من أنا؟

لا أعرف كيف أعرف نفسي.

لطالما احترت-ولا زلت- عن كيفية فعل ذلك، هل أنا اسمي، تخصصي، مهنتي ومسمايَ الوظيفي، أم أن نشأتي، بيئتي وجيناتي هي التعريف الأدق لي؟ هل أنا المدينة التي ولدت بها أم أنني المدينة التي يعود إليها أصلي؟

أشعر بالانتماء إلى كل شيء ولا أنتمي إلى أي شيء.

هل أنا من أكون عليه أثناء وحدتي، أثناء عملي، أم مع الآخرين؟

لازلت أتعثر في محاولة التعرف إلى نفسي وإيجاد نقطة توازن لي، نشأتي التي حملت التنوع والعديد من الأضداد جعلتني أتقبل المختلف ولا أنكره أو أستنكره لأنني كنت العديد من المرات أمثل ذلك “المختلف”.

وبالتالي أنا هي جل تلك الاختلافات والتنوعات والأضداد، درست الجامعة وتخصصت في تخصصي هرباً من الروتين ووقعت فيه، لا أزال أتنقل بين الوظائف والأماكن في محاولة لإيجاد ما يناسبني، وأفعل ذلك في حياتي أيضاً.

كانت دائماً المدونات والكتب عامةً مرجعاً لي عندما أشعر بعدم الانتماء، أطمئن إلى أن ما يدور في حياتي ونفسي لا يقتصر علي باختلاف أشكال وقوعه في حيوات أخرى، وأجد في الكتابة مستراحاً لي، لذا قررت بدء هذه المدونة وهو الأمر الذي أجلته سنيناً طويلة تردداً مني لعدم ارتقاء جودة كتاباتي ومواضيعي إلى مستويات المدونات التي أتابعها.

لذا آمل أن يجد من يقرأ هذه المدونة سلوانا وسلوَاً كالذي كنت ولا زلت أجده في المدونات والكتابات الأخرى. استرسلت في التعريف عن نفسي حتى خرجت عن صلب الموضوع، وهو ما ستجدونه يتكرر هنا كثيراً للأسف.

الأسبوع الثاني من تشرين الأول

الأسبوع الماضي أصابني “فيضانٌ” من القلق لا يزال مستمراً. قلقٌ لا يتوقف: من أول فكرة عند الاستيقاظ من النوم مروراً بكل ما أقوم به وحتى الخلود إلى النوم وأثناءه.

حتى إن نسيت ما يقلقني وانشغلت بالحديث أو القراءة، إلا أن ذلك الشعور الذي يملؤ الحلق كأنياب طويلة مغروسة والصخرة الضخمة التي تجثم على معدتي لم يفارقانني.

أحاول تفكيك الأسباب مع نفسي وأحاول أن أتلطف معها على الرغم من غضبي الذي إحاول إنكاره اتجاه ضعفي النفسي وعدم مرونتي الداخلية. أحياناً أشعر أنني عبارة عن “رضَّةٍ” ضخمة تمشي على قدمين، كلما لفحها شيءٌ أو لمسها يجزعها الألم.

إلا أن القلق كان كل ما هو حاضر ومسيطر. لم يصبني هذا النوع من القلق منذ مدةٍ طويلة وينهكني التواجد معه، نهاية الأسبوع الماضي كانت مليئة بالمهام والزيارات ولم أستطع تهدئة هذا الجرس الذي يرنّ بشكلٍ مستمرٍ في رأسي.

يبدأ صوت الجرس بالخفوت مع يوم السبت وذلك لانقطاعي يوماً كاملاً عن العمل، ثم يعود بقوةٍ مع بداية الأسبوع والعمل. حقيقةً لا أعرف كيف أصف هذا الشعور وتقلقني غرابته، هو ليس قلقاً خالصاً بل مزيجٌ من مشاعرٍ تملؤني بالذهول ولا أعرف كيف أتعامل معها أو أصنفها أو حتى ألمسها.

يوم السبت كان أكثر الأيام لطفاً معي، استيقظت باكراً للذهاب إلى موعد طبي، بعده تناولت الإفطار في مكان نباتي صرف لم أزره سابقاً، كان هادئاً وكل من كان هناك إما يعمل أو يقرأ أو يتحدث بصوت منخفض، الموسيقى لطيفة جداً وهادئة والطعام لذيذ ومكوناته نظيفة. في المساء كان الاجتماع الشهري مع إخوتي والذي قررنا عمله ابتداءً من هذا الشهر مع حجز التواريخ المسبق للشهور القادمة، كان اجتماعاً خفيفاً لطيفاً مليئاً بالضحك والذكريات والأحاديث آنسني وأنساني هذا الممر الضيق الذي أمر به.

اليوم انفعلت لأول مرة خلال عملي هذا على موظف في قسم آخر لأنه ابتدء في رفع صوته أثناء حديثه معي دون أن يترك لي فرصة للحديث، فلم أتمالك أعصابي وانفعلت بدوري. أعرف أن هذا أمر صحي إلى حد ما لأن هناك أفراداً يتعلمون حدود الآخرين بهذه الطريقة فقط، لكنني أفضل أن أتمكن من تمالك أعصابي وإخباره بأنه إن لم يخفض صوته ويتحدث بأدب فسأقوم برفع شكوى إلى مديره. يُشعرني الانفعال أنني ركضت أميالاً عديدة، ثم يصيبني الغضب من نفسي لأنني أشعر أن الانفعال هو ضعف وانكشاف إلى حد ما بدلاً من القدرة على تمالك الأعصاب والهدوء. أُعتبر شخصاً هادئاً إلى حد كبير ولا أحب الأصوات العالية ولا الأشخاص سريعي الغضب، لكن إن انفعل أحدهم علي أو تعدى على حدودي خاصةً إن لم يكن أحد أصحاب الحقوق علي وأولئك الذين تغفر لهم محبتهم فلا أملك إلا الانفعال في المقابل دون تفكير.

أتمنى أن يغمر حياتي وحياتكم الهدوء والرفق والطمئنينة واليسر

الثاني عشر من تشرين الأول

أمضيت أيام نهاية الأسبوع الماضي في التحضير لعودتي إلى العمل من المكتب بعد انقطاعٍ لمدة ثمانية أشهر تقريباً، وبالطبع كنت قد نسيت الوقت والجهد الضروريان للقيام بذلك.

أصبح وقتي يُستغرق في تحضير وجبة الإفطار المتكاملة لأخذها للعمل، أعود لعمل الغداء وتناوله والقيام ببعض مهام المنزل لينتهي اليوم تقريباً على الرغم من أنني أستيقظ في الرابعة والنصف صباحاً إلا أن الوقت أصبح يتسرب من بين يدي.

اجتمعت اليوم مع مديري ومديره وكالعادة تلفظت بأمورٌ سببت لي ندماً وإحراجاً بعدها. أستطيع الكتابة بطلاقة وفصاحة تتفوق على حديثي بمراحل إضافةً إلى الحديث مع المقربين ممن أحب أو الحديث بشكل منطقي رسمي بحت، أما الأحاديث التي تضيع بين الرسمية واللباقة المفتعلة فلا أحسنها أبداً مهما حاولت.
كلما تذكرت الموقف ينتابني مغص الإحراج ويتكرر بتفاصيله.

تأكد لي خلال اليومين الماضيين أنني لصحتي النفسية والعقلية والجسدية أحتاج لأن أتواجد في مكان تدخله أشعة الشمس أثناء تواجدها خارجاً لأن مكتبي يتواجد في بقعة لا تدخلها الشمس من أي مكان، أحتاج لأن أتصل بنفسي وأتواجد معها في مكان دافئٍ مألوف “ملموم”، إلى الشعور بالإنجاز وهو حقيقةً ما كان ينتج عن بقائي في المطبخ عدة ساعات والاستمتاع بالطبق بعد ذلك أو بالكتابة أو بالقراءة أو المشي خارجاً بعد الشروق. وبعد توقف ذلك جله دفعةً واحدة أصبحت أعود من العمل بمزاجٍ سيءٍ منخفض جداً وطاقة منعدمة للقيام بأي شيء. أتخيل أنني إذا كنت أقطن في مكان من المعتاد فيه الجري في مكان مفتوحٍ دون مضايقات كنتُ غالباً سأحمل ملابس الجري معي دائماً في السيارة لأذهب بعدها وأجري أميالاً عدة لأفرغ الغضب والإحباط الشديدين اللذان يعتريانني وأتصل بالهواء والطبيعة التي تتعطش روحي إليهما.

أعتقد أن عليّ إيجاد قائمة للاستماع إليها لتحسين شعوري أثناء مشوار العودة من العمل، فالقوائم الحالية أصبحت مزعجة جراء تكرارها الدائم.

أحتاج إلى الوصول إلى نقطة تصالح مع العمل من المكتب، لا تزال لدي ثلاثة أسابيع متقطعة علي أن أعمل خلالها من المكتب حتى نهاية العام وبعد ذلك قد تتم العودة بشكل كامل. بالطبع هذا أفضل بكثير من استمرار ذلك بشكل متصل خلال جميع المدة المتبقية، لكن شعور الملل الذي بدأ في “أكل دماغي” من مهام العمل المتكررة بدء في التأثير على شعوري بكل شيء، باللاجدوى، وبالتصادم مع ذات النقطة بشكلٍ دائم في كل عمل شغلته حتى الآن.

أتمنى أن أجد يوماً الثقب في هذا الجدار.

السادس من تشرين الأول

أستيقظ بشعورٌ قلق وكأن ورائي شيءٌ ما ثقيلٌ ينتظرني. أجلس على السرير قليلاً أحاول استيعاب السبب، هل لدي مهام عمل ترتبط بعملاء “غثيثين” اليوم؟ نعم ولكن هذا هو الحال كل يوم.

أشعر بأنني “ملخبطة”، وكأن شفرات حياتي قررت التفكك جميعاً في ذات الوقت، اكتشفت عالماً جديداً للصحة الجسدية وأبحرت فيه وبدأت باتباع قواعده، ثم أجريت تحليلاً للمعادن من خلال عينة شعر واكتشفت أن ما أعاني منه وأن النظام الذي أتبعه شبيه جداً بما يحتاجه جسدي في الفترة الحالية، إلا أن علي تغيير بعض الأمور فيه. “يادوب” بدأت بالاعتياد على السابق، هل هذا هو الطريق الصحيح أم أنني أغرق نفسي؟ لكن ما جعلني أبحث بدءاً هو أنني بغض النظر عن غذائي الصحي وحركتي لمدة تقارب العامين إلا أن هناك أعراضاً صحية وخمولاً لا يفارقانني. على الأقل الآن لدي شيءٌ ما أضع يدي عليه. أقول لنفسي: علها خيرة، أن أخوض كل هذا الآن لأقلل احتمالية الإصابة بأمور أكثر خطورة كلما تقدم بي العمر.

تسألني صديقة أو قريب عند الاجتماع على وجبة عن سبب عدم قدرتي على تناول هذا الصنف أو ذلك، وأشعر أن الشرح طويل ومتشعب وقد غرقت في تفاصيله أسابيع وبدأت بتجربته حتى بدأت في فهم المعدة وتفاعلها مع الغذاء. يشعر بعضهم أنني أبالغ وأن الحرمان غير مفيد، لكنني توقفت عن النظر إليه كحرمان وأعتقد أن هذا هو المهم بالنسبة لي، بل أنظر إليه كشكر ومحاولة محبة وتصالح مع هذا الجسد الذي تحمل سوء تعاملي معه كثيراً ومحاولة خلق أفضل بيئة قد ينمو فيها أحدهم يوماً ما وأفضل احتمالٍ أملكه ليحملني جسدي دون أن أثقل عليه عندما أتقدم في السن، محاولةً للتناغم معه ومع طيبات الرزق، ومحاولة لتسمية الأشياء بسمياتها الحقيقة.

يجعلني هذا أتأمل في اختلاف تجربتي دوماً، لطالما جزعت من تجارب ومواقف مررت خلالها وحاولت إيجاد مرجعية شبيهة (Bench-marking) لما أمر به من خلال تأمل حيوات الآخرين وتجاربهم والبحث في مصادر أخرى، لكني أغلب الأحيان كنت أعود خالية الوفاض حائرة، فما أمر به لا يشبه ما قرأته هنا وما سمعته هناك من أصحاب الثقة والحكمة. فخلصت إلى أن جزءاً من قصتي هو الاختلاف حتى وإن حاولت مصارعته، كما أن جزءاً منها هو الوصول إلى الجذور مهما حاولت الهرب من ذلك إلى القشور السريعة ومهما كان الطريق إليها مؤلماً ووعراً ووحيداً وموحشاً.

كان اختلافي دائماً غير مريحاً بالنسبة لي وكنت أحاول الانخراط بكل ما أملك لأنني أعتقد أن الحاجة إلى الانتماء فطرية، وفي كل مرة كنت أجابه ما يجعلني أواجه حقيقة اختلافي منذ أن وُجدت هنا ومنذ أن بدأت قصتي سواءً رغبت بذلك أو لم أرغب. حتى اقتنعت أن ذلك جزءٌ لا ولن يتجزء منها وعليّ الآن أن أبحث عما يصالحني مع هذا الجزء أكثر حتى أصل لمرحلة التقبل المحب والانسجام.

الرابع من تشرين الأول

الأيام الماضية لم يكن أي شيء فيها واضحاً بسبب تغيير الروتين تماماً يوم الخميس مما أدى إلى تغير طاقتي بقية الأيام، تأثير السهر على طاقتي النفسية والجسدية سريع جداً. لا أزال لا أعرف كيف أوازن بين حاجاتي الاجتماعية وزيارة جانبي العائلة في نهاية الأسبوع وحاجتي لأن أمارس كل شيء ببطء يوماً واحداً على الأقل حتى أبدأ الأسبوع بطاقة مشحونة.

لم أكن يوماً متيقنةً أكثر من الآن أنني لا أحب مجال عملي وأؤدي المهام بثقل شديد على نفسي، ذكرت ذلك مراراً وتكراراً سابقاً لكن اليوم كانت رغبتي شديدة الوضوح، أمنّي نفسي بالتقاعد والمزرعة التي سأقطن فيها أغلب أيامي حينذاك، بالمزروعات والمأكولات الطازجة والمطبخ الكبير الذي تخترقه أشعة الشمس نهاراً والسكون الذي يحيط يومي.

علاقتي بالمطبخ أصبحت وطيدة، أنهي مهامي سريعاً وأغوص في تجربة طبق اليوم. تريحني فكرة أن هناك شيئاً ما يمكنني اتباع خطوات محددة فيه وتكون النتيجة غير مخيبة للتوقعات، أن هناك شيئاً ما يمكنني السيطرة عليه دون أن يخالف كل الحقائق والتوقعات كما هي بقية الأمور التي لا سلطان لي عليها.

اليوم ولأول مرة جربت إعداد الملوخية ابتداءً بقطفها وحتى غليها، غالباً سأشتريها مجمدة المرة القادمة لكني رغبت في تجربة إعدادها من الصفر أول مرة. اختلفت مشاعري اتجاه الطعام، أستشعر رائحة الليمون الزكية، الكزبرة الطازجة، ملمس الملوخية عند فرمها، تفاعل روائح البهارات في الوعاء على النار، وأشعر بامتلاءٍ واكتفاءٍ نفسي. أعتقد أن الطبخ أصبح بالنسبة لي يشكل شكلاً من أشكال الاعتناء بالذات وحبها وتقدير جسدي وشكر النعمة.

روائح الطعام في المنزل وقت الغداء تشعرني بدفء المنزل، لا زلت أذكر ذات الشعور عند عودتي إلى المنزل من المدرسة واستقبال روائح طهي الغداء لي وارتباط ذلك بألفة المنزل.

الأول من تشرين الأول

أبدأ بالكتابة اليوم على الرغم من دخول اليوم الثاني لكنني أكملت أربعاً وعشرين ساعة منذ أن استيقظت بالأمس، فبدا لي اليوم كأنه يومان. غالباً يعود ذلك لكوبي القهوة السوداء اللذين تناولتهما اليوم على الرغم من أن تناولي للقهوة اقتصر تقريباً على مرة في نهاية الأسبوع لكن يبدو أنه بعد الانقطاع عن السكر أصبحت أجد لذةً أكثر في القهوة السوداء خاصةً المثلجة منها هذه الأيام.

كان يوماً مليئاً بالاجتماعات ومهام العمل، بعدها تواعد وصديقتي على نحو مفاجئ في الحديقة التي تقع أمام منزل عائلتي نظراً لهدوء الحي. تحدثنا كثيراً ومشينا وسكبت قلبي، لم أرها منذ أن بدأت الأوضاع الحالية وأشعر أني لم أرتوِ من لقائها بعد على الرغم من حديثنا الذي لم يتوقف لساعات.

زرت والدتي تبادلت الأحاديث والضحك معها ومع أخواتي، أصبحت أزورهم مرة أو مرتين خلال الأسبوع فقط بسبب المسافة التي بعدت.

عدت إلى المنزل ولا أزال بكامل نشاطي على الرغم من أنني مشيت ما يزيد على ثلاثة عشر ألف خطوة اليوم، فقررت البدء في التنظيف الأسبوعي للمنزل لكي أقوم بشطب أحد مهام نهاية الأسبوع وأكافئ نفسي بالاستيقاظ غداً ببطء ليتبقى فقط شراء حاجيات المطبخ للأسبوع المقبل. بدأت بالتنظيف في الثانية عشر وانتهيت في الثانية والنصف صباحاً، لسبب أو لآخر انتابني شعور إجازة رمضان التي كنا نقضيها في جدة حيث كانت من الأيام القلائل التي أصل فيها الأيام مستيقظة.

أتمنى أن يزورني النوم بعد كل هذا حتى لا أقضي الغد في خمول تام. تصبحون على خيرٍ ورضى وعافية

الثلاثون من أيلول

أحب الأيام التي أستيقظ فيها مبكراً وأنجز مهامي التي تحتاج إلى مجهود بدني صباحاً، كالمشي وتمارين العلاج الطبيعي والتمارين الرياضية. بعد أسبوعٍ سأعود للعمل مؤقتاً من مقر العمل بعد انقطاع سبعة أشهر، فقد تم التنسيق على أن يعود البعض للعمل من المقر ونتبادل الحضور حتى نهاية العام تفادياً للازدحام، لا أدري كيف سأنسق وقتي حينها فحالياً أحتاج إلى ثلاثة ساعات تقريباً حتى أنتهي من روتيني الصباحي وأبدأ العمل.

جاء الفنيون اليوم لأخذ غسالة الأطباق للصيانة وقاموا بترك أحد أنابيب حوض المطبخ دون سدها مما تسبب في تسرب الماء عند استخدامه، وبالتالي لم أستطع إعداد الغداء اليوم وكانت فرصة للتناول الغداء لدى أحد مطاعمي اليابانية المفضلة.

لا أعلم إن كان يطلق على ما أمر فيه تبلداً اتجاه الواقع أو تصالحاً معه. لكنني أشعر أنني أرى وأستشعر حقائق كبرى كما لم أفعل من قبل، أتأمل في حقيقة الجري المستمر وراء الأشياء، الاقتتال لتأمين المستقبل على الرغم من أننا إذا نظرنا إلى الحقيقة المطلقة المتجردة أجد ألا أحد يملك شيئاً، لكن الجميع يعتقد أنه يفعل. حتى شعور الاستحقاق المطلق، أشعر أنني أفلته من يدي أنا التي كنت أعتقد أنني لا أمتلكه.

الألم والمعاناة جزءان رئيسيان من حياة كل من كان يوماً على قيد الحياة، فإما أن أغضب أو أتعارك وأتصارع وأحاول “منطَقَة” كل ما أمر به، أن أجد من ألقي باللوم عليه لنقصٍ فيه بشكل مستمر بما في ذلك نفسي، وإما أن أتقبل هذه الحقيقة وأحاول التعايش معها بأفضل طريقة ممكنة، دون أن أجزع أو أغوص في الجانب المظلم كلما مررت بذلك.

يحضرني هذه الأيام هذا الحديث كثيراً: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ”، وأشعر بسلامٍ داخلي كلما استحضرته، أن اللطيف الخبير هو المسبب وأن ما سواه ودونه أسبابٌ مجردة وإن اختلط ذلك على الأفهام والأذهان أحياناً عدة، أنني لن أخرق الأرض ولن أبلغ الجبال طولاً مهما حاولت التخطيط والقياس بمسطرتي البشرية.

لذا أدعو دائماً أن أُرزق الحكمة والفهم في التفريق بين ما يتوجب علي الاستسلام له والرضى به وبين الأسباب التي يتوجب علي اتخاذها وإن صَعُب ذلك وطال طريقه، وأن أرزق الاتزان في الجمع بينهما.

السادس والعشرون من أيلول

كانت الأيام الثلاثة الماضية مليئة بالعائلة والأحاديث، تناولت أول أكواب قهوة سوداء بعد انقطاع شهر ولكني لا أزال مستمرة في عدم تناول السكر والكربوهيدرات المكررة وأعتقد أنني وصلت إلى تصالح مع فكرة أن جسمي لا يحتاج إلى السكر المستخلص ولا ينفعه بأي حال من الأحوال وأن تواجده في الفواكه والتمر يكفيني مدى الحياة.

طاقتي تنخفض جداً بالاجتماع مع الآخرين حتى الذين أحب ويضايقني هذا جداً. استيقظت اليوم مشوشة ومنهكة، أفكر بيني وبين نفسي: ليس لدي شيء لأتحدث عنه أثناء جلسة اليوم مع الأخصائية وأشعر بهم ثقيل لأنني لم أقم بإلغاء الموعد يوم الخميس حيث أن سياسة الإلغاء تتطلب القيام بذلك قبل الموعد بيومين. بدأت الجلسة وأخبرتها صراحة أنني لا أملك ما أتحدث عنه اليوم، أخبرتني أنهم في العادة ينتظرون هذه النقطة لأن ذلك غالباً يعني أن هناك الكثير للحديث عنه إلى حد تثاقل الحديث، وكان هذا الواقع فعلاً.

سبحان الله، أستغرب ذكاء العقل ومحاولته حماية صاحبه حتى آخر رمق، محاولة التهرب من الحديث عن الأمور الأكثر ثقلاً لأن الحديث عنها منهك. كان الحديث اليوم منهكاً بالفعل، خضت في مناطق كنت أحاول عدم التطرق لها دون وعي، وصفت مشاعر لم أسمع نفسي أتلفظ بها خارج جسدي مسبقاً، وشعرت بأن روحي كانت تُعصر أثناء ذلك. بعدها شعرت بإنهاك جسدي ونفسي، لم أستطع الحراك من مكاني خلال اليوم سوى عدة مرات جرّاً للقيام بالضروريات ولم تكن لدي أي قدرة على الحديث أو الاندماج في أي شيء.

يجعلني هذا أتأمل في ضعف الإنسان ودقة خلقه، ومن ضعفه أن آلاماً قد تكون شديدة القدم إلا أنها تجثم على حياته وتنخر في جسده دون معرفة أو وعي منه، أنه كيانٌ واحد لا يتجزء لا نفسياً ولا جسدياً، وأن ماضيه يتصل بحاضره وإن قاوم ذلك وحاول الفصل بينهما.

وأحب محاولات الإنسان المستمرة للسعي لإيجاد المعنى والأفهام، محاولات الربط والبحث في نفسه وفي الآخرين.

بينما تؤدي الحيوانات وظائفها في حتمية بالغة: تتقدم نحو فريستها حينما تسنح الفرصة، وتفر حينما تحس بالخطر، وتعيش في القطيع أو السرب أو الخلية دون فزع أو اكتئاب. فإن الإنسان دائم التردد، وسلوكه مرتبط بحريته واختياراته المتنوعة، فهو لا يمكن أن يكون جزءاً من آلة وظيفية اجتماعية مقررة مسبقاً. ثم هناك هذا الخوف والقلق الذي يشعر به الإنسان من خلال تأمله الدائم في الكون ومعضلاته، وهو ليس مجرد خوف بيولوجي مثل ذلك الذي يستشعره الحيوان، إنما هو خوف روحي كوني بدائي موصول بأسرار الوجود الإنساني وألغازه، ممتزج بحب الاستطلاع والإعجاب والدهشة والنفور، تلك المشاعر المختلطة هي العامل الخالد الأزلي المحدد للوجود الإنساني.
– الإسلام بين الشرق والغرب

الثاني والعشرون من أيلول

أجلس في نهاية يومٍ طويلٍ بهدوء بعد إنجاز جميع مهام العمل والمنزل والرياضة، أتناول مشروباً دافئاً وأتطلع إلى إجازة نهاية الأسبوع الطويلة التي بدأت اليوم بمناسبة اليوم الوطني.

أتمنى أن تحتوي جميع الأسابيع على إجازة نهاية أسبوع تتكون من ثلاثة أيام على الأقل، يومٌ للمهام المعلقة المؤجلة ويومٌ للاجتماع بالعائلة ويومٌ بصحبة النفس والأفكار ومراجعتها وتهدئتها و”أخذ نفس”.

لسبب غير مفهوم أحسست هذا الأسبوع برغبة شديدة في الاطلاع على صور لأماكن وأزمان مرت عليها أعوام مديدة، وكأن ذاكرتي أصابها الشك من طول المدة وتقلب الأحوال، هل فعلاً كنت يوماً هناك أم أن هذا من نسج خيال الذاكرة؟

لدي كاميرا سوني لتصوير الفيديو من الطراز القديم، اقتنيتها قبل خمسة عشر عاماً تقريباً كهدية نجاح في نهاية ذلك العام، لا تزال لدي الأشرطة المسجلة لكن الكاميرا أصابها عطل وأجلت إصلاحها مدة طويلة لأنني لا أعرف إن كنت سأجد من يقوم بذلك. وأخيراً وبسبب رغبتي الملحة هذه، ذهب زوجي لزيارة عدة محلات حتى وجد من يصلحها، ويفترض أن تكون غداً جاهزة بعد صلاة العصر إن شاء الله. الحماس الشديد يغمرني لذلك والتعطش إلى مشاهدة ما تحمله تلك الأشرطة، وأشعر أنني أرغب في أن أمر بشريط الذاكرة بوضوح أكبر بعد كل هذه السنين وبعد الوصول إلى هذه المرحلة.

قد يكون سبب هذا الشعور هو الرغبة في الشعور بالألفة، أو الحنين إلى مرحلة حياتية كانت فيها القطعيات والبديهيات واضحة، غريبٌ كيف يمكن أن يشعر الإنسان بالألفة لأمور يعرف أنه لا يرغب بها في حياته حالياً لكن الاعتياد والنشأة جعلت منها أمراً يبعث على ذلك الشعور.

وكما تقول فيروز: في باب غرقان بريحة الياسمين، في باب مشتاق وفي باب حزين، هالأرض كلها بيوت يارب خليها مزينة ببواب، ولا يحزن ولا بيت ولا يتسكر باب

العشرون من أيلول

تمكنت اليوم من المشي في الحي بعد شروق الشمس، كانت ليلتي مليئة بالاستيقاظ المتكرر والأفكار المزعجة. أمشي في الحي أسمع أصوات السيارات تبدأ بالحركة والحفارات تبدأ في اختراق الأراضي استعداداً لبنائها، الكثير من المباني وبعض أتربة الأراضي البيضاء. أشعر أن روحي تتوق للسكون والطبيعة في منأى عن هذا كله، سواءً أكان ذلك براً أو بحراً أو سهلاً.

أيقنت قطعاً أنني لا أحب تخصصي وإن كنت أبرع فيه، أقوم بعملي على أكمل وجهٍ كواجب مدرسي لكنني لا أشعر بأي إنجاز بل “هم وانزاح”. أشعر بنشوة الإنجاز عند تجربة طبق جديد ينجح من أول مرة وأستمتع بتناوله، باكتشاف مذاقات مختلفة والتي كان من آخرها “الكزبرة الطازجة” التي لم تدخل في شيء إلا أضافت إليه، عندما ألتقط صورة شيء ما وأندهش من جمال الالتقاطة.

مررت اليوم على تأملات في اسم الله الرفيق، وشعرت بأن الكلام موجهُ لأفكاري ومشاعري الضائجة الضائقة، وكأنه ماءٌ باردٌ بعد قحط شديد.

فكرة أصبحت تمر في ذهني مؤخراً وأتوقف للتأمل فيها: أن مربط الفرس ليست هنا، أن هناك ما يمكن أن أتطلع إليه في جنة لا خوف فيها ولا قلق ولا نصب ولا وصب، لا حزن ولا ألم، لا ظلم ولا ضياع ولا تشتت، الأحباب فيها لا يتفرقون، الآمال والأمنيات تتحقق، الحقائق تتجلى وتُعرف. على الرغم من فكرة أن هذا كله مؤقت هي فكرة مخيفة لأن هذا هو كل ما نعرف بحواسنا الخمس ونألف، إلا أنها فكرة مريحة جداً، أن قياسات وموازين البشر بما فيهم نفسي ليست هي القاطعة ولا الدائمة ولا الحقيقية.

تصبحون على خيرٍ وسلام

التاسع عشر من أيلول

بدأت يومي بمقابلة صديقتي للإفطار، وامتدت أحاديثنا لمدة خمسة ساعات متواصلة دون إحساس بالوقت. يوجد احتمالٌ كبير أنها ستنتقل بشكل نهائي إلى دولة أخرى نهاية العام المقبل، أشعر بثقل الفكرة منذ الآن فأنا لا أكوّن صداقات بسهولة ولا أستطيع سكب نفسي وأفكاري ومخاوفي بسلاسة دون “فلاتر” حتى يتقبلني الآخر ويفهمني. ولكنها سنة الحياة، أليست كذلك؟
الحب والفراق، الأنس والوحدة، الضحك والبكاء، الفرح والألم، الأمل واليأس، التقلب بين هذا كله مراراً وتكراراً.

لا زلت أحاول التصالح مع هذه الفكرة، أن أسمح لنفسي بالحب وبالفرح وبالأمل دون خوف من النقيض الآتي لا محالة، لأن كل شعور جيد سيليه نقيضه الغير مفضل في مرحلةٍ ما، ومحاولة الامتناع عن الإحساس بالجيد لتخفيف الألم يعني أن تكون حياة أعيش فيها على أطراف أناملي طوال الوقت، وهذا اللاشعور يعني وحدة داخلية مهما كثر المحيطون.

عدت إلى المنزل لأكتشف أن المشكلة الأساسية التي أعدنا ترميم المنزل بسببها لمدة عامٍ كامل واستنزف جهداً وطاقةً ومالاً وعمراً لم تحل في الحقيقة، انتابني إحساس أن كل ما يحصل في حياتي حالياً هو كوميديا سوداء إن صح التعبير، أن كل ما أقوم به هو عبارة عن مقاومة للاستسلام لليأس والدخول في البئر السحيق.

الضوء في نهاية النفق يتلوه نفق آخر دائماً، ذلك جزءٌ لا يتجزأ من الحياة، ضرورة أن تنجو بنفسك وأن تحافظ عليها من المرارة التي تعتريها من التجارب والانسحاق المستمر، العلو والهبوط، القوة والضعف. لا زلت أبحث عن ذلك، كيف تستطيع النفس في الاستمرار بالإحساس بالجمال والحب واللطف دون أن تقسو بفعل عوامل التعرية؟

وَقَــــدْ بَـسَـطْـنَـا أَمْــرَنَــا لَــدَيْـكَ”
وَقَــــدْ شَــكَـوْنَـا ضَـعْـفَـنَا إلَــيْـكَ

فَـارْحَـمْنَا يَــا مَـن لاَ يَـزَالُ عَـالِمًا
بِـضَـعْـفِـنَـا وَلاَ يَـــــزَالُ رَاحِــمــاً