العشرون من نيسان

قضيت اليوم ساعةً ونصف في إعداد وجبة الإفطار والتي كانت عبارة عن فطائر محلاة خفيفة بوصفة فهد اليحيا بجانب بعض البيض المخفوق مع الفلفل الأحمر البارد، البصل الأخضر والطماطم. ومن ثم أستغرب من ركض الوقت وعدم تمكني من اللحاق به..

ارتديت ملابس التمرين حتى نهاية اليوم ولكن لم تكن لدي الطاقة الكافية للقيام بذلك.

غريبٌ هو ضعفنا البشري، كيف يضعنا موقفٌ متناهٍ في الصغر أو سؤال عادي في ركنٍ شديد الضّيق أمام فيض من المشاعر المنهمرة، يُرجعنا عشرات السنين إلى مشاعر ذلك الطفل الخائف المنزوي وراء الباب، الناقم على حساسيته المفرطة.
الطفل الذي لا يملك سوى وضع أصابعه في أذنيه لطمئنة نفسه، الصامت ذعراً، والذي يبحث في خيالاته ومجلات ميكي وبطوط عن هروبٍ من الواقع دون إدراك فعلي لذلك.
الطفل الذي يختلق ويعيش أحلام يقظةٍ تأخذه بعيداً عن الحاضر ليمضي ساعاتٍ طويلة هناك، حتى تبدأ تختلط مع الحقيقة.
الطفل الذي يتوق إلى دفء ويقين المعامِلات الثابتة في حياته.

لا زلت لم أصل لنقطة سلام مع هذه المواقف الصغيرة، ولا زال شعور انتفاخ البلعوم الناتج عن ابتلاع الكلمات مصاحباً لها.

أخاطب نفسي لتهدئتها ومحاولة استعادة التوازن: يوماً ما -بإذن الله- سيكون فيض المشاعر المؤلمة هذا حقبةً وذكرى أعود للمرور عليها في دفاتري وبين كتاباتي فقط، لن يعود الألم المتجذر في جوفي أكثر مشاعري صدقاً وألفة.
يوماً ما سأكون أكثر جَلَداً وأقوى قلباً وسأتمكن من التجاوز والمسامحة. سيكون قلبي أكثر قدرةً على الحب، وسيتوقف عن الهرب منه خوفاً وانتهاجاً للبعد والابتعاد والصمت عن التعبير، حمايةً لصاحبه الطفل الذي لم يعد طفلاً بل قارب على بلوغ أشدّه.
يوماً ما سيسمح للحب أن يغسله، برداً وسلاماً، وسيُكسر هذا الجليد المحبوس بداخله.

ربت على يومي طبق الجريش الدافئ، وصوت الرعد والأمطار التي تذكرني دائماً بحجم العالم واحتمالاته.

الله يبعتلي ويبعتلكم أيام حلوة

التاسع عشر من نيسان

لم أستطع إبعاد جفناي عن بعضهما هذا الصباح. لا زلت أحاول بدء يومي مبكراً حتى أنتهي من مهام العمل وأفعل الأمور التي أرغب في الاستمتاع بها، لكن الوقت يبدو وكأنه يتسرب من بين يدي. 

بدأت بعدها بالعمل، ووجدت أن الانعزال في غرفةٍ غير تلك التي أقضي معظم وقتي فيها عادةً ساعدني على الإنجاز أخيراً، أفكر في شراء مكتب للعمل عليه لأنني لا أعرف كم ستدوم هذه المدة، ولكنني لم أعد أفرق بين حاجتي للشيء فعلاً وكون ما أفعله محاولة للهرب. أخذت فترة استراحة قصيرة للقيام بالتمارين الرياضية وأكلت غداءً خفيفاً إلا أن رأسي أصبح ثقيلاً بعدها. قضيت وقتاً طويلاً أحدق في شاشة جهاز العمل دون أن أقوم بفعل شيء. أنهيت يومي بالتسوق من آيهرب والاستماع لـحلقة قصاصات الأخيرة والتي أحببتها كثيراً.

تراودني نفسي عن التوقف عن الالتزام بنشر اليوميات هنا والاكتفاء بكتابتها في دفتري الخاص، رغم أنني أجد صعوبةً للأسف في الكتابة بخط اليد وأجد الكتابة على لوح المفاتيح أسرع، لكن الكتابة بخط اليد أكثر عفوية.

دخلت عالم النوم أثناء مشاهدة كيفية إعداد الشابورة الحلوة في قناة فتاةٍ يابانية أحب الهدوء التي تبعثه، كنت في رحلة بحثٍ عن الشابورة الحلوة المثالية تشبه تلك التي كانت تُصنع في منزل جدتي رحمها الله، وقد أجرب هذه الوصفة يوماً ما.

الثامن عشر من نيسان

استيقظت بمزاجٍ متعكر دون سبب واضح. أتمنى معرفة اختيار المزاج لجانبٍ يصحو عليه ويقرر أن يغيم على بقية اليوم.

قررت تناول البديل الصحي للنوتيلا على الإفطار محاولة لتحسين مزاجي بعض الشيء، قيمته الغذائية ليست رائعة ولكنها أفضل من غيرها، لا أفضّل تناول السكر الأبيض بشكل عام على الأقل في المنزل.

اتصفحت بعض المدونات والمقالات التي أحتفظ بها هنا للعودة لها في أوقات الفراغ. بدأت بعدها بتجهيز الغداء، نسيت آخر مرة قمت بطهو وجبةٍ حقيقية فيها وأشتاق لفعل ذلك في هدوء تام. الحمدلله على كل حال. كانت النتيجة مرضية إلى حدٍّ ما، لا أزال أحاول معرفة المقدار المناسب من الملح للطبق.

قضيت فترة ما بعد الغداء في محاولة لمقاومة النعاس الذي أثقل جفوني..

الكثير من الوقت الضائع في السرحان وأحلام اليقظة، أتمنى أن تمتلك عقولنا خياراً كجهاز الآيفون لنستطيع التحكم من خلاله بعدد ساعات السرحان كتحكمنا بعدد ساعات استخدام منصات التواصل الاجتماعي.

لست متطلعة كثيراً إلى الغد وعودة شعور الضياع في العمل، أحاول التسليم.

أنهيت يومي بمحادثة مع صديقة، اقترحت علي قراءة مذكرات آن فرانك بما أنني أحاول تدوين يومياتي هذه الفترة، وقد يكون أول كتابٍ أقرأه على جهاز لأنني أفضل اقتناء الكتب الورقية ولكنني لا أرغب في انتظار الكتاب لعدة أسابيع.

السابع عشر من نيسان

استيقظت في العاشرة، أستمتع جداً بكسل وبطء صباحات نهايات الأسبوع حيث لا شيء يستعجلني، ولا حتى إمكانية الخروج من المنزل لتناول الإفطار، المشي في حدائق الرياض واكتشافها أثناء شروق الشمس أو تجربة مكان قهوة جديد، كما كانت العادة قبل الوضع الحالي.

بدأت يومي بمشاهدة محادثة “لماذا اخترت التشافي” بين نوف حكيم وحنان الشهري من باب الفضول، أكثر ما استرعى انتباهي هو حديث حنان عن تواصلها مع الطفلة التي بداخلها، وهذا المقطع من حديث نوف: “قرأت بوست لدونا لانكستر تقول فيه: عشان نتشافى لازم ننتبه أول شي فين إحنا اتعورنا ونوصل النقاط بين الحاضر حقنا بالماضي، وأن نسمح لنفسنا نحزن ونتألم على الأشياء اللي صارتلنا وما كان المفروض تصرلنا والأشياء اللي كان نفسنا فيها وما جاتنا، نسمح لنفسنا نحس بالألم بدال ما نهرب من الإحساس”.  

ربما لم أكن مقتنعةً تماماً أو حتى واعية في السنين الماضية بعلاقة الطفولة بمعاناة الحاضر حتى بدأت في رحلتي الشخصية وقرأت كتاب

اشتريت الكتاب دون تخطيط من إحدى مكتبات البحرين أثناء التجول فيها. الكاتبة هي طبيبة أطفال عملت على افتتاح مركز لصحة الشباب وذلك بسبب ما توصلت إليه من استنتاجات عند علاجها للأطفال وربطها للأمراض المزمنة الجسدية والنفسية بالصدمات والصعوبات التي يتعرض لها الإنسان لها أثناء الطفولة، وأثر ذلك على الكود الجيني، الهرمونات، استجابة العقل، القدرة والمرونة في التعامل مع صعوبات الحياة كبالغين. كان يزداد تعجبي مع كل صفحة، ولم يتبقَ أحدٌ حولي لم أخبره عن الكتاب. ازداد الأمر تأكيداً لي عندما تأملت في حياتي وحياة من حولي.

بعدها تناولت غداءً عائلياً مصغراً، حيث أن زيارات أيام الجمعة متوقفة نظراً لظروف الحظر، فأصبحنا ثلاثة على طاولة المطبخ بدلاً من عشرين شخصاً على طاولة غرفة الطعام. غريبٌ هو الهدوء الذي يحيط بالطاولة، كنت لا أتمكن من سماع صوتي سابقاً بين عدة متحدثين كلٌ يريد أن يروي موقفاً أو يُبدي وجهة نظر، يمازح الآخر ويستفزه. سبحان مغير الأحوال.

أنهيت يومي بإعداد طبق معكرونة بسيط أثناء الاستماع لـمي فاروق وهي بالنسبة لي أفضل من غنى ويغني لأم كلثوم رحمها الله. شاهدت مقاطع الفيديو التي التقطتها عندما حضرت حفلتها الغنائية في مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) نهاية العام الماضي وأنا أفكر في سرعة تقلب الأحوال وتغيرها في مدة لا تذكر. 

السادس عشر من نيسان

بدأت يومي بإنهاء مهام العمل كما هي العادة، أصبحت أتطلع إلى عطلة نهاية الأسبوع أكثر من السابق.

أعد فطوري وأتناوله بكل بطء، أحاول الانتهاء من تماريني قبل ذلك. بدأت الأيام تتشابه إلى حدٍ ما لذا أصبحت أكثر حرصاً على تدوينها لنفسي على الأقل. قررت التدوين بخط اليد في المساء ومن ثم كتابة المدونة صباح اليوم التالي ابتداءً من الأسبوع المقبل.

على الرغم من تأملي أن أصبح قادرة على استقطاع مزيد من الوقت للقراءة والكتابة، إلا أن الوقت أصبح أكثر ازدحاماً بالمهام، وأصبح التركيز في المهام لإنجازها أكثر صعوبة.

فبعد العصر، أعددت القهوة العربية للمرة الثانية في حياتي والتي ابعت البن الخاص بها من بيت التحميص، أعتقد أنه سيصبح طقساً يومياً بعد طلب المزيد من البن وذلك لتميز طعمه، أحب في المتجر أنهم يحكون قصة حبوب البن ابتداءً من زراعته وحتى ملئ الأكياس به، تناولت معها كعك الجزر والقرفة المعد منزلياً.

وفي المساء أنهينا مشاهدة أن أرثودكس على نتفلكس، مختلف عن غيره من المسلسلات وتمكن من جذب انتباهي، فمؤخراً على الرغم من التقليب المستمر والبدء في مشاهدة عدة مسلسلات تم التوصية بها إلا أنني لا أكاد أجد شيئاً يستدعي انتباهي ويحافظ عليه. بدأنا في مسلسل مصري قصير “في كل أسبوع يوم جمعة” والذي لم يكن خياراً جيداً قبل الخلود إلى النوم ولكن لدي فضول لاستكماله. أتمنى العثور على مسلسل خفيف لطيف مثل “سابع جار” هذه الأيام.

وبالطبع سأضطر إلى صيام ١٦-١٨ ساعة ابتداءً من آخر وجبة تناولتها اليوم بسبب ما تناولته. 🙂

الخامس عشر من نيسان

قررت اليوم تأخير النهوض من السرير رغبةً في تحسين طاقتي وتركيزي. أتصارع مع نفسي لبدء العمل والتركيز فيه وإنهائه.

أحاول إشغال نفسي عن السؤال الأكبر الذي يلاحقني منذ أن بدأت في العمل قبل ستة سنوات، هل هذه هي المهنة التي أرغب بالاستمرار فيها حتى سنين متقدمة من عمري؟

جربت عدة مجالات في دائرة المهنة، لم أنسجم تماماً مع أي منها، لكنني أجيدها خاصة مع تراكم الخبرات والتجارب. ولست أمتلك هوايةً  (سوى القراءة) أو حرفة أو مهنة أخرى أود الاشتغال بها. لذا فهذا هو الخيار الوحيد الحالي أمامي إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً.

قرأت مرةً أننا لا يجب أن نربط عملنا بشغفنا وأنه لا يشترط أن نكون شغوفين بعملنا حتى نكون سعداء متصالحين مع حياتنا. ممتنة للفرص التي تقاطعت معها وتعرفت من خلالها على من أعدهم أعز أصدقاءٍ لي حالياً، وأن الأمور التي تيسرت لي لا تتيسر لغيري بالضرورة. لكن هذا الصراع اليومي مع النفس للتركيز والعمل لا أجده عند القراءة في مواضيع مختلفة.

في عدة أحيان ينتابني شعور فأرٍ محبوس في ترس الرأسمالية والعالم الحديث. معايير التوظيف، الخيارات المتاحة، العمل نصف أيامنا في وظائف محددة، انتظار الإجازات السنوية وعطل نهاية الأسبوع، صعوبة إيجاد أوقات لممارسة الأمور التي تستميلنا ونرغب باكتشافها والاشتياق لأفراد أسرتنا وأصدقائنا وتصيد الفرص لرؤيتهم.

ومن ثم أتسائل عن المعنى في استغراق حيواتنا في أمرٍ كهذا. صنع الإنسان لنفسه نظاماً عالمياً ومن ثم حُبس فيه.

ولكن، يقول فيكتور هوجو في كتابه “الإنسان يبحث عن المعنى”:

“Everything can be taken from a man but one thing: the last of the human freedoms—to choose one’s attitude in any given set of circumstances, to choose one’s own way.”

“يمكن أخذ كل شيء من الإنسان إلا آخر حرياته البشرية: أن يختار الموقف الذي يتخذه في أي ظروف تواجهه، أن يختار الإنسان طريقه الخاص.”

وهو ما أذكر نفسي به في نهاية مطاف هذا الصراع المتكرر، أنني لم أختر هذا النظام العالمي ولا تفاصيله، لكنني أستطيع اختيار ردود فعلي وتصرفاتي (إلى حدٍ ما) أو العمل على أن أكون أكثر وعياً بها وبجذورها اتجاه كل شيءٍ أقوم به يومياً، أن أحاول إتقان عملي والإخلاص فيه ومساعدة نفسي والآخر بما أمتلك، وألا أكون سبباً في تعسير حياة الآخرين.

الرابع عشر من نيسان


تنويه: قد لا يكون لهذه المدونة وقعاً إيجابياً على نفس من يقرؤها.

استيقظت اليوم بشعورٍ غير متزن، عاودت النوم لساعة بعدما انتهيت من طقوسي الصباحية عل تركيزي يتحسن لأستطيع إنهاء مهام العمل. وللأسف، لم يفلح النوم في فعل ذلك.

كان اليوم موعدي مع أخصائيتي، أحدث نفسي كل أسبوعٍ عن اختصار المواعيد لتصبح مرة كل أسبوعين بدلاً من كل أسبوع. لم تناسبني المواعيد عن بعد. كانت لدية رغبة عارمة في البكاء خلال موعد اليوم لكنني ابتلعتها “كما هي العادة” لأنني أحسست أن منظري سيكون مضحكاً وأنا أبكي في محادثة فيديو. من يهتم؟ لا أحد سواي للأسف.

بعد البدء أحسست أنني في نفس دائرة الحديث منذ ما يتجاوز السبعة أشهر، أتحدث عن ذات الأحداث والأشخاص والمشاعر كشريط كاسيت تالف. انتابني إعصارٌ من المشاعر السيئة، مللت سماع نفسي كل أسبوع. هل سيجد النور طريقه إلى نفسي يوماً أو سأجد طريقي إليه؟

كلما تحدثت عن حياتي بصوتٍ مرتفع أحسست بالعجز. لا شيء يبدو باعثاً على الطمأنينة، لا الماضي ولا الحاضر ولا المستقبل. أسائل نفسي، هل يوجد في الكون غير هذه المشاعر الملتصقة بي منذ الولادة؟

النور يبدو بعيداً وشبه مستحيل كالشمس المغطاة بالأتربة، يلوح لي أحياناً طيفه ويلامس روحي أحياناً ثم يخفت ويختفي تماماً. أحاول إقناع نفسي بالاستمرار لأنني لا أمتلك حلاً آخر سوى التمني والدعاء

الثالث عشر من نيسان

وأخيراً تمكنت اليوم من الاستيقاظ مبكراً. ويا لحسن حظي! فعندما خرجت للمشي بعد صلاة الفجر تفاجأت بجمال الجو ومنظر السماء. تأملت فيها وفي الأصوات كما لم أتأمل من قبل، كيف تفرد الطيور الكبيرة جناحيها بثبات بينما تقوم العصافير الصغيرة بالقفز. بقايا قمر الليلة الماضية وهو يختفي بين الغيوم، إضاءة أطراف الغيوم بأشعة الشمس أثناء إشراقها وتغير ألوان السماء، أصوات العصافير المختلفة. أغمضت عيني وتوقفت عن المشي، إحساس النسمة الباردة وهي تلامس وجهي، انسجام صوت أوراق الشجر على الأرض مع تحرك الأشجار، الهدوء والسكينة بسبب انعدام وجود السيارات، غمرني إحساسٌ بالجمال والسلام اللا متناهيين..

يا الله، أتمنى ألا يتوقف قلبي يوماً عن الإحساس بجمال خلقك وبنسمات ألطافك ومحبتك.

بدأت أيامي تصبح حافلةً بضغط العمل، لا زلت أحس بالضياع مع القسم الجديد خاصةً مع انعدام التواصل وجهاً لوجه وتحرجي من كثرة الأسئلة عن طريق الهاتف والرسائل.

أجد صعوبةً في الاستمرار على التغذية الصحية هذه الأيام، لا زلت أمارس المشي والصيام المتقطع، لكني أجد ميلاً لم يصبني منذ فترةٍ طويلة للإكثار من الأكل الغير صحي. أعتقد أنني أحاول نسيان قلقي والتعامل مع تقلباتي المزاجية التي عادت من جديد هذه الفترة.

صباح اليوم كان شعوري منتعشاً، ثم تغير إلى إحساسٍ بضياعٍ تام داخلي عائم، أرغم نفسي على الالتزام بالعمل وأرغب في ألا أفعل شيئاً، إلا أن هنالك العديد من المهام التي تنتظر إنهائها.

أنهيت يومي بالاستماع لنسختي المفضلة من “على بلد المحبوب وديني” لغريد الشاطئ، لا زال يبهرني أثر الموسيقى على مزاجي وتأثره بما أستمع له على الفور.

الثاني عشر من نيسان

بدأت يومي بمصارعة النعاس، أنوي الاستيقاظ كل يومٍ باكراً وبدء يومي مع أذان الفجر، ولكن ينتهي بي المطاف بغفوةٍ تمتد لساعات بعد صلاة الفجر على الأريكة وأنا متلحفةٌ برداء الصلاة. ويا لدفء ولذة هذه النومة! “للأسف؟”

عندما استيقظت، وجدت الأرض مبللة بالأمطار، يبدو أن الليلة الماضية كانت ماطرة، أم أنه هطل أثناء غفوتي الممتدة.

منذ أيام وأنا أحلم بطعم الوصفة التي قرأتها في مدونة هيفاء القحطاني للتفاح المكرمل مع زبدة الفول السوادني. وأخيراً قمت بتجربتها لإفطار اليوم مع قهوة “يمن” الجديدة من نيسبرسو (أنتوي منذ مدة اقتناء آلة قهوة إسبريسو احترافية ولكن حتى انتهاء أعمال منزلي واستقرار الأمور عامةً أجلت ذلك). قررت تجربة ممارسة الصمت أثناء تناولي للإفطار وأن أتذوق كل قضمة بكامل حواسي، دون أن أقرأ أو أشاهد أي شيء. فعلت ذلك وأنا أراقب امتداد أشعة الشمس داخل النوافذ ثم اختفائها خلف الغيوم ثم إشراقها من جديد. أحب شعور الاتصال بالسماء. ومن المثير للاهتمام أنني احتفظت بالشبع بعد الإفطار لمدة طويلة، وأعتقد أنني سأكرر هذه الوجبة كثيراً في الأيام القادمة.

بعد انتهاء ساعات العمل، بدأت محادثات الفيديو مع إخوتي، تحدثنا لعدة ساعات تخللها الكثير من الضحك. أصبحت أكثر تأملاً للضحك وكيف يُعدّ رزقاً “وأنه هو أضحك وأبكى”، فعند نهاية أي يومٍ مليءٍ بالضحك، أمتن لهذه النعمة كثيراً وأدعو الله ألا أفقدها يوماً أياً كانت الظروف، فالضحك ينعش القلب ويطري الروح والجسد.

ولتتويج شعور اليوم، أنهيته ببعض المشي وأنا أستمع لـرباعيات الخيام التي تعرفت عليها أثناء سنوات الجامعة ولم أتوقف عن سماعها إلا بعد حفظها عن ظهر القلب، أسرح في كلمات الست (أعلم أنها ليست كلماتها ولكني حفظتها عن طريقها) “لا توحش النفس بخوف الظنون واغنم من الحاضر أمن اليقين”، وفي روايةٍ أخرى يقول كايروكي: كل حاجة بتعدي.

الحادي عشر من نيسان

أنهي اليوم بارتشاف شاي الزنجبيل بالليمون وقراءة بعض المدونات التي احتفظت بها لقرائتها في وقتٍ هادئٍ مستقطع، أحب صوت قرع أكواب السيراميك السميكة على الطاولة أثناء ارتشاف الشاي. لم أكن يوماً من الأشخاص الذين يفضلون الشاي على القهوة ولكن وجدت أن لكثرة تناول الأنواع العطرية العشبية أثراً يتفوق على الإكثار من القهوة.

لا أتذكر أين وجدت هذا النوع وهو من أنواعي المفضلة مؤخراً، ولا أمتلك رفاهية زيارة الأماكن التي أعتقد أنني قمت بشرائه من أحدها. أظن أنني سأبدأ بالبحث عن أنواعٍ بديلة لتلك التي شارفت على الانتهاء لدي.

كان شعوري اليوم غريباً جداً، خاصةً بعد تواصل أحد الأقارب وإبلاغه لوالدتي أن عمله قام بتخفيض راتبه إلى النصف. يبدأ التوتر بالانقضاض على عقلي وجسدي وأقارب حالة الهلع. أتخيل الحال الذي سيؤول إليه العالم، كيف سيكون حال العوائل التي سيستغني أرباب العمل عن معيليهم؟

دائماً ما يختلط لدي التعاطف مع الآخر والإحساس بألمه مع قبضة ألمٍ وتوترٍ تعتصر أحشائي وقد تفوق كثيراً من الأحيان ذلك الذي يعتري صاحب الموقف نفسه. لا أزال أعمل على إيجاد اتزان بين الاستمرار في التعاطف مع إخوتي البشر دون الذوبان في آلامهم حتى تفوق أي شعورٍ آخر.

 أذكِر نفسي أننا تحت رحمة الله وأن قلقي لن يقدم أو يؤخر أي نتيجة، أنني وعائلتي بخيرٍ وفضلٍ من الله ونعمة. يغيب عن ذهني عدة أيام واقعنا المختلف هذه الأيام وفجأةً يغرقني استيعاب أدق التفاصيل المختلفة ويغمر قلبي الشوق لإخوتي وأصدقائي. 

أحاول جعل استشعار النعم والامتنان لها عادةً ذهنية يومية علها تطغى على أصوات أفكاري السوداوية التي لازمتني أكثر مما ينبغي: ممتنةٌ لأنني لازلت أشعر بحماسٍ شديدٍ عند استخدام كوبٍ جديد، ممتنةٌ لتطلعي كل يوم إلى صباح اليوم الذي يليه، إلى الاستمتاع بإعداد وتناول الإفطار والقهوة بهدوءٍ وتروي هذه الأيام، ممتنةٌ للقدرة على الضحك والكتابة.