من أنا؟

لا أعرف كيف أعرف نفسي.

لطالما احترت-ولا زلت- عن كيفية فعل ذلك، هل أنا اسمي، تخصصي، مهنتي ومسمايَ الوظيفي، أم أن نشأتي، بيئتي وجيناتي هي التعريف الأدق لي؟ هل أنا المدينة التي ولدت بها أم أنني المدينة التي يعود إليها أصلي؟

أشعر بالانتماء إلى كل شيء ولا أنتمي إلى أي شيء.

هل أنا من أكون عليه أثناء وحدتي، أثناء عملي، أم مع الآخرين؟

لازلت أتعثر في محاولة التعرف إلى نفسي وإيجاد نقطة توازن لي، نشأتي التي حملت التنوع والعديد من الأضداد جعلتني أتقبل المختلف ولا أنكره أو أستنكره لأنني كنت العديد من المرات أمثل ذلك “المختلف”.

وبالتالي أنا هي جل تلك الاختلافات والتنوعات والأضداد، درست الجامعة وتخصصت في تخصصي هرباً من الروتين ووقعت فيه، لا أزال أتنقل بين الوظائف والأماكن في محاولة لإيجاد ما يناسبني، وأفعل ذلك في حياتي أيضاً.

كانت دائماً المدونات والكتب عامةً مرجعاً لي عندما أشعر بعدم الانتماء، أطمئن إلى أن ما يدور في حياتي ونفسي لا يقتصر علي باختلاف أشكال وقوعه في حيوات أخرى، وأجد في الكتابة مستراحاً لي، لذا قررت بدء هذه المدونة وهو الأمر الذي أجلته سنيناً طويلة تردداً مني لعدم ارتقاء جودة كتاباتي ومواضيعي إلى مستويات المدونات التي أتابعها.

لذا آمل أن يجد من يقرأ هذه المدونة سلوانا وسلوَاً كالذي كنت ولا زلت أجده في المدونات والكتابات الأخرى. استرسلت في التعريف عن نفسي حتى خرجت عن صلب الموضوع، وهو ما ستجدونه يتكرر هنا كثيراً للأسف.

الثالث والرابع من تموز وامتداد ذلك

أيامٌ ثقال شداد، مفترق طرقٍ شديد الانحدار غير معروف النهاية. أجر نفسي جراً حتى أتحرك من مقعدي أو أتحدث. ثالث يومٍ على التوالي دون تمرين وهذه أول مرةٍ يحصل ذلك منذ عدة أشهر، أحاول عدم التركيز على هذا الأمر لأن ما يشغل ذهني حالياً أهم من ذلك بكثير.

لم أستطع الدراسة لأن عقلي مشوشٌ جداً ولا أستطيع تمييز الأمور فيه. أحاول التمسك بأي شيء حتى الروتين لأنني أخشى الانزلاق إلى تلك الهوة السحيقة.

أشعر بقلبٍ فارغٍ من القلق والخوف، أذكر نفسي بالتنفس عندما ألحظ حبس أنفاسي أثناء التفكير دون وعي.

أمنّي نفسي بالخروج مما أنا فيه ولكن يجب علي ألا أهرب من قسوة وبرودة الشعور هذه المرة، أن أبقى في هذا الألم وأجعله يمر بكل ثقله دون مقاومة، أتذكر اعتقادي بانتهاء الدنيا بالنسبة لي ومن ثم بداياتها عشرات المرات خلال حياتي.

أدعو الله أن يجعل كل ذلك برداً وسلاماً وأن يرضيني بما يرضى لي، أن يدلني ويرشدني.

الثاني من تموز

أكتب اليوم وقلبي “يطفح” فرحاً، وأخيراً التقيت بالصديقات بعد انقطاع أكثر من أربعة أشهر. أحاديث طويلة لم يتسع الوقت للانتهاء منها، وكأن الفترة الماضية كانت سنيناً وليست شهوراً.

أشعر وكأنني استعدت صوتي وبعض اتزاني والجزء الذي اعتقدت أنه ذبل حتى ذوى مني. تجربة صداقتي هذه عرفتني على نفسي كما لم يعرفني عليها شيءٌ آخر، في فترة من حياتي لم أعتقد أنني قادرة على بناء علاقات إنسانية عميقة لعدة أسباب وأقنعت نفسي أن هناك بشراً لم يُكتب لهم خوض هذه التجربة الإنسانية.

فهمت حينها لذة أن تشارك نفسك وأجزاءك دون خوف من حكم الآخر والاختلاف عنه، على الرغم من أننا ننتمي إلى بيئات وخلفيات شبه متضادة، إلا أنني أشعر معهن أنني أنتمي كما لم أشعر مع أي أحدٍ آخر.

هدأت نفسي كثيراً وارتوت، أود الاحتفاظ بهذا الشعور المبهج وأصوات الضحكات في أذني أطول وقت ممكن. دائماً يبهرني تغير إحساس الإنسان بنفسه عندما يراه الآخر ويسمعه ويفهمه ويحبه لما هو عليه دون أن يتوقع منه أن يكون في نفس الصندوق حتى يضمن له ذلك.

أدعو الله ألا يحرمني هذا الرزق، وأن أجد دائماً الصحبة التي تساعدني على رؤية النور وتحسسه في خضم العتمة، وعلى تلمس الأمل في قاع اليأس، صحبة يتوكّأ القلب عليها فتكون له مستراحاً وأنساً ودفئاً من الوحشة والغربة التي تنتابه.

تصبحون على خيرٍ وأنس

الأول من تموز

لا أدري لمَ يبدو اسم هذا الشهر غريباً بعض الشيء.

منذ يومين وأنا كل ما بدأت بالمشي خارجاً عند الشروق وبعد الانتصاف في وقت المشي يحوم حولي دبّور كبير الحجم ويقوم بمهمته ليجعلني أكمل المشي داخل المنزل، وأنا في المرحلة المتوسطة شاهدت إحداهن تتقافز من الألم بسبب قرصة دبور في إذنها عندما كنا في رحلة ومنذ ذلك الوقت وأنا أركض في الاتجاه المعاكس لا إرادياً كلما رأيت دبوراً.

أسمح لنفسي هذه الأيام بالقلق وأحاول ألا أقلق من قلقي إن صح التعبير. تغمرني الرغبة في البكاء في أوقات غريبة: أثناء أدائي للتمارين الرياضية، استماعي لأغنية مبهجة أو أثناء تبديل ملابسي أو أداء مهمة عمل.

تواعدت مع صديقاتي للخروج غداً ولم أشعر بهذا الحماس يغمرني منذ مدةٍ طويلة، أكاد لا أستطيع الانتظار وأعتقد أننا لن نستطيع أن نفرغ ما بجعبتنا خلال الثلاثة ساعات. قبل أن يحصل ما حصل كان من الطبيعي أن نقضي يوماً كاملاً في حديث مستمر دون أن نشعر بالوقت ونعود إلى منازلنا ونحن لم ننهِ الحديث بعد.

أشعر أن هذه الأيام وما سيليها بالنسبة لي عموماً تحمل رائحة تغييرات مصيرية، لكني كلما شعرت أنني أحبس أنفاسي من القلق دون انتباه مني أذكر نفسي بأنني طلبت علامة من العليم الخبير وأن لا شيء هو نهاية العالم، وإن كانت نهاية العالم فستكون أغلب الأمور ذات الأهمية الشديدة عديمة الأهمية تقريباً (قمة التفاؤل)

تصبحون على كل ما هو طيب

الثلاثون من حزيران

الألفة وشعور الغربة الفارغ يبدوان شديدي الحدة اليوم، كيف لمثل هذين أن يجتمعا؟ لا أدري، هذا ما أحاول التوصل إليه منذ عدة سنوات.

أنظر لصور الماضي ليصيبني ذلك المغص ذاته، أتخيل المستقبل دونها ويصيبني ألمٌ من نوع مختلف. كيف للمشاعر أن تكون متضادة بشراسة اتجاه ذات الشيء؟

هناك أمورٌ في الحياة حتى إن استشرت من استشرت فيها، لا يملك إجابتها أحدٌ سواك. أمضيت سنيناً أحاول الحصول على إجابة قطعية، اعتقدت أن الأمر كمعادلة رياضية تتطلب معرفة بعض المجهولات من سين وصاد وأنني إذا عرفتها سأستطيع حل بقية المعادلة. لكن الأمر أعقد من ذلك بكثير.

يتطلب ذلك العودة إلى الجذر، أصل الشعور، لمعرفة ما إذا كان الشعور حقيقياً نابعاً من اللحظة أم أنه ظاهرٌ لتراكماتٍ عديدة عبر سنين طويلة. وحتى عند معرفة هذه التراكمات، يصبح التشوش أعلى صوتاً وتختلط الألوان لفترةٍ طويلة.

مثقلةٌ بهذا الشعور الملاصق، كأنه “دبق” عالق يأبى الزوال. لماذا كان على عقلي أن يمتلك صوتاً مرتفعاً كثير الإلحاح؟ ولماذا كان يجب على مشاعري أن تكون شديدة الحساسية، أن يهمني الاتصال العميق السخي؟ أشعر بالغضب اتجاه نفسي: لماذا لا أستطيع السير مع التيار و”تمشية الحال”؟ لماذا علي فلسفة الأمور والمشاعر والأفكار؟ لماذا أرى النقائص والعيوب دائماً؟ ولماذا لا تكون نفسي رضية؟ وأكيف أفرق بين ما يجب علي الرضا به وما يجب علي المقاومة لتغييره؟

أغلق عيناي المسمرتان على جهاز العمل وأطلب من الله علامةً واضحة تجلي عني الشكوك وتكون برداً وسلاماً وأماناً.

لا أفضل الشكوى والنياح ولا أن ينظر الإنسان لنفسه على أنه ضحية، لكنني أحاول جعل هذه المساحة خالية من الأحكام و as raw as possible.
أفكر في إمكانية أن يكون حظ الإنسان في علاقاته ليس حسناً، أؤمن أن العلاقات أيضاً رزق وأن أهمها -والتي تكون في طفولته- هي التي تشكل علاقاته فيما بعد دون وعي منه. لكن مشكلة علاقات الطفولة أنها لا تنتهي، وتؤثر على علاقة الإنسان بنفسه ومن حوله، فأحياناً يميل إلى العلاقات المؤذية دون وعي منه لأنه يجد فيها ألفةً عهدها في السابق، وينفر من العلاقات الهادئة الخالية من الألم “الفاقع” لأنها بالنسبة له ليست “حقيقية”. وحتى يخرج من عدم الاتزان هذا قد يحتاج عمراً من التجارب الغير لطيفة.

لحظتي المفضلة خلال اليوم أصبحت عند الانتهاء من التمارين وتغيير القائمة التي أستمع لها إلى Spotify- Cool Down أثناء أداء تمارين الإطالة ومشاهدة السماء التي تؤول الشمس إلى الغروب فيها أثناء اصطفاف العصافير على السور. أحس أنني أبني علاقةً خاصة مع العصافير هذه الفترة أثناء الشروق ومن ثم غروبها. وأتمنى أن يتوقف شعوري على هذه اللحظة وأن أقبض على السلام التي يغمرني فيها.

تصبحون على خير وسلام

التاسع والعشرون من حزيران

قضيت أغلب ساعات الصباح في تجديد رخصتي، جددتها لعشر سنوات قادمة وتخيلت كيف سيكون حالي عندما آتي لاستلام الرخصة الجديدة حينها -إن كتب الله لي عمراً- . الأكيد أنني عندما استلمتها لأول مرة قبل عامين لم أتخيل أن يكون هذا هو حالي عندما أستلم الرخصة المجددة. أحمد الله على نعمه التي لا تحصى لكن ما أقصده أن ذات الأبواب المفتحة التي تهب علي بالرياح والأسئلة والحيرة لم تغلق، لكني أجدها أكثر حدةً وأعقد حلاً.

أصابني قلقٌ غريب: هل يعقل أن تمر السنون دون إجابات قاطعة وأن يكون عمراً من الأسئلة؟ وهل يعقل أن تكون الإجابة واضحةً لكني أخافها وليس لي جلد الصبر على نتائجها؟ أم أنني أختار الركون إلى الأكيد المتاح رغم أنه لا أكيد في الكون سوى أشياء معدودة؟

أحاول تأخير قرار مصيري لأنني أرغب في النظر إليه من كل الجوانب وأن يكون واقعياً قدر الإمكان، لكن التفكير به يستولي على ذهني لدرجة أنني لم أتمكن من التركيز في جزئية اليوم وبالتالي لم أتقدم أبداً في الدراسة بل ضاع أغلب يومي في التقلب بين الأفكار والسيناريوهات والقلق على ما لم يتم الجزم به بعد على الرغم من أن مهام العمل اليوم كانت خفيفة ظريفة وسيعود مديري غداً من إجازته ولم أستطع استغلال ذلك في الدراسة.

أتمنى لو كان هناك زر أتمكن من فتحه وإغلاقه حتى يتوقف سيل الأفكار الذي يتسبب في تسارع نبضات القلب.

انتهى يومي أيضاً بوضع الملزمة أمامي والضياع بين الأفكار ويبدو أنه سيكون علي تعويض جزئية اليوم غداً.

تصبحون على اطمئنان وانشراح

الثامن والعشرون من حزيران

استيقظت اليوم بشعورٍ شديد الغرابة، حقيقةً لا أعرف كيف يقرر عقلي- هذا إن كان هو المسؤول عن الأحلام حقيقةً-جمع كمية الأشخاص المتداخلين هذه دون أدنى رابط في أماكن لم أزرها مسبقاً.

أحب الصباح جداً وبداياته على الوجه الخصوص، أحب حضور البدايات الهادئة وكنت دائماً في جميع الوظائف التي شغلتها أحرص على الذهاب مبكراً قبل أن يبدأ الناس بالحضور لأبدء يومي في هدوء تام مع المكان.

تمكنت اليوم من المشي خارجاً ولم أخلد إلى النوم بعد الاستيقاظ مبكراً وأخيراً. يبهرني تأمل العصافير الصغيرة تتقافز في كل مرة، وأجد صوت الحمام أقرب لشخصٍ لجوج كثير الشكوى، تخيلت كمية التأمل التي سأستطيع ممارستها دون مهام تنتظرني بعد التقاعد إن شاء الله (ليلي طويل ولكني أتقوى بأحلام اليقظة). أتمنى الإبقاء على ذلك بقية الأسبوع خاصةً أن اختباري قد يكون خلال أسبوعين مما يعني ضيق الوقت خلال اليوم للتسكع بين الأفكار والمهام ببطء كما هي عادتي.

جربت اليوم عدم استخدام الجوال إلا للمنبه بحيث لم أحمله في يدي أو أنظر إليه لعدة ساعات بعد الاستيقاظ واكتشفت أن العديد من الأفكار في رأسي مليئة بما أشاهده وأسمعه على مواقع التواصل الاجتماعي -انستقرام على وجه الخصوص- لأناس لا تربطني بهم أي صلة، وقررت أنني أرغب في تجربة تخفيف استخدام وسائل التواصل هذين الأسبوعين إلى الحد الأدنى واستبدالها بقراءة المقالات والمدونات المجمعة، لدي فضول لأكتشف أثر ذلك على تركيزي.

انتهى اليوم مبكراً على الرغم من أنني أنجزت مهام العمل ودرست الجزئية المخصصة لليوم ولله الحمد، أحسست ببركةٍ في الوقت واكتشفت كمية الوقت التي كان يسحبها تصفح انستقرام بالساعات دون أن أحس بذلك، لكن كان هناك إحساس بالفراغ الاجتماعي إن صح التعبير زاد من شوقي لصديقاتي والحديث معهن وتبادل تأملاتنا الغريبة. جعلني هذا الفراغ أتردد فيما يتعلق بصحة قراري لكني أرغب في إكمال التجربة من باب الفضول.

تصبحون على خيرٍ وعافية وتوفيق

السابع والعشرون من نيسان

استيقظت اليوم باكراً على الرغم من أنه يوم السبت حتى أنتهي من الفحص الطبي لتجديد الرخصة لأجد أن المستوصف لا يبدأ عمله إلا الساعة التاسعة صباحاً فقررت تأجيل الزيارة حتى صلاة الظهر.

قبل كل جلسةٍ مع الأخصائية تراودني نفسي أن أقوم بتأجيلها لأنني أقنع نفسي أن الكلام سيكون متكرراً، ثم أشعر في آخر لحظة أن هناك موضوعاً أرغب في الحديث عنه. لدرجة أنني قمت بالبحث في قوقل عما إذا كان هناك آخرون يشعرون بالقلق قبل جلساتهم -غريبةُ هي فكرة الحاجة للبحث خارج النفس مع أناس لا تربطنا بهم أي صلة سوى قرب التجارب- وبعد كل جلسة أجلس وحدي فترةً لأحاول استيعاب ما تحدثت عنه. أحياناً حتى -وقد يكون هذا مبالغاً فيه بعض الشيء- أربت على نفسي وأعتذر لها عن كل الأوقات التي ضائلت فيها من حجم العصرات التي مرت بها لأن لم يكن لها اسماً أستطيع إطلاقها عليها ولم يكن معترفاً بها من قبل الثقات.

لا أعتقد أن أحداً لم يعاني من الصعوبات في حياته باختلاف مسمياتها وأشكالها، لكن الحديث ساعدني جداً على فهم أسباب بدايات تدهور الأمور قبل عامين ولم أصابتني تلك العزلة النفسية والانفصال الداخلي الذي علمت فيما بعد أن له اسمُ أيضاً.

لا أؤمن بالصدف البحتة، وقد كانت لي تجارب سابقة مع أخصائيين ينظرون إلى الأمور بسطحية شديدة تزيد الأمور سوءاً فأشعر دائماً بعدم القدرة على إيصال الفكرة أو الشعور الحقيقي وأنني محبوسةٌ في نفسي، وفقدت الأمل في الخيارات المتاحة هنا. حتى شاهدت حلقة هالة كاظم مع أخصائيتها التي أصبحت فيما بعد صديقتها -لا أحب تصنيف الأشخاص ووضعهم في صناديق وأؤمن بأخذ ما ينفعني من الشخص وترك ما لا يلائمني عامةً- ولا زلت أذكر الفكرة التي خطرت لي وقتها “هل يعني هذا أن هنالك أمل؟ وأن من يحصل على المساعدة التي يحتاجها قد تتغير حياته بشكلٍ حقيقي؟”، بدأت بعدها بالبحث عن أخصائيين يتحدثون اللغة الانجليزية، ولم يكن ذلك لأجل الحديث بالانجليزية بل لأن العديد للأسف في هذا المجال ممن يمتلكون منهاجاً مختلفاً ونظرةً أعمق وأوسع حسب تجارب خاضها من أعرفهم هم إما من غير المتحدثين بالعربية أو ممن لهم تجارب عمل طويلة سابقة في دول غير عربية، وكان توقعي صحيحاً ودعواتي مستجابة.

لا تزال الرحلة طويلة وغير مريحة، لكنني أعتقد أن الطريق لحقيقة النفس وجوهرها وإزالة الأذى والرواسب عنها غالباً ستكون كذلك، ولا أزال أفقد الأمل مرات عديدة وأرى أبواباً موصدة لكن أملي هو بمن يحيي الأرض بعد موتها وبمن هيء لي أسباباً وأوجدها من عدم.

تصبحون على أمل

السادس والعشرون من حزيران

أحب صباحات الجمعة، السكون الهدوء والسلام الذي يعتريني خلالها. إعداد وتناول الإفطار، المشي، ممارسة اليوقا التي بدأت ألحظ أثارها الفورية في تخفيف آلام ركبتي وأتمنى الاستمرار عليها حتى تصبح جزءاً من الروتين، أخذ حمام طويل والاستعداد ليوم الجمعة.

قررت اليوم أنني سآخذ استراحة من الدراسة والاستعداد للاختبار لأعود لها غداً إن شاء الله. تناولت الكثير من الدونات اليوم والذي لم أتناوله منذ أكثر من عامٍ تقريباً ولم أكن حتى أشتهيه، جربت محلاً محلياً ولم يخيب ظني.

علي الاستيقاظ غداً مبكراً لإجراء فحص الرخصة لتجديدها، لا أدري لِم لَم أختر أن تكون مدتها 10 سنوات بدلاً من اثنتين.

أنهيت يومي بالاستماع لـجددت حبك ليه – مي فاروق ومقطعي المفضل (إنت النعيم والهنا)، التي تعرفت إليها العام الماضي وبدأت بالبحث عن حفلات قريبة ستقام لها حتى أقوم بحضروها لأن أغلب من كنت أتمنى أن أستمع لهم مباشرةً لم يعودوا أحياءً، وبالصدفة وجدت أنها ستحيي حفلاً في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي بالظهران- إثراء، وكانت من أكثر الليالي سحراً.

الخامس والعشرون من حزيران

لم أستطع كتابة أي يوميات الأيام الماضية، وغالباً لن تكون كتابتي منتظمة للأسف -وإن كنت سأحاول ذلك- خلال الأيام القادمة وحتى أنتهي من الامتحان المقبل بعد أسبوعين أو ثلاثة تقريباً إن شاء الله.

مضت أيامي السابقة بين العمل، حضور الكورس اليومي المكون من خمسة ساعات، وبعد ذلك مراجعة الجزئية التي تم الحديث عنها، وأكمل بقيتها بعد صلاة فجر اليوم التالي. أحسست كثيراً بعدم جدوى ما أقوم بدراسته لولا أن جهة عملي طلبت مني ذلك وألحقتني بالكورس. قبل ثلاثة أشهر بالضبط حصلت على شهادة إدارة المشاريع لنفس السبب على الرغم من أنني لم أدر مشاريعاً حتى الآن.

أثناء شرح المحاضر، يأخذني ذهني إلى تخيل شعوري إذا ما كانت جهة عملي قد ألزمتني بحضور شيءٍ عن علم النفس أو الاجتماع، الكتابة، التصميم الداخلي، الموسيقى، النجارة، أو حتى تكوين الإنسان الحيوي، ياه كم كان سيكون ذلك ممتعاً.

يتأكد لي مراراً وتكراراً أن تخصصي وما أقوم به منذ التخرج لا يستميلني بتاتاً، أدعو كثيراً أن أرى ما يلائمني وأن تتهيئ لي الأسباب التي توضح لي ذلك وترشدني لأنني حقيقةً لا أعلم مالذي يلائمني.

اشتقت للذهاب إلى الحديقة التي كنت أزورها قبل أشهر كل صباح جمعة تقريباً ورؤية الرياض من الخلف، تقع الحديقة على وادي حنيفة تقريباً وتجعلني أرى أجزاءً من المدينة لا تُرى بهذه الطريقة من أي مكان آخر. قد أذهب غداً إذا استيقظت مبكراً ولم يكن الجو شديد الحرارة.

قبل عدة أيام كان يوم الأب، رأيت العديد يكتبون عن آبائهم تقديراً لهم. وفكرت بيني وبين نفسي: هل نظلم والدينا عندما نتوقع منهم المثالية المتصورة التي زرعت في أذهاننا؟ هل ينزع ذلك عنهم بشريتهم ويجعلنا أكثر غضباً عندما نكبر ونواجه زلاتهم البشرية وامتداد آثارها في أنفسنا؟ أم أنهم هم من قاموا بتأكيد هذه الفكرة ببناء جدارٍ حول أنفسهم ومسلماتهم وطريقة تعاملهم مع الأمور؟

أنهيت يومي بمشاهدة ما تبقى لي من الموسم الثاني من مسلسل رامي. لا زلت أبحث عن مسلسل خفيف لطيف لمشاهدته خلال الأسبوع عند أخذ راحة من الدراسة التي لا أشتاق إليها ولا إلى توتر الاختبارات.

الثاني والعشرون من حزيران

يمضي يومي كغالب أيام هذا الأسبوع والأسابيع المقبلة حتى أنتهي من الدورة التدريبية والدراسة لاختبارها والحصول على الشهادة.

قد أقوم بأخذ إجازة في بداية أغسطس وأخرى في نهاية ديسمبر، حيث يجب علينا تحديد أوقات إجازتنا السنوية هذه الأيام.

كانت لدي نية للكثير من الكتابة التي كانت تدور في ذهني خلال اليوم لكنني لا أمتلك الطاقة الكافية، حيث يجب علي النوم الآن حتى أتمكن غداً من الاستيقاظ مبكراً والمرور على جزئية محاضرة اليوم.

أستمع إلى هذه المعزوفة الموسيقية يومياً عند المشي مساءً وبقية الألبوم، تعرفت على هذا الموسيقار مؤخراً وأصبحت أفضل الاستماع إلى مؤلفاته عوضاً عن مقاطع البودكاست، على الرغم من أن لدي الكثير من المقاطع التي أرغب في الاستماع إليها، لكن موسيقاه ومؤلفاته تأخذني إلى مكان بعيد لطيف وتزيد رغبتي في تعلم عزف البيانو.

تصبحون على خيرٍ وتوفيقٍ وأرزاقٍ واسعة