحين أشعر أن صوت القلق والأفكار بدأ بالارتفاع، أوجه تركيزي للألطاف السابقة التي صاحبتني وأنا في قعر بئر الظلمة.

أعتقد أن من أشد المشاعر ثقلاً على النفس وإنهاكاً لها هي رؤيتك للصعوبات تطحن روح من تحب، وأن تكون في عجزك وضعفك البشري هذا غيرَ قادرٍ على تحريك شيء أو تغييره، وأن تجلس وتكون معه في عجزه وضعفه، أن تتعاطف بكليّتك لأنك لا تملك شيئاً آخر سوى الدعاء، وأن تحاول ابتلاع مخاوفك حتى تكون جداراً صلباً يتكأ عليه في أيامٍ ذات رياحٍ عاصفة لا تبقي ولا تذَر. أن تشعر بألمك وألمه يأكل ويشرب ويتنفس معكما لكن لا يصيبك الجزع، لأن ارتباطك النفسي بالأسباب الأرضية قد انقطع انقطاعاً تاماً فلا تأمل في أحدٍ ولا من أحدٍ سوى الأحد.

لا أعلم حقيقةً ما الذي تحمله الأيام، ولا أعلم كيف سيتركني هذا الظرف، ولا أعلم كم سيطول. لكنني أعرف وأشعر أن هناك أجزاءً مني تموت وأجزاءٌ أخرى تُعاد ولادتها، أن هناكَ شيءٌ حقيقيٌ جداً، شديد الصدق تُعاد بلورته ويُعاد صقله وتكوينه.

السادس والعشرون من رجب

في عالمٍ يعاني ويتحدث الكثير عن مدى طغيان المادة فيه على كل شيءٍ وقيمةٍ أخرى، ومع علمي وفهمي وإدراكي أنه عالمٌ مؤقتٌ وأن الأصل فيه لكل مقيم هو تأقيت إقامته، وأنها الحدث الثابت الوحيد في حياة كل الأحياء والكائنات، إلا أن المعيشة فيه تجعل الانفصال اللا إرادي أو الواعي عن حقيقته وحقيقتنا أمراً شبه محتوم يحتاج إلى الكثير من المقاومة لتعديل عدسات النظارة ورؤية الحقائق بأحجامها وماهيتها الحقيقية.

قد يعدّ الكثيرون هذا الحديث سلبياً أو سوداويّاً، ولكنها حقائق مجردة يفضل البعض عدم مواجهتها لأن الحقائق ثقيلة، وعلى العكس، أجد فيها في المنعطفات الحادّة سلواناً وطمأنينة.

كان نومي ليلة البارحة غريباً مليئاً بالأحلام، استيقظت بعد ساعاتٍ قليلة ورأسي ينبض ألماً، هل ما حدث البارحة لا يزال حقيقياً؟

أشعر وكأن هناك شوالات من الأرز ملقاة عليّ، كل حركة تتطلب الكثير من الجهد. طلبت إجازة ليومٍ واحد، لولا أن لدي العديد من الاجتماعات التي لا تحتمل التأجيل هذا الأسبوع لكنت تقدمت بطلب إجازةٍ فيه لزيارة المدينة. روحي منهكة وأجد أثر سكينة جوار الحبيب عليه الصلاة والسلام بمجرد أن تطأها قدماي، أعلم أن ما أحتاجه الآن هو الانكفاء على الدعاء والسماح للدموع بالخروج أفواجاً والعزلة، والقراءة والكتابة.

مؤخراً، يخطر على ذهني كثيراً فكرة إعادة قراءة السيرة النبوية بعينٍ مختلفة بعد مضي العديد من السنين، دون أن أكون مجردة مستمعة متلقية لإسقاطات الآخر وتجربته ونظرت الشخصية، بل باحثة عن معنى وعن صِلةٍ وفهمٍ للتعامل مع النفس والمعاناة البشرية.
لم أنتبه لتاريخ اليوم، أعلم أن هناك اختلافاً في تاريخ ليلة الإسراء والمعراج، لكن أثناء تصفح انستقرام اليوم، كتب أحدهم مختصراً عن قصة الإسراء والمعراج وشجّع على إعادة قراءة الرحلة. بعد سنين من التلقين الذي أحاطه من الشوائب ما أحاطه، أجد نفسي كالمتعرف حديثاً على كثيرٍ من العلوم والأفهام التي مرت علي مراراً وتكراراً سابقاً.

فتحت مجلد السيرة النبوية لدي وبحثت عن الجزئية المتعلقة بالإسراء والمعراج، وبعدما بدأت في القراءة شعرت أنني انتقلت إلى عالمٍ مختلفٍ تماماً، شعرت أن لي جذراً ثابتاً ممتداً في عالم آخر، عندما عُرج بالحبيب صلى الله عليه وسلم إلى السماوات وسلّم على الأنبياء، وما رآه من أحوال أهل الجنّة وأحوال أهل النّار، ورؤيته لجبريل عليه السلام على الصورة التي خلقه الله عزّ وجل بها، وانتهاءه إلى سدرة المنتهى.
كانت عدة صفحات لكنها أشبه برحلة طويلة مبهرة، مليئة بالجمال والجلال والهيبة، كنت مأخوذةً بما أقرأ، وكأنّ ماءً بارداً سُكب على النار التي تتوقد داخلي منذ البارحة، وكأنني أتعرف إلى كل هذا لأول مرة، ووجدت في كل ما قرأته سلواناً وتهدئةً وطمئنينةً وتثبيتاً.

تأملت كثيراً في العالم الذي يبدو بعيداً جداً لكنه أكثر حقيقةً وهو الأبدي السرمدي، وفي بشريته صلى الله عليه وسلم وهو أكرم الخلق وسيدهم ورغم ذلك ناله من الأذى ما لا أتخيل تحمّل بعضه.
أعانني ذلك على إعادة وضع الأمور في نصابها الذي كثيراً ما يختلّ، أن العوض والنتائج والتفضيل الحقيقي ليس على الظاهر والمظاهر والمعايير الموضوعة من قبل بشرٍ آخرين، وأن هذه دار ابتلاء وتمحيص مهما رغب البشر في محاولة الهرب من هذه الحقيقة أو تجميلها أو رفع أصواتٍ أخرى لنسيانها.
وكل ما أرجوه هو أن أُرزق الحكمة والقدرة على الموازنة بين هذين العالمين.

أنهي يومي وأنا أتخيل وصف نهر الكوثر “حافّتاه من ذهب، ومجراه على الدُّر والياقوت، تُربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج”.
وأعيد قراءة حال الجنة مراراً:
“ثمّ أتى على وادٍ فوجد ريحاً باردة طيبة ووجد ريح المسك وسمع صوتاً، فقال: “يا جبريل ما هذه الريح الطيبة وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟” قال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني، فقد كثر عَرفي، وحريري، وسندسي، وإستبرقي، وعَبقري، ولؤلؤي، ومرجاني، وفضّتي، وذهبي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، وخمري، ولبني، فآتني بما وعدتني، فقال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي، وعمل صالحاً ولم يشرك بي شيئاً، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني آمنته، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، وأنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد.. قالت: قد رضيت.”

جعلني الله وإياكم وأحبابنا ووالدينا من أهلها الذين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون.

خلا خالي ورب عالي

تبدو بداية اليوم من مقعدي هذا كأنها من حقبة زمنية أخرى.
بدأته بجرعة نشاطٍ افتقدتها مدةً طويلة، بدأت بإخراج محتويات دواليب المطبخ وإعادة ترتيبها، ثم كتابة قائمة لنواقص رمضان والعيد، ثم غسيل الخضروات والفواكه لاستخدامها بسهولة خلال الأسبوع، كان يغمرني شعورٌ بالسّعة والطمأنينة.

بعد العصر وصلني خبرٌ هزّني وأخلّ توازني، في البدء كنت أشعر أنني منفصلةٌ عن هذا الحدث وأنه لا يحصل في حياتي حقيقةً، وكنت فعلاً بانتظار شيء ما يكذبه أو يقول لي أنه ليس واقعاً فعلاً.

كنت في السابق إن تلقيت خبراً مشابهاً آتصل بوالدتي فزعةً علّها تساعدني في إيجاد حلول، لكنني هذه المرة شعرت كأنني في أحد مباريات كرة القدم التي كانت تقام في تجمعات الأقارب والتي لابد من أن يتلقى أحدهم فيها الكرة على وجهه بدلاً من المرمى ويفقد إحساسه جزئياً به قبل أن يبدأ الألم بالنبض، شعرت أنني لا أرغب في الحديث مع أيٍ كان وبأن طاقة الحديث قد سُحبت مني تماماً.

بدأت بالمشي لإنهاء خطواتي بكل هدوء، وكأن شيئاً لم يتغير، ربما إذا طال تجنب الواقع قد يتغير، شعرت بنبضات قلبي تتغير بشكلٍ غير مريح، جلست على الكرسي وأخذت نفساً عميقاً، بدأت بمحاولة التعرف إلى مشاعري بدلاً من إنكارها تماماً كي لا تهجم على نفسي وجسدي دفعةً واحدةً مستقبلاً.

أشعر أنني في صحراء ضخمةٍ مظلمة لا أستطيع تحسس طريقي فيها، وليس لدي طاقةٌ للنهوض، وأن كل شيء يبدو هلامياً وبعيداً جداً.

يبدو الذهاب إلى العمل غداً والتعامل مع البشر ككابوسٍ لا فكاك منه. الآن أفهم والدتي حين كانت تحكي عن وفاة والدتها رحمها الله وهي في عمر صغير، أفهم انعدام رغبتها في الحديث أو في أي تعامل بشري وانحصار رغبتها في البقاء على سجادتها والدعاء.

لا أرغب في طلب المساعدة ولا في أي تعاطف وبانعدام المعنى من ذلك، أرغب فقط في البقاء في هذه الصحراء وتأمل العالم يمضي كما هو وأن أخدر الألم كيفما اتفق، وأن أستطيع يوماً ما أن أفهم وأن أتعايش.

“متعدّي وعابر سبيل”

قمت بإجراء مكالمةٍ البارحة قبل صلاة العصر استثارت توتري جداً وندمت عليها، شعرت وكأنني كنت ألح في طلب شيء ما وأنا لا أحب ذلك لنفسي بل وأبغضه، ندمت على اتباع نصيحة التواصل والسؤال عن آخر ما تم. لكنني لا ألقي اللوم بالطبع لأنني من قمت باختيار إجراء المكالمة. حالياً أقف أمام عدة طرق مفترقة، كلها عبارة عن احتمالات قائمة لا شيء مؤكد، وحالة “الطفو” هذه التي لا يبدو أي شيء فيها مؤكداً أو نهائياً امتدت لمدة تزيد عن شهر، ومهما حاولت إخبار نفسي أنه “لن يحصل إلا المكتوب” وأن القلق غير مجدي، إلا أنه يبدو وكأن هذه الكلمات لا تصل إلا إلى عقلي ولا تهدئ من روعي حقاً.

وهذا على النقيض من يوم الخميس الماضي، والذي مررت خلاله بموقف عصيب أصابني حزنٌ شديد بعده، لأتلقى مكالمةً بعده بساعات غيرت حالي تماماً. تأملت ضعف حال الإنسان وتعقيده وبساطته في آنٍ واحد، كلمة طيبة من أحدهم تعيد إليك الشعور الطيب بقيمتك. مهما حاولت إنكار أن قيمتي لا تستند على كلمات الآخرين وتأكيدهم لها، إلا أن أثر الكلمة الطيبة واضح وضوح الشمس على شعوري بنفسي.

حضرت يوم الجمعة الماضي وأخواتي زواجاً بعد انقطاع أربع سنوات، سنتين بسبب الأوضاع الحالية وسنتين أخرى لأن أغلب المناسبات العائلية لا تكون في المدينة التي نقطنها.

لبست حينها عقداً من اللؤلؤ يزينه في المنتصف حجرٌ أخضرٌ كريم محاطٌ بصفٍ من الألماس، كان هدية جدتي رحمها الله لي بمناسبة زواجي قبل عدة سنوات، أحب إحساس الامتداد والتجذر والمحبة الذي يحيطني حينما أرتدي أو أستخدم شيئاً أهداه شخصٌ عزيزٌ لي بدافع المحبة الخالصة فقط.

كان زواجاً بسيطاً خفيفاً على النفس، أستثقل عادةً السّهر لأن أيامي تختلط بعدها، لكنني رأيت الأثر المختلف لأن أكون واعية بأن نيتي هي ل”جبر الخاطر”. كانت المرة الأولى التي نذهب فيها أربعتنا لمناسبة مشابهة وإحدانا هي التي تقود. وامتلئ طريق العودة بالأحاديث والضحك، اختلط التعب والسّهر عن وقت نومنا المعتاد مع انسداد القنوات السمعية جرّاء استمرار الصخب.

يحدث أن تنتهي دائماً ليالي المناسبات أياً كانت في المطبخ، ويبدأ صباح اليوم التالي هناك أيضاً. نظراً لتأخر وقت العودة قررت المبيت في منزل عائلتي بدلاً من القيادة وأنا مُتعبة. استيقظت اليوم التالي على صوت والدتي وأختي الصغرى وهنّ يتبادلن الأحاديث في صالة الجلوس، يغمر ضوء الشمس ودفئها الغرفة، وكان هذا الشعور مألوفاً ولذيذاً أعادني سنوات طويلة إلى الخلف.

كان لدي موعدٌ صباحي قررت في آخر لحظة إلغاءه، هناك لحظات صفاءٍ وسلام أود البقاء فيها والإبقاء عليها قدر الإمكان، المواعيد والتمارين في النادي يمكن تعويضها في يومٍ آخر.

أجلس مع والدتي إلى طاولة المطبخ لتناول الإفطار. بيض بال”بسطرمة”، جبنة بيضاء بالشّبت، خبزٌ طازجٌ من المخبز المديني، وشايٌ بالنّعناع والنوامي. كلما كبرنا وكبرت والدتي أصبحت تتحدث عن أمور حدثت في ماضيها لم تكن تتحدث عنها من قبل.

كانت سماء يوم السبت شديدة الجمال، وكان لكسر الروتين وللسماح بأن تخرج الأمور عن المعتاد وأخذ مقعد الراكب وإن كان ليومٍ واحدٍ أثراً مهدئاً على نفسي.

يبدأ فوزي محسون أغنيته ب”متعدّي وعابر سبيل“، التي استثار مطلعها تساؤلاً في نفسي، إذا تمكنت من المضي قدماً في أيامي وحياتي وأنا ألبس نظارة عابر السبيل، أتلمس من خلالها طريقي وأنظر من خلالها إلى مختلف الأمور، هل يمكن لذلك أن يخفف حدّة قلقي؟
وكيف يمكن الموازنة بين ذلك وبين الشعور بالاستقرار وبأن قدماي على الأرض لا في الهواء؟
أتمنى أحياناً أن يمتلك العطّار خلطةً أستطيع نقعها وشربها لأتمكن من إيجاد الوزنية المناسبة للأمور التي تبدو لي أنها متضادات.

والزّهر مفتّح، يا جماله.

منذ عدة أيام وأنا أشعر أن البئر يزداد عمقاً. قدمت طلب إجازة من العمل دون مقدمات أو تنسيق مسبق على خلاف المعتاد، لم أستطع حمل نفسي على الذهاب للعمل. وصلت لمرحلة لا أستطيع فيها سماع أصواتهم ولا أسمائهم ولا كتابة أية رسائل موجهة لهم.

أعرف أنه لا يمكن للعمل فقط أن يصل بي إلى هنا، ولكن الأسباب الأخرى لا أمتلك تغييرها، تتغير مشاعري اتجاهها بين حين وآخر وأحاول رؤية الجانب الأفضل، لكنه لا يمكن انتزاع الجذور.

واعدت صديقتاي المقربتين اليوم دون تخطيط مسبق، أجلت الأمر كثيراً، لم أكن أشعر بالقدرة على حمل نفسي على الخروج من المنزل ولم أكن أرغب في أن “أسمّم” يوم أو بدن أحدهم بكل هذه المشاعر السلبية. لكنني فعلت في النهاية لأنني أعرف أنهنّ من نعم الله وأفضاله علي وأن في رؤيتهن شفاءٌ وتهدئةٌ لكثير مما في نفسي.

التقيت بالصديقة الأولى قبل صلاة الظهر، وامتدت الأحاديث أربعة ساعات دون إحساس بالزمن، بعدها خرجت للتنزه مع الصديقة الأخرى في الحديقة، كان الجو لطيفاً، بعد المشي وتبادل أحاديث عامة، جلسنا على العشب لشرب القهوة، ثم نظرت إليّ في “وسط عيني” وقالت: ما علينا من كل هذا، إنتِ كيف حالك؟

وكانت هذه النظرة المليئة بالحب كمن ينفض عن كتفاي جبالاً رملية، تؤول الشمس إلى الغروب، يُرفع أذان المغرب بصوت نديّ، وأشعر بامتنانٍ وحمدٍ لله الذي قدّر أن تتقاطع طرقنا.

علاقات الصّداقة العميقة هذه في رحلتي حدثت في أكثر الأماكن التي يحذر الآخرون من علاقات الصداقة فيها (العمل)، وكانت من بيئات تختلف تماماً عن بيئتي، لكنها مكنتني من رؤية نفسي بعينٍ مختلفة محبة ورأت فيني مالم أستطع يوماً رؤيته. تصالحت مع جزءٍ كبير من نفسي التي أصارعها من خلالها، وشعرت أن هناك مكاناً ما مختلفاً يسعني، أضافت طعماً لذيذاً للمشاركة والحكايات، ودفئاً أتلمسه في أيامٍ قارسة البرودة.
علمتني أن أتصل بالآخر من جديد، وأن أثق، وأن أخاطر بالمحبة والانفتاح على الآخر مع احتمالية وجود الألم، وأصبحتُ أفضل احتمالية الألم على أن تكون حياتي خاليةً من كل الألوان التي تضفيها هذه العلاقات على نفسي ونظرتي للأمور وحياتي ومشاعري اتجاه كل شيء.

قبل عدّة أعوام مرّ علي بيت شعر مترجم للانجليزية لشاعر فارسي يقول فيه:

“I wish I could show you when you are lonely or in the darkness the astonishing light of your own being”
“أتمنى أن أستطيع أن أريك نورك المذهل عندما تكون وحيداً أو في الظلمة”

وأعتقد أن هذا ما تهديه إليّ هذه الصداقات مراراً وتكراراً، تمكنني من رؤية النور في خضم العتمة، ويكون لكلماتهم وقع الأكفّ الممدودة التي تشد عضدي، وأتمنى حقاً وصدقاً أن أستطيع رد هذه الجمائل والأفضال.

أنهي اليوم في طريق العودة بالاستماعِ ل الدنيا بتضحك حوالينا.

السادس والعشرون من يناير

استيقظت اليوم في منتصف الليل ولم أتمكن من العودة إلى النوم، تزورني أفكارٌ غير لطيفة أثناء محاولة العودة إلى النوم وأتذكر في صغري عندما كانت تزورني كوابيس متكررة فأنتظر وقت صلاة الفجر حتى تأتي والدتي لتوقظني لأعود إلى الواقع الآمن بعيداً عن خيالاتي الواسعة المليئة بخيالات مستقاة من سلسلة ما وراء الطبيعة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله.

لدي اليوم موعد أفكر فيه منذ البارحة، أعلم أن التمسك بقشة والتعلق بها قد يكون له نتائج أسوء من عدم التعلق أو التوقع، لكن ذلك على الأقل يهديني أمل التغيير.

فَرِغت عدة علب من المكملات اليومية التي أتناولها صباحاً في الوقت ذاته، على الرغم من أنها لا تحتوي على ذات العدد من الحبوب في الأصل، لذا فكرت بيني وبين نفسي، ربما هي علامةٌ لانتهاء الأمر العالق.
ثم ابتسمت ساخرةً من فكرة تفسير أي أمر على الوجه الذي تميل نفسي إليه، أي قشة “إنشالله السَّحّن دحِّن بو” كما يقول أحمد حلمي.

أُعدّ القهوة العربية التي أتخذها بديلةً للسوداء أحياناً بعد العودة للعمل عن بعد منذ عدة أسابيع. أحب أثرها المهدئ على نفسي وأعصابي، رائحة اختلاط الهيل المطحون بها اليوم أعاد إلي شعوراً دافئاً مألوفاً، تذكرت رمزية رائحتها في حياتي.

تذكرت جدتي رحمها الله وعلاقتها بالقهوة العربية التي كانت لا تتخلى عنها كل يومٍ بعد تناول الإفطار ضحى وبعد صلاة المغرب، المناكفات التي حصلت نتيجة محاولتهم لاستبدالها لها بقهوة الشعير حتى لا يتأثر ضغطها وقلبها، وكانت تعرف ذلك على الفور قبل أن تبدأ بشربها.

أعادني الحنين إلى قصصها التي كانت تبدو من كوكبٍ آخر، حين تزوجت وهي ابنة التسعة سنين، تحكيها وهي تضحك على ما كانت تفعله حينها، كنت أضحك معها ثم أفكر بعدها بيني وبين نفسي: يا الله، كيف يشعر الإنسان وهو لا يملك من يلجأ إليه ويعاضده من البشر.

تذكرت حبّها للون الأخضر، هو ذات اللون الذي صبغ روحها وقلبها، كانت تحب الفرح والناس والأنس واقتناء طِرَح (أو مسافع كما كانت تسميها) بمختلف الألوان، تعطرها وتتزين بها كل يوم. لا أتذكرها إلا كذلك.

وأعتقد أنني الآن أرى وأزن الأمور من منظور مختلفٍ تماماً، كانت هي تفضل الذكور وكنت أنا حينها في “فورة” غضبي عليهم، وكنت أتضايق من ذلك بشدة. لكني الآن بعد عمرٍ وتجارب أفهم سياقات عدة أدت إلى ذلك وأنظر لها بعين الرحمة والحب فقط.

أمتن جداً للتجارب والسنين التي أهدتني منظاراً أرى به الأمور بشكل مختلف تماماً، أوسع وأجمل وأبهى وأكثر تعاطفاً ورحمةً، وأشتاق جداً إليها وإلى الدفء الثابت التي كانت مصدراً له.