من أنا؟

لا أعرف كيف أعرف نفسي.

لطالما احترت-ولا زلت- عن كيفية فعل ذلك، هل أنا اسمي، تخصصي، مهنتي ومسمايَ الوظيفي، أم أن نشأتي، بيئتي وجيناتي هي التعريف الأدق لي؟ هل أنا المدينة التي ولدت بها أم أنني المدينة التي يعود إليها أصلي؟

أشعر بالانتماء إلى كل شيء ولا أنتمي إلى أي شيء.

هل أنا من أكون عليه أثناء وحدتي، أثناء عملي، أم مع الآخرين؟

لازلت أتعثر في محاولة التعرف إلى نفسي وإيجاد نقطة توازن لي، نشأتي التي حملت التنوع والعديد من الأضداد جعلتني أتقبل المختلف ولا أنكره أو أستنكره لأنني كنت العديد من المرات أمثل ذلك “المختلف”.

وبالتالي أنا هي جل تلك الاختلافات والتنوعات والأضداد، درست الجامعة وتخصصت في تخصصي هرباً من الروتين ووقعت فيه، لا أزال أتنقل بين الوظائف والأماكن في محاولة لإيجاد ما يناسبني، وأفعل ذلك في حياتي أيضاً.

كانت دائماً المدونات والكتب عامةً مرجعاً لي عندما أشعر بعدم الانتماء، أطمئن إلى أن ما يدور في حياتي ونفسي لا يقتصر علي باختلاف أشكال وقوعه في حيوات أخرى، وأجد في الكتابة مستراحاً لي، لذا قررت بدء هذه المدونة وهو الأمر الذي أجلته سنيناً طويلة تردداً مني لعدم ارتقاء جودة كتاباتي ومواضيعي إلى مستويات المدونات التي أتابعها.

لذا آمل أن يجد من يقرأ هذه المدونة سلوانا وسلوَاً كالذي كنت ولا زلت أجده في المدونات والكتابات الأخرى. استرسلت في التعريف عن نفسي حتى خرجت عن صلب الموضوع، وهو ما ستجدونه يتكرر هنا كثيراً للأسف.

يومٌ ربيعيٌ في فصل الخريف

اليوم، عدت إلى عادة المشي باكراً صباح الجمعة في الهواء الطّلق ومن ثم تناول الإفطار في مكانٍ مشمس أحياناً وفي حديقة أحياناً أخرى.

كان أحد الصباحات التي كانت نفسي فيها هادئة وكانت ضربات قلبي منتظمة وتنفسي على وتيرةٍ واحدة ولا أشعر بحبالٍ معقّدة تتحرك طوال الوقت داخل معدتي، ولعل من يعاني من القلق المزمن يعرف أن هذا يعدّ من نعيم الدنيا المعجل.

الهواء منعش، باردٌ لدرجة تخفف حرارة الشمس لكنها لا تتسبب في برودة الأطراف والأنف.

أخذت قراراً البارحة بالتوقف عن محاولة القفز بين الأنظمة الغذائية، أرغب في الكتابة عن ذلك بشكلٍ مطول، ويا للحرية التي أشعر بها بعد شهرين من حساب كل ما أتناوله بالجرام بميزان الطعام.

بعد الغداء العائلي خرجنا لشرب الشاي في حديقة المنزل، كان الهواء لا يزال لطيفاً، وعندما بدأت الشمس بالغروب ظهرت بعض النجوم اللامعة في السماء ومن خلفها الشفق، كانت الأحاديث المتبادلة بسيطة دون جدال أو اختلافات في وجهات النظر. أتأمل والدتي وهي تشرب الشاي وتبتسم وتدندن بعض المدائح النبوية، أغمض عيناي للحظات لأتأكد من الاحتفاظ بهذه الصورة المتكاملة في ذاكرتي.

في طريق العودة إلى المنزل، أستمع إلى كوبليه يا بختنا، وأتأمل في تقلب الأيام والمشاعر، أحاول الانغماس في لحظة الصّفا وشعور الرضا دون إعطاء أهمية للأفكار التي تعبر رأسي ذهاباً وإياباً.

يقول Will Smith في مقابلته الأخيرة عن كتابه مع أوپرا: “لا يمكنك تجنب الصعود والسقوط ومن ثم الصعود والسقوط، تحمّل عندما يحدث ما يستدعي التّحمل واستمتع عندما يكون الوقت مناسباً لذلك، لكنك لن تفلت من منحنى الصعود والسقوط. احتجت إلى عدة تجارب لأدرك أن هذا لا يحدث لأني غبي، ولا لأنني ضعيف، ولا لأنني جبان، بل لأن هذه هي الحياة. وإن كنا نستطيع الاستسلام وتقبل الأمر فإنه سيكون بإمكاننا الاستمتاع عندما يحلّ الربيع، والتشمير عن سواعدنا عندما يحل الشتاء، لكن لا يمكننا تفادي الفصول”.

ماذا لو؟

‎شفت أمس مقطع قصير لشخص يتحدث عن كيف قسم الله الأرزاق بين الناس ونوعها، وأن البعض رزقه في المال أو العلاقات أو الأخلاق وكيف تستثمر أرزاقك عندما تتعرف عليها.

لكني اليوم بعد موقف ما جائتني فكرة معاكسة نوعاً ما: ماذا لو عرفت أن أرزاقك من شيءٍ أو شخصٍ ما-وهو في أصله وفي المتعارف عليه شيءٌ أو علاقة طيّبة تعين الإنسان على نفسه وحياته ويشد أزره بها- لا يشبه الأصل والسائد في شيء، أن تعرف أنه مصدر ألم مستمر، يعلو صوته أحياناً ويخفت أحياناً أخرى، وأن ترفع الراية البيضاء وتتوقف عن صراعات محاولات تغييره لشيء لن يكونه يوماً ببساطة، حتى وإن رغبت، حتى وإن ركلت الأرض بكل قوتك؟

‎ماذا لو قبلت رزقي من الألم عوضاً عن هذه الحسرة التي تجتاح قلبي عند تكرر المواقف، وعرفت أن هذا رزقي في هذا الجانب، ووضعت له إطاراً، تأملته، وشعرت بكل شيء حتى أقصاه، وأقفلت باب التوقعات وتعاملت معه على شكله الذي هو عليه الآن، لا على الأماني وتجارب الآخرين؟

أن أرضى بقسمتي فيه لأن لا يد لي فيه ولا خيار للتغيير، وأتقبله لأن رفضه هو رفضٌ لأمر قدري، وهذا يضعني في صراعٍ مستمر لا نهاية له ولا نورٌ في نهاية طريقه.
أن أفلت يدي من التشبث ب“المفترض” و“الصحيح”، وأحاول التشبث بما يهدي إلي بصيصاً من نور.

وأن أحاول رؤية هذا الألم بشكل مختلف وإضافة بعض الألوان عليه، أن أتعايش معه بما يمكنني من جعله جذراً لأشياء طيّبة أخرى.

ماذا لو؟

فأين تطيبُ؟

أجلس في المطار بانتظار رحلة العودة إلى الرياض، أستمتع بشرب كوب قهوة سوداء طيبة من مقهى لم أسمع به مسبقاً في المطار، ترددت قبل شرائه لأن قلة من الأماكن تستخدم بناً ذا جودة ولا تكون قهوتها ذات حموضة عالية، إلا أنني تفاجأت بأنها لا تحتوي على أي حموضة بل على العكس تماماً: وجدته من أفضل أكواب القهوة التي جربتها، وفكرت “يجعل سرّه في أضعف خلقه”.

كانت رحلة سريعة، منذ مدة وأنا أحاول التخطيط لزيارة المدينة إلا أنه في كل مرة كان يحدث ما يجعل ذلك غير ممكناً، كما أنني كنت لا أستطيع أخذ أيام عمل عن بعد أو تقديم إجازة خلال الأربعة أشهر الماضية لأن مديرتي كانت في إجازة.
لذا بعد أسبوع من عودتها قمت بأخذ أسبوعين للعمل عن بعد، كنت كلما أسمع أذاناً أشعر بحركة في قلبي ومعدتي اشتياقاً، سألت من حولي إذا كان هناك من يرغب في المجيء معي، جربت السفر وحيدة مرتين من قبل خارجاً فقط من أجل التجربة، إلا أن السفر برفقة طيبة لا أحتاج للالتصاق معها طوال الوقت لا يزال خياري المفضل.
كل من حولي لا يناسبهم الذهاب هذه الأيام، لذا قررت المجيء وحدي، وتم كل شيء بسرعة وتيسير.

لم أشعر مسبقاً أنه يمكن الشعور بهذا الشوق لمدينة أو مكان، أن أشعر وكأنها كائن حي. في الطريق من المطار كنت أراقب النخيل يتمايل في الواحات الصغيرة وأشعر بدفءٍ لطيف يغمرني، أشعر برغبة في الجلوس أمام الجبال وتأملها عدة ساعات.
جذوري التي أعرف كانت هنا، جذور الدم وجذور القلب. كنت كل مرة أزورها بمقتضى العادة وصلة الرحم، لكنني هذه المرة أزورها رغبةً وشوقاً.

بعد صلاة فجر اليوم التالي أقيمت صلاة الاستسقاء التي لم أكن أعرف أنها ستقام يومها، لم أصلِّ الاستسقاء سابقاً، جئت هنا بحثاً عن السكون والألفة، وأنا في أشد الحاجة ليروى قلبي وتروى روحي، لأحط رحال تخبطي حتى وإن كان ذلك ليومٍ واحد، والرمزية هذه “جبرت” خاطري.
قرأ الإمام في الركعة الأولى “الضحى” وجاءت “ما ودعك ربك وما قلى”، ثم تلى في الركعة الثانية “الشرح” وجاءت “فإن مع العسر يسراً، إن مع العسر يسراً”.

ثم بدأ الإمام خطبة صلاة الاستسقاء ب: “الخلق فقراء إلى الله لا غنى لهم عنه في جميع أحوالهم، يلجؤون إليه في الشدة والرخاء، وهو سبحانه واسعٌ حميد يعطي من سأله بسخاء مديد، يداه مبسوطتان بالإنفاق سحّاء الليل والنهار ويكشف كل كرب شديد، نجّى ذا النون من لجج البحار والماء القفار، مرجوٌّ للعطاء والإحسان، سخر مع سليمان عليه السلام جنوداً من الجن والإنس والطير فهم يوزعون، لا راحم ولا واسع للعبيد سواه، رحم أيوب عليه السلام فكشف عنه الضر وأكرمه بجراد من ذهب، لا ملجأ ولا مفر منه إلا إليه، استغاث به نبينا صلى الله عليه وسلم في بدرٍ فأغاثه بماء وأنزل جنوداً لم يروها، وهو فارج الكربات ومغيث اللهفات، أنزل على نبينا صلى الله عليه وسلم أمناً بعد خوفٍ في الغار، وهو العالم بالظواهر والنيات، اصطفى من الملائكة رسلاً ومن الناس، مستوٍ على عرشه، كبيرٌ كوّن الأكوان ودبّر الأزمان، وأغشى اللّيل على النهار، ملكٌ عظيمٌ يقول للشيء كن فيكون، صمدٌ قهّارٌ “.

شعرت أن قلبي غُسل و”شُطف” بماء جارٍ كما “يشطف” أهل الشام أرض ديارهم.

تأملت في تأخر قدومي كل مرة كنت أخطط الزيارة فيها، وكيف أن الرسائل التي حملتها هذه الرحلة كانت هي ما أحتاج وأتعطّش إليه، معظم الأمور عادت إلى نصابها الحقيقي، تكشفت لي حقائق وجرت على لساني دعوات لم تخطر لي يوماً.

هدأت وسكنت نفسي المضطربة المتخبطة، أشعر أني ارتويت بعد ظمأ طويل لم أكن أدركه، ازدادت رئتاي اتساعاً وأصبحتا تسمح لمزيد من الهواء بالدخول، وكأن أحدهم ربت على كتفاي وأزال عن قلبي ثقلاً كاد أن يصبح جزءاً منه.

صلى الله على ساكنها الحبيب، المظلل بالغمامة، خير الخلائق أجمعين.

الحمدلله على فضله وإحسانه وجزيل عطائه، الحمدلله الذي يخرج الحي من الميت، والذي يحيي الأرض بعد موتها، الحمدلله على كرمه، الحمدلله المبدئ المعيد، الذي يحيي العظام وهي رميم.

الثلاثون من تشرين الأول

أفضل دائماً حجز مواعيدي يوم السبت صباحاً، لأنني لا أفضل الركض للمواعيد بعد العمل أو أثناءه خلال الأسبوع والتورط في ازدحام الشوارع.

بعد الذهاب للموعد، أتناول الإفطار في أحد أماكني المفضلة التي لا تزيد عن أربعة، انضم إليها مكان خامسٌ مؤخراً. الأماكن هذه يدخلها نور الشمس صباحاً، تكون هادئة ويرتادها الهادؤون، طعامها طيب نظيف طازج، وتكون غالباً روح صاحبها وتعامله مع موظفيه منعكساً على شعورهم الذي ينعكس بدوره على الشعور بالمكان.

أكمل القراءة في الكتاب ذاته الذي لم أنهِه منذ عدة أشهر، أخطط بقلم الرصاص جزئيات أعتقد أني أود اقتباسها أو العودة إليها مستقبلاً.
أتناول لقمة، ثم أسرح بعيداً وعيناي ثابتتان على قطعة عالقة في باب المكان يحركها هواء التكيف المركزي باستمرار، أتأمل في الدخان المتصاعد من كوب الشاي، في قطرات المياه المتجمعة أعلاه. يمنحني هذا الوقت المستقطع فرصة لانتظام التنفس ونبضات القلب.

هناك علاقةٌ شديدة القرب من قلبي مشاعراً ودماً ظننت أنني أغلقت الباب عليها وعرفت كيف أتعامل معها إلا أن مشاعري هذه الأيام تثبت عكس ذلك. أنظر للسنين الثلاثة الماضية وأشعر وكأنها عامٌ واحد، كيف مضى هذا الوقت سريعاً؟

أن يتغير من لاصقت منذ وجدت على وجه الأرض تغييراً مفاجئاً حاداً، ويتخذ طريقاً يختلف تمامًا عنك فتصبح لا تناسبه ولا تناسب طقوسه ووجهات نظره، ليعتبرك من الماضي الذي لا يحب تذكره، ويغلق الباب في وجهك فجأة دون أي مقدمات. تمر الأيام والليالي والأسابيع، تظن أنها مجرد فترة يخوض فيها صراعاً وسيعود لرؤية الأمور على حقيقتها، أنه سيحن على الأقل كما تفعل أنت، لكن السنين تمضي والمسافة تزداد ويصبح للبعد والجفاء أرضاً صلبة يصعب إعادة تشكيلها.

تلملم نفسك وتحاول الوقوف على قدميك مراراً وتكراراً، أنت لا تستطيع العتب ولا الملامة لأنك تعلم أنه يخوض صراعاته ويبحث عن إجاباته، تترك له المساحة التي طالبك بها عنوة دون أن يقول كلمة واحدة عنها، لكنك تترك بابك مفتوحاً على مصراعيه ليعلم أنك موجود دائماً ومحبتك له لم تتزحزح.
يصيبك اهتزاز ثقة في كل من وما حولك، وفي نفسك.

تحاول المضي قدماً في حياتك، لكنك لا تستطيع محو ذاكرتك، والجزء من ذاكرتك الذي يجمعك به يتجاوز الجزء المتبقي.
تتصفح أحياناً صور الهاتف المحمول ويؤلمك هذا الكم.
اللقاءات لا تزال متكررة، لكنه يؤديها كجزء من واجباته الدينية لا أكثر.

سألتني المُعالجة في أواخر الجلسات: كيف شعرتِ بعد هذا التغيير؟
أخبرتها أنه في النهاية يختار كلٌ منا طريقه مهما بدا غير منطقي للآخر، أفهم أن هذا الاختيار لم يكن متزناً لكنني أعرف تفاصيل تاريخه وتجاربه لذا أتفهم كل هذا.
قالت لي: أود فقط تنبيهك إلى أنك تقومين بتبرير منطقية الخيار، لكنني سألتك عن شعورك،
لم أستطع إكمال الحديث بعدها.

لا تزال هناك مرارة عالقة، لكنني اليوم أحاول قطع الأمل المبني على الماضي وعلى منطقية العلاقات، على الرغم أنها من أقل الأمور منطقية في الحياة.
أحاول أن أوصد هذا الباب في داخلي، وإن كنت سأستمر في فتحه كلما طرقه، أن أراه لما هو عليه الآن، وأن أتعايش مع ألم الفقد المصاحب لأن للفقد أشكالاً عدة، فبالإمكان جداً أن تفقد شخصاً لا يزال حياً وإن كنت لا تستطيع مشاركة ذلك مع الآخرين صراحةً.

الحادي والعشرون من تشرين الأول

لم أقم اليوم بأي مهام في العمل٫ حيث كان اليوم عبارة عن نشاط اجتماعي للتواصل مع الفرق الأخرى في مقر مختلف عن المقر اليومي للعمل.
لا أحب أو أفضل هذه الأنشطة في العمل وأشعر أنها مسرحية تمثيل كبرى، فليس هناك أي ألفة أو انسجام أو صلة باستثناء العمل، أضيف إلى ذلك التاريخ السابق الغير لطيف من الاحتكاكات.

أثناء جلوسي اليوم وإلقاء أحدهم لكلمة ألح علي السؤال الذي أسكته دائماً لأنني لا أمتلك حلاً واضحاً: ما الذي أفعله؟ ما الذي أفعله هنا؟

أشعر أن كل ذرة في جسدي وروحي ترفض وجودي هنا وتتعارك معه، أناجي بصمت: يارب الانسجام والألفة والمعنى والدليل.

أشعر أنني أتحسس ما حولي في الحياة ليزداد إحساسي الداخلي هذا بالانفصال عن كل شيء، أشعر وكأنني أصارع نفسي لأحاول تقبل العالم حولي كما هو، صخب المدينة الذي لا يهدأ، ازدحام الشوارع المستمر وغضبها واستعجالها، محاولة إيجاد جذرٍ فيها يساعدني على العودة إلى الأرض كلما رفعني القلق إلى الهواء، البحث الدائم عن السكون والصمت لتهدئة النفس سريعة الفزع، تقبل كوني أشبه بنبتة تختلف اختلافاً صارخاً عن كل البقية في كل أرض زُرعت بها، مقاومة ألا يكون هذا سبباً يسمح لي بالانكماش والاختفاء دائماً.
مقاومة هذا الشعور الآلي ذا الطعم المعدني الصدئ الذي يغطي معظم العالم والأشياء والعلاقات، محاولة التذكر الدائم أنني لست شيئاً منسياً، أن مكوني الأهم هو الروح التي نُفخت في جسدي وإن كانت الموجة العامة هي تشييئها، أن هذا التعطش المستمر لما يشعرني بإنسانيتي ويشعر الآخرين بذلك منطقي.

أحاول التفكير فيما يجعلني لا أنسى ذلك وفي اتصال دائم معه.
أشتاق أحياناً كثيرة إلى الحديث مع المعالجة التي لم أتحدث إليها منذ ما يزيد عن شهرين، لكنني أرغب في الحديث معها كشخص يعرف كل شيء (البير وغطاه) دون حاجة للتوضيح. غريبة هي هذه العلاقة، شخص تسكب له قلبك وعقلك لكنك لا تستطيع رفع السماعة عليه لأنك اشتقت للحديث معه.
غريب هو الإنسان عن نفسه، وغريب كيف يستميت للوصول إليها دون وصول حقيقي.

أرى الأرض والأعمدة تموج وتتداخل في بعضها ولا أملك سوى تأملها والاستمرار في التحرك بهذا الشعور الآلي، أشعر بأنني اقتربت من النور عدة مرات، كأني مغمضة العينين في ظلام دامس ولم أرَ النور، بل أحسست بأثره على جفناي المغمضين، ولكنني كلما أمّنت له وفتحت عينايَ آملة رؤيته اختفى مبتعداً.

إلا أن دفئه على جفناي منحني بعض الأمل، أعلم أنه هناك وليس محض خيال وأحلام.

ضاعت وسط الزحام

يقول طلال مداح رحمة الله عليه: “تسعة وعشرين عام ضاعت وسط الزحام”، ويقول الدكتور غازي القصيبي رحمه الله: “خمسٌ وستون في أجفان إعصارِ، أما سئمت ارتحالاً أيها الساري؟”

اليوم أكمل واحداً وثلاثون عاماً على كوكب الأرض، ضاعت وسط الزحام ووسط أشياءَ أخرى عديدة، وقد سئمت الارتحال وأتوق جداً إلى حط الرحال، في هذه الدنيا التي تبدو أحياناً حقيقية جداً وطويلةً جداً وأبدية وأحياناً أخرى يعينني في تخطيها فكرة أنها مؤقتة قصيرة جداً وأننا يجب أن نعاملها (كراكبٍ استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها)، وأعتقد أن من يملك وضعها في هذا الموضع فقد ملك الدنيا وما فيها.

البارحة تذكرت فجأة أن اليوم يصادف يوم ميلادي، وخطر في ذهني حينها أنني أرغب في قضاء اليوم بهدوء، أن أعود من العمل وآخذ قطعةً من كعكة التمر بدقيق اللوز التي خبزتها يوم السبت لأتناولها مع نعانيع المدينة، وأجلس لأقلب السنة الماضية في ذهني. خطر لي أن أعود لأقرأ ما كتبته السنة الماضية (لأقارن التغيير) لكنني أحسست أنه من الأفضل أن أفكر وأكتب بناءً على ما يملؤ ذهني وقتها وبناءً على إحساس اللحظة.

إلا أنني أنهيت ليلتي بمكالمة قصيرة في ظاهرها ولكنها تسببت في ضغط كل “الأزارير” التي أعمل جاهدةً على ضبطها، لكني الآن لا أقاوم ذلك ولا أغضب، بل أحس بضعفٍ بشري شديد وبشكٍ عميق في جدوى ما أعمل عليه جاهدة. ويستمر ذات السؤال بالظهور على السطح، أتذكر ظهوره أول مرة في أحد الصباحات في طريقي للعمل عندما استمعت إلى آية “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار”، حينها خنقني هذا السؤال: هل أنا شجرةٌ خبيثة؟ هل يمكن لتعفن الجذور أن يعالج للأبد أم أنه يختبئ تحت السطح ليعاود الظهور دائماً مرة أخرى؟

أتأمل السنة الماضية، أتأمل القيعان الجديدة والأكثر عمقاً التي وصلت لها ولم أرَ للنجاة سبيلاً، محاولة التسليم المليئة بالأسئلة والألم والضياع. لا زلت لم أجد وزنيةً أستطيع الانطلاق بها ومنها بثبات واتزان. لا أعلم إن كان هذا نهائياً لكنني أشعر أنني وصلت إلى نهاية قصتي مع جلسات العلاج. كانت كثيرة الفائدة في العامين الماضيين، ساعدتني في “فكفكة” كل ما كان مشوشاً ومركباً ومعقداً وهي أمور شديدة الثقل، لكني فجأة وجدت نفسي في الهواء إن صح التعبير. فلا منهجية متينة أستطيع استخدامها لتحسس طريقي ولأعيد تعريف نفسي وعلاقاتي وجذوري، ولا أسس ثابتة تتجانس مع الواقع والمعطيات تمكنني من الاتصال بما تم تفصيله بشكل لا يؤذيني دون الانقطاع عنه تماماً لاستحالة ذلك.

وكأن الهواء والخواء يحيطان كل شيء، ولا أمتلك رفاهية إيقاف كل شيء آخر يجري والجلوس والتبحر والتمعن والتقصي لمحاولة لم هذا الشتات وإعادة تعريف وتثبيت الأساسات.

أتمنى أن أمتلك القدرة على مواجهة حقائق الحياة دون تجميل ودون جزع، أن أتمكن من الإحساس بالألم هذا دون أن يأكل جزءاً من روحي في كل مرة، وأن يغمرني الله بطمأنينة ورضى ويقين يغسل بها قلبي وينزع عنه القلق الذي عُجن به وأن يشفي ظُلمته، وأن يدلّني على أسباب ذلك.

عدم الارتباط بعمل ذو المعنى

أجلس على مكتبي، أراجع قائمة المهام الرتيبة البليدة التي علي القيام بها، أحاول شحذ همتي للبدء فيها، أنتهي من نصفها وأحرك رأسي إلى اليمين لألاحظ الكتاب القابع هناك منذ ما قبل “الجائحة” وقبل الانقطاع عن مقر العمل، أنهيت حينها ما لا يزيد عن خمسين صفحة وتركته في المكتب لأني لم أعلم بالطبع أننا سنعمل عن بعد لمدة عام ونصف تقريباً.

يتحدث الكتاب عموماً عن أسباب الاكتئاب، الأبحاث التي تمت على ما يخصه، اتجاه الطب النفسي إلى علاجه استناداً على أنه اختلال في كيمياء الدماغ دون الأخذ في الاعتبار الاختلالات التي قد تكون رئيسية جداً في حياة الإنسان.

بعد إجراء بحث مطول لعدة سنوات توصل الكاتب إلى وجود تسعة أسباب له، وكان السبب الأول: عدم الارتباط بعمل مجدي أو ذو المعنى.

أغلقت عيناي بمجرد ما قرأت العنوان، بعد أقل من شهر سأكمل عامين في مقر العمل الحالي، وهذه أطول مدة أقضيها في مقر عمل واحد. ولكنني كما ذكرت سابقًا لا أود الهرب هذه المرة إلى أقرب فرصة ممكنة، بل أود بذل ما في وسعي للتأكد من المكان القادم سيكون أفضل بدلاً من العودة إلى الدوامة ذاتها في كل مرة.

تذكرت المشهد الصباحي لليوم، عدة عمال يقطعون شارعاً غير معد للمشاة ويرتدون قمصاناً كُتب عليها من الخلف “I love my job” “أحب وظيفتي”. وانتابني ذات الشعور المزعج.

ذاته الذي ينتابني كل يومٍ صباحاً وأنا أشاهد مجموعة كبيرة من العمال يقفون في طابورٍ طويلٍ جداً للتأكد من درجة حرارتهم، يرتدون نفس الزي، ثم يمشون إلى نفس الاتجاه بالترتيب ذاته.

جاء الفصل هذا في وقتٍ مناسبٍ جداً، ووجدت أن الشعور الذي يعتصر أيامي مؤخراً له أبعاد حقيقية وليس أمراً مُتَخَيلاً:

يتحدث الكاتب عن (جو) البائع في محل الطلاء، الذي يقوم بنفس العمل بالترتيب ذاته كلما قام زبون بزيارة المحل ليطلب طلاءً، كل يوم وطوال اليوم:
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
يأخذ طلب الزبون
يهز علبة الطلاء
يشكر الزبون
ينتظر
وهكذا

لا أحد يلاحظ ما إذا كان قام بعمله على أكمل وجه أو بشكل سيء، يلقي مديره بملاحظاتٍ إذا كان متأخرًا فقط.

أثناء حديثه مع الكاتب، أخبره (جو) أنه يعلم أن هناك من يقاتل للحصول على وظيفته وأنه ممتن لامتلاكها ويشعر بالذنب لشعوره السيء تجاهها.
يقول (جو): “لستُ مثقفاً بما يكفي للشرح، لكن هناك شعورٌ غامر، هناك حاجةٌ لشيء ما لملء هذا الفراغ، على الرغم من أنك لا تستطيع أبداً وضع يدك على ما هية هذا الفراغ”.

يعلم أن الناس يحتاجون إلى الطلاء في حياتهم وأن عليه أن يكون شاكراً لأنه يمتلك هذا العمل، لكنه لا يستطيع ابتلاع فكرة أن هذا سيكون شكل حياته خلال الثلاثين عاماً المقبلة.

بناءً على دراسة يشير لها الكاتب، ٨٧٪ من الناس يجدون بعضًا منهم في قصة (جو).

يقول الكاتب أن هناك عرضاً للاكتئاب يسمى (الغربة عن الواقع)، وهو عندما يشعر الشخص أن كل شيء يقوم به غير حقيقي. ويعتقد أن هذا رد فعل طبيعي ومنطقي وبشري إذا عملت في وظيفة تشبه وظيفة (جو) طول حياتك.

ومن ثم يتطرق الكاتب إلى بحث طويل مفصل لأحد العلماء عن ارتباط ذلك بمعدلات الاكتئاب والقلق.

لا أعلم متى سينتهي شعور الحبسة هذا، ولا أعرف سبيل الخروج منه، ولا أمتلك تصوراً لشكل الوجهة التالية أو ماهيتها. لكنني أعلم أن هذه المرحلة مرهقة وطويلة وشديدة الانعزالية، هلامية لكن لها ثقل جبلٍ صخري، أشعر خلالها بوسع العالم وشديد ضيقه ومحدوديته.

أحاول مواجهة حقائق الحياة دون تجميل، أحاول معرفة طريقي فيها دون مثالية، أحاول أن أكون واقعية دون أن يأكل اليأس من روحي.

الأسبوع الماضي، بعد عامين تقريباً من الجلسات الأسبوعية أخبرت الأخصائية أنني أرغب في أخذ استراحة من الجلسات، أخبرتها أنني أشعر بأن عقلي فارغٌ تماماً ولا أمتلك ما أقوله، والحقيقة أنني تحدثت كثيراً عن كل ما لم أتحدث عنه يوماً. لكنني أشعر أنني وصلت معها إلى مرحلة لا تستطيع أن تنفعني خلالها إن صح التعبير.

أحتاج إلى إيجاد جذوري، إلى إعادة تعريف مرجعيتي، وهي لا تملك إرشادي إلى ذلك.

قد تكون الإجابة في القاع

أجلس في مساحة عملٍ مطبقة الصمت حتى أنني تذكرت صمت قاعات الامتحانات، أحاول إنجاز مهام العمل التي أحتاج إلى مصارعة نفسي وقلبي وشعوري حتى أنجزها. أشعر كأنني أضع عقلي في مربع متناهي الصغر.

يمر الصباح بسلام، أنجزت معظم المهام، ثم يأتيني اتصالٌ منه لأسائل عن تأخير في العمل ليس لي علاقةٌ به، يبدأ الغضب يجري في دمي. أحد مشاكل التعامل المستمر مع هذه الشخصيات أنك تصل إلى مرحلةٍ يصبح فيها كل شيء رمادياً ولا تعود تميز ما إذا كان الأمر خطؤك فعلاً أم لا، ويصبح هذا الشك المستمر في نفسك شديد السّميّة.

بعد أن أغلق الهاتف أشعر باختلال اتزاني، وبأن هذا التعامل المباشر معه والذي قد يصل لأربعة أشهر حتى تعود صاحبة المنصب الفعلي من إجازتها للتعامل معه بدأ يأكل من روحي. أحاول فصل شعوري عنه وعن العمل ولكن ذلك يجعلني أشعر بأنها بداية فصلٍ لمشاعري عن كل ما ومن يحيطني سلباً وإيجاباً.

لا أملك تجزئة مشاعري وإطفائها أو خفض صوتها وأثرها حينما أرغب في ذلك ومن ثم السماح لها بالسريان حينما لا يكون الخطر محدقاً.

ليس لدي خيارٌ آخرٌ واضح الآن والطريق يبدو شديد الضبابية، لكنني لا أستطيع التوقف عن سؤال نفسي ما الذي يستحق هذا كله؟

نعم، هناك دخل مادي يفتح أمامي عدة آفاق، هناك احتكاكٌ بالآخرين بدلاً من الفراغ التام، هناك طريقٌ أسلكه وأحاول تحسس مكاني فيه وإن كان ذلك يبدو كالوهم الذي “أضحك به على نفسي” أحياناً.

أين يقع الخط الأحمر الفاصل بين حاجتنا للعمل الواقعية وبين ما يخل بجذور أماننا النفسي واتزاننا؟

أرى كل شيء يتكرر مرة أخرى في كل عمل ووظيفة تقريباً باختلاف شكل الأحداث، أصطدم بذات الجدار مرة تلو الأخرى.

يبدو الاستلام مغرياً أكثر من أي وقت مضى، تميل نفسي إلى أن أفلت يدي عن زمام كل الأمور، إلى أن أترك العمل وكل شيء آخر تماماً، أن أنعزل، أن أصل إلى ما تحت الصفر، إلى أعمق نقطة ممكنة في القاع، علّني أجد بعض الإجابات هناك.

من العايدين

أجلس في هدوء لذيذ أرتشف الشاهي “المنعنع” المتبقي من ضيافة فطور العيد اليوم. هذا العيد وعلى سبيل التغيير دعوت عائلتي لإفطار العيد في منزلي بدلًا من أن يكون الإفطار مشابهاً إلى حد كبير للاجتماع الأسبوعي يوم الجمعة.

كانت هذه المرة الأولى التي أدعوهم فيها جميعاً لأنني كنت أتجنب ذلك نظراً لعدم اتساع المكان لكنني في نفس الوقت قررت ذلك لأزيح بعض العبء عن كاهل والدتي، ولإضفاء بعض التغيير للعائلة إضافةً إلى أنني أرغب منذ مدة بدعوتهم لمنزلي بعد التغييرات الجذرية التي خضع لها العام الماضي.

صحيح أن أقدامي حالياً متحجرة وأشعر أن ظهري متيبس، إلا أن قلبي ممتلئ ولله الحمد. أشعر أن دخول الضيوف إلى المنزل يحمل معه دائماً بركة وتجديداً ما، يحرّك طاقة المكان ويجدد شعوري نحوه.

هدوء لذيذ بعد عاصفة لذيذة. أرغب في التمسك بهذا الشعور والغرق فيه قدر المستطاع وعدم التفكير في أي شيء آخر، أود غمر نفسي في هذه اللحظات وتناسي ما ينتظرني، فالأسابيع الماضية كانت شديدة الثقل نفسياً ولا زلت لا أعلم مالذي يمكنه انتشالي من القاع الذي وصلت إليه سوى لطف الله الذي لا أمل لي بسواه. أشعر بنفسي وعقلي وروحي مؤخراً وكأنها غرفة قام أحدهم بقطع الكهرباء عنها تماماً ولا أعرف كيف أرى طريقي أو أجد سبيلي إلى الضوء والهواء مرة أخرى. كنت سأسهب في الكتابة عن ذلك البارحة ولكن هذه الكهرباء التي انقطعت شملت طاقتي الكتابية أيضاً وشعرت أن أصابعي شديدة الثقل على لوحة المفاتيح.

أتذكر مقولة للدكتور أحمد خالد توفيق رحمه الله لا أذكرها بحذافيرها ولم أستطع إيجادها عن لحظات من السكون والسلام والصفاء يبدو كل شيء في العالم في مكانه الصحيح خلالها ونتمنى بقائنا فيها إلى الأبد.

وجودنا جميعًا حول طاولة واحدة بصحة وعافية، لا نزاعات دفينة، قيام إخوتي ب”تثقيل دمهم” على والدتي، الأحاديث الصاخبة، الأصوات المرتفعة والضحكات المجلجلة، أرغب بنسيان نفسي هنا لأنني أخاف العودة إلى نفسي مرة أخرى.

أحب في العيد أنه يمنح هذه المساحة: سأنسى وأتناسى “بالقوة” إن لم أنسَ اليوم وبعد ذلك “يحصل خير” وأحب هذا التغيير في الروتين الذي يتقبله الجميع ويحتفي به دون اعتراضٍ أو امتعاض.

كل عامٍ وأنتم وأحبابكم بخير وصحة وسلامة وعافية، جبر الله قلوبكم ونفوسكم ومسح عليها بالرضى والألطاف والرحمات والعطيات، وأسبل عليكم شفاء الظواهر والبواطن إنه على كل شيء قدير وبكل شيٍ محيط.

ضوء في آخر النفق

أشعر أنني في الفترة الحالية أمر بمرحلة انتقالية مفصلية، تبدو الأمور في ظاهرها كما هي هادئة وادعة ساكنة، لكنني داخلياً أشعر بأنني أنتقل من مرحلة وشخص كنته واعتدته طوال السنوات الماضية إلى مرحلة “أنخل” فيها أشياء عدة كانت لصيقة بي. وكأنني كنت أرى العالم ونفسي بألوان مختلفة جداً ثم بدأت الألوان في التغير، وخلال هذا التغير هناك الكثير من التشويش وتداخل الألوان الذي علي محاولة تفنيده وتصنيفه بكل صبر وروية.

هذه المرحلة الانتقالية غير مريحة البتة، تأخذ وقتاً وجهداً وتحتم علي الجلوس مع مشاعر اعتدت الهرب منها أو تجنبها، لكنني أعرف أن في ثمارها تزكية وتصفية للنفس.

مؤخراً عدت للاستماع للشيخ محمد أيوب رحمه الله، كان الصوت الذي أنام على سماعه في طفولتي وربما لهذا ولوقتٍ طويل كان مرتبطا لدي باللحظات المفصلية التي تسبق صراع الخلود للنوم الذي نقاومه في صغرنا ونتطلع إليه حين نكبر وتزداد المسؤوليات.
في أحد الأيام أثناء مشوار الذهاب إلى العمل، استمعت إليه وهو يقرأ سورة فاطر، شعرت وكأنها المرة الأولى التي أستمع إليها فيها، وكأن أقدامي المعلقة في الهواء قلقاً بدأت في العثور على أرض صلبة، وأصبحت أصطحب سماعها هذه الأيام صباحاً كل يوم.

بعد الانتهاء من أحد الجلسات ذات العيار الثقيل التي تتركني أحيانًا مع شعورٍ مثقلٍ بحدة مشاعري وتشابكها وتساؤلات حول جدوى الحديث وما إذا كانت هذه البذرة التي أشعر في أوقات كثيرة بأنها “غير طيبة” أبداً ستتحول يوماً ما إلى شيء طيب ذا ثمر حسن أم أنها ستظل هنا دائماً، أغمضت عيني وشعرت بأن الظلمات كثيرة ومتراكمة، ثم فجأة زارتني خاطرة لم تزرني من قبل: أن الظلمات حيثما ذكرت في القرآن فهي بصيغة الجمع أما النور فهو دائماً مفرد، أن الظلمات طبقات وأشكال متعددة المصدر، أما النور وآثاره فله مصدر واحد، وأن نور السماوات والأرض هو الغالب والقاهر والقادر والشافي وإن شعرت أنني في قاع الظلمات.

أن رحلتي وإن كانت صارخة الاختلاف فهي جزء من قدري، أن ما أنا عليه الآن وما أمر به هو جزء لا يتجزء
من الرحلة وإن كان فهمي واستيعابي وعلمي قاصرين عن سبب ذلك.
وشعرت بالضوء في آخر نفق.