منتصف أيار

أكاد لا أصدق مضي قرابة أسبوعين منذ آخر مرة دونت فيها، أرغب في الالتزام بالتدوين حتى وإن لم يتعدى ذلك سطرين. مضت العديد من الأفكار والتأملات دون أي تدوين حتى في دفتري على الأقل. الوقت سريع الاختفاء، أقضي نهاري كاملاً في العمل من الساعة الحادية عشر صباحاً وحتى الساعة الخامسة وأحياناً السادسة مساءً، أمشي لمدة نصف ساعة تقريباً، يؤذن المغرب، أتناول الإفطار وأجلس مع عائلتي قليلاً لأجدها قد أصبحت التاسعة والنصف، أكمل خطواتي وأتمرن، أحاول إكمال ختمتي، أنام لساعتين قبل وقت السحور، أستيقظ لتناول السحور وصلاة الفجر، أنام بعدها لأجد اليوم التالي قد بدأ، وهكذا دوليك.

أتمنى الاحتفاظ بشعور ما بعد التمرين المنعش لأشعر بهذه الطاقة قبل البدء به ولا أحاول التحايل على نفسي حتى أبدأ، أعتقد أن جانباً من الموضوع هو الخوف على ركبتي التي قطعت شوطاً حتى أخفف ألمها عن طريق العلاج الطبيعي الذي اضطررت لوقفه بسبب الظروف الحالية. يا لتعقيد ودقة تركيب جسم الإنسان.

وللأسف أغلب المدربات الشخصيات اللاتي اشتركت معهن سابقاً لا يعرفن التعامل معها بشكل صحيح، إضافة إلى أن أغلب التمارين الموجودة على الإنترنت حتى تلك التي تدعي أنها لأصحاب الإصابات قد تضر أكثر مما تنفع، لذا تعلمت الاستماع لصوت جسدي من ناحية الألم والقدرة.

مضت نهاية الأسبوع بشكل سريع جداً قد يعود السبب إلى أنني لا أتطلع إلى يوم الأحد حقيقةً. ترهقني وتقلقني الفوضى. لكن قد تكون فوضى العمل التي بدأت منذ شهرين تقريباً جعلتني أنتبه إلى أن قلقي الذي ظننت أنني أصبحت أستطيع التحكم به بشكل أفضل لا يزال موجوداً، لكن العوامل المثيرة له اختفت لفترة، وعندما عادت عاد بكل قوته إلى جسدي ونومي وذهني وضربات قلبي.

لا أشتاق إلى هذا الشعور المزعج، الأفكار الصاخبة المتراكضة، ضربات القلب التي تكون خارج الرتم، الرغبة في الانعزال لأقنع نفسي بعدم عقلانية هذه المشاعر وأن كل شيءٍ مؤقت مهما طال، وهذا أحد الأمور القليلة المحكوم بقطعيتها في الحياة.

عند قرائتي البارحة لهذه الآية: “أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا“، أغلقت عيناي وحاولت رسم هذه الصورة، لا قلق ولا جزع، لا مخاوف ولا آلام، لا فوضى أو ضياع، وشعرت بشوقٍ عارم لها.

الأسبوع الأول من أيار.. تقريباً..

لم أكتب شيئاً منذ عدة أيام، ثلاثةٌ على وجه الخصوص واليوم كاد أن يكون رابعهم. لا أحب أنا أشارك كتاباتي شديدة القتامة لأنني لا أعتقد أن هناك من يستحق أن يقرأها، حتى أنا لا أعود إلى قرائتها بعد كتابتها.

كانت الأيام الماضية مليئة بالصراعات النفسية وبدء ذوبان الوقت في مهام العمل إن صح التعبير، فنهاراً أعمل على المهام المعطاة لي، وليلاً يدب النشاط في الزملاء ويبدؤون بالرد على الرسائل الهاتفية التي أرسلتها لهم نهاراً. مديرٌ يبدو أنه غير منظّم يرد على مواضيع لأكتشف أن الردود تخص مواضيع أخرى، قسمٌ مليءٌ بالأشخاص المشغولين والمهام المتعددة التي لا تجد منهم وقتاً كافياً لتوجيه شخصٍ مستجدٍ لديهم، ولكن يستمرون في إلقاء هذه المهام. لا تناسبني هذه الفوضى ولا أستطيع التأقلم معها فحتى نومي أصبح مزعجاً. أستيقظ قلقةً بشكل مستمر وأشعر بازدحام دائمٍ في العقل والقلب. لا أعتقد أن هناك أي سبب يبرر لأحدهم إرسائل رسائل هاتفية بعد منتصف الليل في رمضان أو غيره، طالما أن عملنا لا ينطوي على إنقاذ الأرواح.

صراعي النفسي مع العمل دائماً يأخذني بعيداً حيث لا أحب. تنقلت بين أماكن العمل والوظائف بشكلٍ متكرر: خمسة وظائف في ستة سنوات. وكنت كل مرة أستقيل فيها ينتابني إحساس رائع وعظيم بالحرية على الرغم من القلق المتعلق بالمستقبل. وأسأل نفسي: هل يعقل أن هذا هو ما سأستمر بعمله حتى أبلغ الستين؟ الحياة كبيرة والوصول إلى المعنى يحتاج إلى صفاء الذهن والعمل على صفاء القلب.

أحياناً يخيل لي العمل وكأنه أمرٌ شديد اللزوجة يصر على الاتصاق بي وأحاول إبعاده لكنني لا أستطيع. تهمني استقلاليتي المادية وحرية الاختيارات التي تأتي معهامن أبسط الخيارات إلى أكثرها تعقيداً، لكن معنى الحياة وعدم قضائها واستنفاذ طاقاتي وجهودي في وجهةٍ واحدةٍ يهمني أيضاً.

كنت أتنقل بين الأعمال اعتقاداً مني أنني أعرف مالذي يناسبني، حتى فقدت الأمل والوجهة في مكان العمل السابق والحالي، لم أتخذ أي خطوات من قبلي للتغير بل كان التغيير بسببب أسبابٍ خارجية مقدرة. كنت أسجد وأدعو ولا زلت، فالرؤية شديدة الضبابية والأرض تحت قدمي مستمرة في الحركة. هل تصوراتي عن الواقع شديدة المثالية؟ هل لا أستطيع الانسجام مع واقعي بسبب أفكارٍ ليست أفكاري؟ أم أن هذا هو شعوري الحقيقي اتجاهه؟

يضيق صدري من هذه الدائرة، وأسائل صديقتي: حتصفى؟ تجاوبني: أعتقد إنها حتصفى، لا أعرف كيف ومتى لكنني أعرف ذلك.

تقولها الست تومة بشكل أكثر شاعرية: وأرجع وأسأل عقلي هو الزمان حيروق لي؟

تعلمت من هذه التجربة الاستغناءً تماماً عن التمسك بتصوراتي عن نفسي وعن رغباتي، ورأيت رأي العين أن ما نرغب به بشدة قد يكون أكثر أمرٍ لا يناسبنا. أن من يتعلم توكيل أمره في وقتٍ مبكر ويعلم علم يقين أن الأمور تجري بمقادير الله فقط وكل ما سواه مجرد أسباب يكن من أكثر أهل الأرض راحةً، ولكنني لا أزال في بداية الرحلة.

الثاني من أيار

حاولت دفع نفسي لترك السرير قبل الساعة الحادية عشر مُحاولةً إصلاح ما أفسدته في عطلة نهاية الأسبوع.

وبسبب الخطأ الذي أرتكبه دائماً: حشو مجففة الملابس حتى أنتهي من هذه المهمة بأقل خطوات ممكنة، خرجت الملابس بالأمس وهي مجعدة بشدة (تبدو الكلمة شديدة الغرابة عند تكرارها)، وقضيت نصف نهاري في كيّها وأنا أتأمل في أول إنسان قرر أن الملابس يجب أن تكون خالية من التجاعيد حتى تكون مرتبة.

حتى أخفف وقع هذه المهمة، استمعت إلى حلقة من بودكاست بريني براون عن الوحدة والعلاقات، تطرقت فيها مع الضيف (وهو طبيب) إلى عدة جوانب مثيرة للاهتمام تتضمن وجود ثلاثة أبعاد للعلاقات البشرية: الصداقة، العائلة والمجتمع حتى تُشبع حاجة الإنسان للتواصل الاجتماعي، فقد يكون الشخص في زواجٍ رائع أو يكون له والدين مثاليين لكن وجود نقص في أحد هذه الأبعاد سيشعره بالوحدة، كما أنه يتعزز شعورنا بالوحدة عندما نتواجد حول أشخاص نحبهم ويحبوننا إلا أننا لا نستطيع إظهار حقيقة أنفسنا أمامهم. وحتى يكون لتواصلنا مع الآخرين أثر إيجابي يجب أن يكون نابعاً من رغبة في تكوين علاقة صادقة معهم وليس من أجل الحصول على رضاهم وتقبلهم، وتطرق إلى علاقة الوحدة بالثقة بالنفس، حيث أن من يشعر بالوحدة يعتقد أنه كذلك لأنه لا يستحق محبة أحدهم.

كيف للعلاقات البشرية، وهي أمرٌ بسيط لا نوليه كثيراً من الاهتمام أن يكون له هذه القدرة المهولة على مساعدة الإنسان على التشافي من آلامه وصدماته. أننا نولد برغبتنا الطبيعية في التواصل مع الآخرين ثم نغطى بطبقات من توقعات الآخرين، الاعتقادات المجتمعية والخزي من التجارب التي فشلنا فيها. والشعور بالخزي الذي تم توريثه من الحاجة للآخر، والذي يجعلنا نمضي قدماً في الحياة معتقدين أن حاجتنا للآخر تقلل من شأننا. وأخيراً تحدثا بإيجاز عن بحث استرعى فضولي وهو بحث جوليان هولت عن الوحدة وعلاقتها بالأمراض الجسدية.

رنّ هذا الحديث المتبادل جرساً في ذهني، هذا الحاجز الذي أضعه دائماً في علاقتي مع الآخر دون قصد خوفاً من إظهار الضعف والحاجة، الحاجة للاستقلالية التامة بالمشاعر حتى لا تُؤذى خوفاً من الشعور بالألم، وضع مشاعري في صندوق عند تعاملي مع من أحب تحسباً لاختفائهم المفاجئ الغير مبرر.

أعتقد أن إظهار الضعف البشري والحاجة للآخر هو ما يجعل أي علاقة صادقة خالية من التكبر وترسبات المخاوف، وأن أشجع الناس وأقواهم هو من يتمكن من إظهار ضعفه لمن يحب، وأوفرهم حظاً هو من يجد من يجيد احتواء هذا الضعف بمحبة دون استنقاص أو خذلان، ولا أستطيع نسيان الصورة الذهنية التي رسمتها للحبيب صلى الله عليه وسلم وهو يقول للسيدة خديجة “زملوني زملوني”.

أنهيت يومي بالاستماع إلى القلب يعشق كل جميل، علاقتي بهذه الأغنية -والتي أعدها تجربة أكثر من كونها أغنية فقط- شديدة العمق فقد كانت خلفية لعدة مراحل في حياتي. أستمع إليها وأتذكر فترات مظلمة كنت أظنها سرمدية وكانت “اللي هويته اليوم دايم وصاله دوم” تبعث على طمأنينة استمرار الوصل بطبيب الأرواح والقلوب حتى إن انقطع الوصل بغيره، وأن الأُنس به سبحانه غاية الأمنيات ومنتهاها. أستمع إليها وأشعر بالحب الغامر في “سلّم لنا تِسلم.”

الأول من أيار

حقيقةً لا أعرف لم وقع اختياري على الشهور السيريانية في تأريخ يوميات المدونة.

استيقظت اليوم بعد الساعة الثانية عشر ظهراً بسبب مواصلتي يوم الأمس وهو ما كنت أتجنبه منذ بداية رمضان، ونجحت في قلب الروتين الذي كان مناسباً.

استيقظت بذكرى موقفٍ وشعورٍ غير لطيف من الماضي، لا أعرف كيف تعمل أدمغتنا وكيف تقرر أن تجعل الأشياء تظهر على السطح دون سابق إنذار، أعتقد أن الابتعاد عن الاحتكاك المكثف بالآخرين له دورٍ في استعادة ما كان تحت الأنقاض.

قررت الخروج والدوران في الحي بلا هدى لتحريك سيارتي التي لم تتحرك منذ أكثر من شهر حتى لا تتعطل بطاريتها. كأن عضلة القيادة قد ضمرت وتحتاج إلى إعادة تأهيل من جديد بسبب انعدام استخدامها، هذا هو الإحساس الذي انتابني.

جلست للرد على رسالة بريد الكتروني من نوع الرسائل التي تعيد قرائتها وتود الاستمرار في فعل ذلك عدة مرات وتمنع نفسك من الإسهاب في الرد كي لا يستحيل إلى معلَقة، لم يزرني هذا النوع من المشاعر منذ مدة طويلة.

بعدها بدأت في مراجعة مستندٍ طلب مني شخص عزيز مراجعته له، ولا أدري لم انتباتني مشاعر الرغبة في البكاء أثناء فعل ذلك على الرغم من أنه مستندُ شديد الرسمية ولا يستدعي أي مشاعر. من أهم رفاهيات أن يكون للشخص مساحةٌ تكون له وحده يقضي فيها بعض وقته أنه يستطيع البكاء متى ما شعر بالرغبة في فعل ذلك دون أدنى مقاومة، ودون أسئلة عن الأسباب وفزع، لأن الباكي أحياناً عدة لا يستطيع وضع يده على الأسباب. أعتقد أنها أحد وسائل القلب والجسد للتفريغ وهو أمرٌ أنظر له على أنه صحي خاصةً في هذه المرحلة.

بعد الإفطار قضيت مع أختيَّ عدة ساعات على الطاولة في أحاديث عن العلاقات والصداقات والحقائق دون إحساسٍ بالوقت.

أنهيت يومي بمشاهدة حلقة أخرى من سلسلة مقابلات أوبرا التي بدأت فيها يوم أمس، يبدو أنني سأقضي على الحلقات المتبقية خلال يومين.

الثلاثون من نيسان

يترتب على انتقالي للقسم الجديد في العمل التعامل مع ما نسميهم بـ”مالكي الأعمال” أو “Business Owners”، وهم الزملاء أصحاب الأعمال والمشاريع داخل مقر العمل التي نقوم بمراجعتها والعمل عليها. ومن حسن حظي أنني ابتليت في بداية انتقالي بشخصٍ كثير الاتصال ويحسَب أن الأمر كن فيكون.

حقيقةً، لا أفتقد أبداً إلى هذا النوع التشغيلي/الروتيني من العمل، بل انتقلت إلى هذه الوظيفة هرباً من ذلك في وظيفتي السابقة، وفي غضون عدة أشهر انتقلت إلى قسم مشابه. أشعر بصراعٍ نفسي لإرغام عقلي على إنجاز المهام وأجد صعوبةً للإبقاء على انتباهي أثناء العمل عليها. أثق أن دعواتي المكثفة ستضعني في المكان المناسب بإذن الله ولكن علي سلوك هذا الطريق الذي لا يتراءى لي سواه آنياً. وإن لم أخرج منه إلا بتعلم التوكل التام من التجارب السابقة طالما أن الأسباب خارج يدي.

لدي الكثير من الموز شديد الاستواء، واحتفالاً بيوم الخميس -التي لم تخبُ لذته مع الالتزام بالبقاء في المنزل بل ازدادت- قررت تجربة هذه الوصفة من خبز الموز وأضفت بعض قطع الشوكولا الداكنة إلى الخليط.

وبما أنني أصبحت مؤخراً أفضل مشاهدة مقابلات خفيفة لا تحتاج إلى كثيرٍ من الانتباه والتركيز-وعموماً أعتقد أن المقابلات هي من أكثر ما أستمتع بمشاهدته للتسلية بعد بعض المسلسلات والأفلام- فقد أنهيت يومي بتناول قطعةٍ منها ومشاهدة مقابلة أوبرا مع صديقتها المفضلة.

الثامن والتاسع والعشرون من نيسان

استيقظت في اليوم الخامس من رمضان بمزاج غير متزن. أحاول التركيز في مهام العمل.

كانت جلستي مع المعالجة اليوم مليئة بالبكاء الذي سمحت لنفسي به أخيراً “عن بعد” (أو ربما حاولت ابتلاعه لكن لم أتمكن من ذلك)، كانت تسألني عن مشاعري اتجاه حدثٍ ما، بدأت بوصفه بمنطقية وذكر أسبابه وتحليله، سألتني عدة مرات عن مشاعري وطلبت مني التوقف عن التفكير والتحليل بمنطقية، وأن علي الانتباه للآلية هذه التي أقوم بها دون انتباه للهرب من وصف مشاعري لأن ذلك يضعني في مكان غير مريح أبداً.

دائماً قبل الجلسة أخبر نفسي أنني لن أجد موضوعاً لأتحدث عنه، ودائماً أتفاجئ بالمشاعر التي وضعتها ولا زلت أضعها (تحت السجادة) وعواصف المشاعر بعدها. فكرة أنني لا أسمح لنفسي بمشاعرة عدة إلا إذا أخبرني أحدهم أن هذه المشاعر طبيعية.

سمعت معالجة في حلقة بودكاست تقول أن بعض مدارس العلاج بالحديث قد تتطلب خمسمائة جلسة حتى يكون الأثر واضحاً. من تجربتي الشخصية أعتقد أن العلاج بالحديث له أثر تراكمي أستوعبه حين أقارن بين وضعي حالياً وبين أول مرةٍ قررت فيها تجربته.

بدأت اليوم السادس من رمضان بطاقةٍ ومزاجٍ أفضل، أعتقد أنني وجدت الوزنية المناسبة لتوزيع وجباتي وتماريني: وجبة رئيسية بعد “فك الريق” بعد صلاة المغرب، أتمرن بعدها بساعتين أو ثلاث وأخلد للنوم، ثم أتناول سحوراً مغذياً قبل أذان الفجر بنصف ساعة. كما يبدو أن إدخال العصير الأخضر إلى الإفطار بدلاً من اللبن كان عاملاً مساعداً.

أتمنى أن أستطيع المحافظة على هذا الروتين.

السادس والسابع والعشرون من نيسان

في فجر اليوم الثالث من أيام رمضان أُعلن فك الحظر الكلي في مدينة الرياض والسماح بالتنقل بين الأحياء وإعادة فتح عدة نشاطات تجارية منذ الساعة التاسعة صباحاً وحتى الخامسة مساءً.
قدرة الإنسان على التأقلم تبهرني في كل مرة، فقد صعب على ذهني استيعاب فكرة أنني قادرة على حرية التنقل نهاراً فقد اعتاد على العكس تماماً خلال الأسابيع الماضية وكان هدوء الحي يصم الآذان.
أتخيل لقاء الأمهات والآباء بأبنائهم اليوم (بعيداً عن التجمعات).

دخلنا في اليوم الرابع من رمضان ولازلت في محاولة فهم أسباب عدم تقبلي جسدي للنظام الغذائي على الرغم من أن طاقتي كانت شديدة الارتفاع عادةً في رمضان، هل هو أمرٌ نفسي أم جسدي؟ لا أدري.

وصلت اليوم طلبيتي من آيهيرب أخيراً، طلبت عدة أنواع شاي لأحاول الاستعاضة بها عن الوجبات الخفيفة أثناء مشاهدة أو قراءة ما أحب. سأقوم بمشاركتها هنا إن شاء الله إن أعجبتني. وبسبب استغراقي في تعقيم أغراض شحنتي نسيت اجتماع الساعة الثانية عشر ظهراً وتذكرته في آخر خمسة دقائق منه. شعرت بالخزي والتأنيب الشديدين لأنني لا أمتلك سبباً حقيقياً فعلاً والخطأ تلبسني، عدا قلقي الدائم من تفويت المواعيد وحضوري دائماً قبلها بنصف ساعة على الأقل. تملكني هذا الشعور لنهاية اليوم.

وأخيراً قمت بتنازل مانجو جازان للسحور والتي أعجبتني حقيقةً وسأقوم بطلب المزيد عند بدئهم في إعادة الشحن إلى الرياض.

الرابع والخامس والعشرون من نيسان

لم أكتب مدونة مستقلة لكلٍ من اليومين الماضيين لأن الأيام حقيقةً بدأت بالتشابه والتداخل، أجد نفسي أحاول أن أتذكر عدة مرات خلال اليوم ما هو اليوم وكم التاريخ، هل أنهينا يوماً أو يومين من رمضان؟

في اليوم الأول من رمضان بقيت على السرير فترة طويلة، كنت في تلك الحالة بين النوم واليقظة التي امتلئت بالأحلام الغريبة والمضحكة أحياناً. أشعر بانعدام الطاقة على الرغم من أن الصيام عادةً يمدني بها.

بدأت أول يومٍ من برنامج رمضان ريست الذي تحدثت عنه في المدونة السابقة، كان الحديث اليوم عن النية والوعي. تكرر الحديث عن النية عدة مرات أمامي مؤخراً وتنامى إلى ذهني أني منذ مدةٍ طويلة لم أنظر إلى النية بمفهومها الواسع ونسيت عقدها وربطها بشكلٍ عام في كل ما أقوم به، أعتقد أن النتائج ستكون مختلفةً غالباً حينها.

اليوم الثاني من رمضان لم يخلُ من الأحلام المتكررة المزعجة. كان يوماً عاصفاً مليئاً بالرياح القوية والأمطار ولكن شديد الحرارة وشبه منعدم التهوية (إن صح التعبير).

قضيت اليومين الماضيين دون وعيٍ حقيقيٍ بالوقت وبما أستغله فيه، عدّة مشاعر متضاربة، أحاول التفاهم مع ذاتي والتوصل إلى جذر هذه المشاعر الغير منطقية في كثيرٍ من الأحيان. أشعر بإحباطٍ عندما لا أكاد أجد الجذور وأشعر أنني مجرد شخص سهل الجزع والقلق والحساسية. أحاول تغيير صوت التحدث إلى نفسي إلى صوتٍ أكثر تفهماً وأقل تقريعاً. ثم أسائلها فيما إذا كان فعل ذلك هو تمييع وتركٌ للنفس على هواها دون محاججة ومراقبة. أتمنى أن أُرزق حكمة فهم واستيعاب ورؤية هذا الحدّ النحيل الفاصل بين الضفتين. ألا يكون حديثي مع نفسي شديد اللؤم دون تضييع للتربية والمراقبة.

الثالث والعشرون من نيسان

تركت يوم الأمس دون تدوين لأنني لم أجد شيئاً لأدونه حقيقةً، كان يوماً تفننت فيه في تضييع وقتي.

استيقظت اليوم قبل العادة وقبل المنبه حتى، سقطت في النوم سهواً على الأريكة بعدها واستيقظت بتوتر. اليوم هو يوم قياس الوزن واكتشفت أن وزني لا يزال يتأرجح زيادةً ونقصاناً في ذات الرقم منذ 3 أشهر، علّ رمضان يحركه.

تناولت فطوري المتكرر المفضل: سلطة الجبنة البيضاء الفرنسية التي أستمتع بفرم خضارها بكل هدوء وصمت، بجانب شاهي أحمر بالنعانيع وهو من أفضل اكتشافاتي مؤخراً فهو خلطة مشكلة من خلطة مشكلة من نعانيع المدينة المنورة (التي اشتقت إليها): نعناع مغربي، حبق، ورد مديني، دوش، عطرة، نما.

قمت بعدها بطلب مكافأة لنفسي (على الرغم من أن وزني لم يتحرك وأعرف أن فعل هذا يبطء عملية النزول ولكن..) وهي عبارة عن مربعات الكراميل من Hanoverian. قمت بعمل القهوة العربية تجهيزاً لمراسم الاستقبال.

أتاني تذكير تقويم الجوال باجتماع كنت قد نسيت وجوده، حضرته وأنجزت بعض المهام. كان التركيز صعباً جداً ورأيت أثر السكر الأبيض رأي العين من ارتفاع الطاقة الفوري ومن ثم انخفاضها بحدة والخمول الشديد.

أفكر في التسجيل في هذا البرنامج لتغيير علاقتي مع الطعام والاستماع لجسدي لأني أؤمن أن هذا هو التغيير الحقيقي الذي أحتاج إليه.

شعور غريبٌ يحيط باليوم، غداً رمضان ولكنه رمضان مختلف كما يقول الجميع. لا أستطيع وضع يدي على الشعور هل هو سيء أو جيد، فقط غريب إضافةً إلى أنني سأقضيه خارج منزلي وهو ما لم أفعله سابقاً..

أنهيت اليوم بالاستماع لحلقة من حقك تعرف لبودكاست مع هبة حريري، والتي تحدثت فيها عن الفروقات بين المعالج النفسي والطبيب النفسي والأخصائي ومساعد الخصائي وبعض أنواع العلاجات النفسية.

الواحد والعشرون من نيسان

أخيراً انتصرت اليوم وتمكنت من العودة للاستيقاظ مبكراً بنشاط والمشي خارجاً بعد صلاة الفجر.

أحب الهواء والسماء بعد الأيام الماطرة، كل شيءٍ يبدو جديداً ومنتعشاً. أعددت بعدها لنفسي إفطاراً بخبز البطاطس الذي كنت أبتاعه من الدانوب قبل إلزامنا بعدم تجاوز الأحياء التي نقطنها (تبقى حبة واحدة)، ودلة قهوةٍ عربية، والتي يبدو أني أدمنتها بعد أن كنت لا أشربها إلا في المناسبات. قمت بطلب كيلو إضافي منها من بيت التحميص..

تمكنت اليوم من إبقاء نفسي في الغرفة التي اتخذتها مكتباً لي وقضيت معظم يومي في إنجاز العديد من مهام العمل ولله الحمد، يبدو أن مشاعر اليوم المتزنة والنشاط الذي أشعر به تعويض عن مشاعر البارحة شديدة الانخفاض. جعلنا الله من ذوي الأثر الطيب على مشاعر الآخرين.

انتهيت من التمرين، وتناولت وجبة الغداء-عشاء والتي كانت أحد وجباتي المفضلة (سليق ودقّس) أثناء مشاهدة مسلسلي الغير مثير للانتباه أبداً وهو النوع الذي أفضل مشاهدته أثناء تناول وجبة الغداء، قاربت على الانتهاء منه ولا أدري ماذا سأشاهد بعدها.