العاشر من نيسان

طلبت بعض الألوان المائية من مكتبة جرير، لا أعرف كيف يتحدث البعض عن تمكنهم من التوفير هذه الأيام أكثر من سابقها لأن ما يحصل معي هو العكس تماماً: فبسبب بقائي في المنزل وحاجتي للاعتماد على القهوة والمأكولات والأنشطة المنزلية، أكتشف كل يوم حاجتي للمزيد من المشتريات. أم هو تصرفٌ نابعٌ من توتر حظر الحركة الكامل؟ لا أدري.

عندما بدأت في تجربة الألوان المائية أصابتني دهشة وحماسة كنت أعتقد أنني قد نسيتها، أكاد لا أذكر آخر مرة قمت باستخدام الألوان المائية فيها، ربما منذ عشرين سنة عندما قمت باخيارها لتكون هديتي لعيد الفطر؟ كنت خلال السنوات الأخيرة أحاول سؤال نفسي “أوكلما اشتهيت اشتريت؟” قبل شراء كل ما يخطر إلى ذهني تجربته لمحاولة التخفف من “القرمبع” الذي لا يفارق أي مكان أقطنه.

تأملت انتشار اللون والماء في الورقة، ياه! ابتسمت ابتسامة عريضة، أحب وأقدر هذه اللحظات جداً، إعادة اكتشاف الدهشات الأولى التي كنا نعتقد أنها تركتنا وتركناها.

لطالما وددت تعلم الرسم، لدي العديد من الصور الذهنية التي أود نقلها والتعبير عنها لمجرد التفريغ. أتذكر الأيام حالكة الظلام التي كنت أمر بها العام الماضي وعدم قدرتي على التعبير عن سوداوية الشعور بالكلمات، فكنت أحاول وضع الصور الذهنية في كلمات تصف هذه الصور علني أستطيع رسمها يوماً.

ولكنني قررت هذه المرة ألا أتعلم الرسم وأن أترك نفسي للتجربة، تجربة استخدام الألوان والورق دون قواعد، واستجلاب الدهشة والحماسة الأولى في كل مرة.

التاسع من نيسان

يصادف اليوم يوم الوقوف على الميزان من كل أسبوع، وللأسف الشديد لا يزال الرقم الذي أراه على الميزان أيام الخميس يتحكم بمزاجي وشعوري اتجاه نفسي بقية اليوم.

معضلة زيادة الوزن ومحاولة إنقاصه هي معضلة صاحبتني نفسياً منذ بدأت ذاكرتي في العمل. على الرغم من أنني حين أعود للصور أكتشف أن شعوري تجاه نفسي وأنا أكبر لم يكن يعكس الحقيقة، فالحقيقة كانت أن وزني كان طبيعياً إلا أن تصميم الملابس والمقاسات حينها لم يكن يأخذ في الاعتبار تقسيم الأجساد بطرق مختلفة.

كان شعوري السيء يدفعني لمزيدٍ من الأكل السيء ومن ثم تحول الموضوع إلى أكلٍ عاطفي. أستمتع بطعم الأكل الجيد وعملت فترةً مع إحدى الشركات كمتذوقة، لكن شعوري لم يكن يزدد إلا سوءاً. لا أزال مستمرةً في محاولة إيجاد علاقة متنزنة مع الطعام، تجمع بين الاستمتاع به في حدود الأكل الطيب ذا الأثر الطيب وبين عدم شيطنة أصناف مختلفة من الطعام تجعلني أنظر لنفسي بدونية حين تناولها.

بعد عدة محاولات عبر السنين تفوق عدد شعر رأسي، تمكنت هذه العام- حمداً لله-من الالتزام لأطول فترة بنظام حياتي مختلف تغيرت معه عاداتي الغذائية وفقدت تقريباً نصف عدد الكيلوجرامات التي أنتوي خسارتها. ابتعت عدة أنظمة من فهد اليحيا، أنوّع بينها وأتبع نصائحه عامةً، ووجدت أنظمته ونصائحه واقعية وتمكنني من الاستمرارية. ارتاح جهازي الهضمي من سوء الهضم والارتجاع المريئي الذي كنت أعاني منه السنة الماضية بحدة خاصةً مع الالتزام بالصيام المتقطع لأربعة عشر ساعةً يومياً وبالخطوات واستيعاب دور البروتين والدهون الصحية والوجبات الكبيرة المتفرقة في إبقاء الشعور بالشبع فترةً أطول (عكس ما كنت أعتقده ويشاع من أن تناول ست وجبات صغيرة متفرقة هي أفضل ممارسة لنزول الوزن).

لكن الصراع لا يزال مستمراً لإقناع نفسي بعدم ربط قيمتها وشعوري اتجاهها بما أتناوله وبعدد القرامات التي خسرتها. أفشل في ذلك أغلب الأحيان، حيث لا يزال الرقم على الميزان كل أسبوع هو الذي يحدد انقباضة قلبي واتساعه حتى صباح اليوم التالي.

الثامن من نيسان

انتهيت من الاستماع لحلقة “مراحل نمو الأسرة” (أرفقت الرابط بالأسفل) أثناء محاولة إنهاء الخطوات التي أهدف إلى إنهائها خلال اليوم، أثناء المشي والاستماع لها مرت لقطات من شريط حياتي وطفولتي أمامي. تمنيت سريعاً وجود مثل هذه المحادثات في صغري علَ  التشافي والتعافي والقدرة على الاتزان كانت ستكون أقل ألماً وجهداً، ولعل القدرة على وزن الأمور المتعلقة بالزواج والنظرة الواقعية للعلاقات ومراحلها كانت ستكون أكثر نضجاً.

وأقول “سريعاً” لأنني أحاول تعويد نفسي على عدم تمني أشياء مضت لم يكن بيدي تغييرها ولم أمتلك حينها الأدوات والمعرفة اللازمين لذلك. وصلت إلى نقطة أقنعت بها عقلي أن ما مضى من أمور الدنيا كالطفولة والظروف مما لم يكن لنا يدٌ فيها أو قدرةٌ على اختيارها هي من الأمور القدرية المكتوبة علينا، ولا يخلو أي ماضٍ من شوائب وشوائك. ولكني لا أزال أحاول استمالة قلبي إلى القطع بذلك أيضاً محاولةً لاستشفائه من الغضب والمقارنات مع السيناريوهات المثالية التي تشبعت بها أنفسنا قراءةً ومشاهدةً واستماعاً حتى وإن لم يكن كلكل ذلك صلةٌ بالواقع.

قطعت وعداً على نفسي العام الماضي أني سأبذل ما بوسعي من وقتٍ وجهدٍ ومالٍ وطاقة في محاولة إيجاد طريقي نحو الاتزان والتوازن. في العديد من الأحيان يبدو لي الطريق طويلاً، وعراً، شاقاً ومنهكاً ويبدو أحياناً بلا نور في نهايته، إلا أن نتائج سلوكه تتبدى لي حين أقارن شعوري في هذه اللحظات على الرغم من الشوائب التي لا تزال عالقة وعلى الرغم مما يمر به العالم أجمع بشعوري في جميع فترات حياتي السابقة، وأجد أني بفضل الله في مكانٍ أكثر اتزاناً ولا أتمنى العودة إلى السابق ولو عاماً واحداً. لا أعلم كيف يتمنى العديد العودة في سنينهم إلى الخلف، فعلى الرغم من أن النضج عملية غير مريحة إطلاقاً، إلا أن الفهم والحكمة والعمق اللذين يصاحبون هذه العملية يستحقون بعض الشيب الأبيض المتطاير وتغيراً في عدَاد العشرات.

مراحل نمو الأسرة مع هبة حريري: https://podcasts.apple.com/jo/podcast/%D9%85%D8%B1%D8%A7%D8%AD%D9%84-%D9%86%D9%85%D9%88-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A9/id1499282492?i=1000467936675

السابع من نيسان

كان يومي طويلاً ومليئاً ابتداءً بالاجتماعات والعمل والتعرف إلى عمل الفرق الجديد والتواصل مع شركات الشحن لملاحقة طلباتي، وانتهاءً بمحاولة الاستمرار في التمارين الرياضية، حضور جلستي الأسبوعية مع الأخصائية، وكتابة قوائم بالخضراوات التي قد أحتاجها خلال الأسابيع القادمة حتى أستطيع التواصل مع محل الخضار العضوية الذي أتعامل معه وطلبها غداً.

قررت أخذ حمِامٍ ساخن طويل، أفضل عادةً الاستحمام في بداية اليوم، لكن فعل ذلك في نهاية اليوم يذكرني بالطفولة وإيذان ذلك بانتهاء اليوم حينها. تتقافز إلى ذهني العديد من الأسئلة: هل يجب علي طلب المزيد من منتجات الشعر الخاصة بي؟ أجد صعوبة في إيجاد منتجات تناسب شعري الـ”ملفلف”، فقد لا أتمكن من فعل ذلك بعد فترة من الآن نظراً للحالة العامة للعالم، أجيب نفسي: أهذا حقاً ما سيهمني إذا حالت الأمور للأسوء، ثم أرد: لكنني أرغب في أن أحافظ على شكلي مقبولاً على الأقل بالنسبة لي.

شكراً للمحادثات المستمرة داخل ذهني لا أحظى بالعديد من اللحظات المملة.

أعادني تأخر شخص عزيز في الرد على رسائلي لمخاوف الطفولة الأولى، ولاحظت أن أول ما يخطر إلى ذهني عند حصول ذلك هو ما إذا كنت فعلت شيئاً خاطئاً أغضب ذلك الشخص مني حتى وإن لم يبدر مني أي شيء، أتمنى أن أستطيع يوماً تجاوز هذا الإحساس بعدم الأمان الذي يقبع دائماً في زاوية مشاعري.

توصلت إلى أنني سأكتب وأنشر تدويناتي كيفما اتفق، لن أراجعها كثيراً وأصر على أن تكون في صورة مثالية لأنني في هذه الحالة لن أكتب شيئاً سوى مرة كل ستة أشهر أو سنة. أود الاستمرار في هذه التجربة فقط من أجل التجربة وكسر التوقعات المثالية من نفسي التي كثيراً ما منعتني -ولاتزال- من البدء في العديد من الأمور.

السادس من نيسان

قضيت اليوم في تركيب طاولة تصلح مكاناً للتخزين أيضاً، حيث كان يفترض بي أن أقطن لدى عائلتي مؤقتاً وأن نتسلم الشقة بعد الإصلاحات التي استمرت عدة أشهر خلال أسبوعين، لم يتوقع أحد أن يحصل ما يحصل الآن في العالم، كما تواصل معي اليوم مدير الفريق الذي انتقلت إليه هذا الأسبوع وذلك لأن القسم السابق الذي كنت فيه قد ذاب في عملية إعادة الهيكلة.

لا شيء يبدو مستقراً، وأحياناً عندما أسترجع حياتي عامةً أجدها عبارة عن مراحل عدة من عدم الاستقرار والتحرك والتغير المستمرين. وصلت إلى استنتاج منذ مدة عندما بدأت أسائل نفسي كثيراً: متى سأحظى ببعض السكينة وأستريح من عناء ووعثاء التنقلات الداخلية والخارجية المستمرة؟

ووصلت إلى أنه لا يوجد مستراح ومستقر ومستودع في هذه المرحلة من حياة الإنسان، فهي رحلة مستمرة يتغير فيها وتتقلب فيها أحواله، يبحث فيها فيجد ما يجد ويفقد ما يفقد. وأن أحد مصادر قلقه المستمرة هي بحثه عن الاستقرار الأبدي في هذه الحياة، التي لا ثابت فيها سوى التغير وتقلب الحال.

أتوق إلى السكينة مع كل ما يحصل في حياتي وفي العالم، كلما أحسست أن القلق بدأ يستشتري في نفسي وبدأ تكاثر الأفكار المخيفة، أحاول تذكير نفسي أنه سبحانه المتصرف في هذا الكون وأنه ليس لي من الأمر شيء، أدعو الله باسمه اللطيف أن يلطف بأفئدتنا ونفوسنا وأن يذهب عنا هذا الحزن وأن يتفضل علينا بالثبات والسكينة والسلام والتسليم.

(تم اليوم إعلان فرض حظر الحركة الكامل في مدينة الرياض، لم أكن أخرج في الفترة الماضية إلا كل ثلاثة أسابيع من أجل شراء حاجياتي، لكن الوقع النفسي للخبر غريب).

الألفة

لم أْعتقد يوماً أن للألفة كل هذه المساحة في حياتي وعقلي ومشاعري، الألفة التي تجعل صوت الأم هو أول صوت يألفه المولود وأول دفء يستريح إليه ويركن، التي تجعل من علاقتنا مع إخوتنا رغم كل الاختلاف -والخلاف أحياناً- مختلفة عن أي علاقة بشرية أخرى.

وكأنه تبين لي فجأةً كيف كنت طوال حياتي أهرب من شعور عدم الألفة وأفر منه فراراً، كانت أول أيام العودة للدراسة بداية كل عام تعد كابوساً بالنسبة لي، أصر على أمي كي تصطحبني حتى بلغت الحادية عشرة من عمري، وقبل المرحلة الابتدائية كان بكائي وسط الساحة ورفضي لدخول الفصل وطلبي لأمي يعد روتيناً صباحياً، “اشعر بالرغبة في التقيء، أريد العودة للمنزل” جملة كررتها مرات وكرات على أمي حيث أنني لم أكن اعرف بعد أن ذلك الشعور الذي يعصف بالمعدة يسمى توتراً وقلقاً.

محاولة الانخراط والانتماء كانت كابوساً بالنسبة لي، ربما ما جعلني أرى كل شيء بهذا الوضوح حالياً هو أنني بدأت عملاً جديداً هذا الأسبوع، ولعدة أسباب ظاهرة وأخرى لا أعلمها شعرت بأنه أغرب أسبوع مررت به خلال حياتي، كل شيء بدا غير مألوفٍ فيه، كل ما يحدث بدا خارج أي “سيناريو” معتاد، كنت أعود كل يوم إلى المنزل لأحاول لم هذا الشتات الذي أشعر به. كنت أقول في نفسي ربما هو حجم المكان واختلافه عن ذلك الذي أتيت منه، كل شيء يبدو غريباً في البداية، لكنه ثالث عمل ألتحق به وسبق لي العمل في مكان يماثله ضخامة ولم يغمرني هذا الشعور بالغربة.

لا أريد الحكم سريعاً، ولكنني استقريت على أنه سواء استمريت في هذا المكان أو غلب شعوري بعدم الألفة قدرتي على الاستمرار، فإنه قدر لي الوجود في الوقت الحالي في هذا الظرف والمكان، وكل شيء له حكمة لا تتجلى لي حالياً -وقد لا تتجلى لي أثناء حياتي-، ولكن ربما علي أن أتعلم شيئاً كنت ظننت أنني تعلمته وتخطيته، إلا أن هذا المكان أعادني إلى ذلك الشعور الأول: رغبتي الخفية -حتى عن نفسي- في أن يتم قبولي وتقبلي من المحيط الذي أتواجد فيه، ألا أقف موقفاً أشعر فيه بالاغتراب عن الآخرين وعدم القدرة على الانخراط معهم حتى وإن كان يعني ذلك ألا اكون نفسي الحقيقية حولهم.

بدأت أرى وألاحظ حولي دور الألفة في حياتنا، “وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا”، “وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً”، “وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ”،  تلك الألفة البِكر التي أحس بها وقت الفجر والسكون الذي يلف الكون ويثبت فؤادي خلال مثل هذه الأيام.
وكما أن للإنسان قدرةٌ هائلة على التكيف، فإنه يتوق ويحن إلى المألوف، ولذا كانت الألفة الأولى للإنسان هي ألفته مع من نفخ فيه من روحه، ألفته مع خالقه ومسويه، مع من هو أقرب اليه من حبل وريده، ألفة باقية أبد الدهر، لا يغيرها حال ولا مآل. وكلما استوعب هذا مبكراً كلما استطاع أن يتجاوز ويتخطى ويتقوى ويستغني بهذه الألفة عما سواها من المتغيرات.

من أنا؟

لا أعرف كيف أعرف نفسي.

لطالما احترت-ولا زلت- عن كيفية فعل ذلك، هل أنا اسمي، تخصصي، مهنتي ومسمايَ الوظيفي، أم أن نشأتي، بيئتي وجيناتي هي التعريف الأدق لي؟ هل أنا المدينة التي ولدت بها أم أنني المدينة التي يعود إليها أصلي؟

أشعر بالانتماء إلى كل شيء ولا أنتمي إلى أي شيء.

هل أنا من أكون عليه أثناء وحدتي، أثناء عملي، أم مع الآخرين؟

لازلت أتعثر في محاولة التعرف إلى نفسي وإيجاد نقطة توازن لي، نشأتي التي حملت التنوع والعديد من الأضداد جعلتني أتقبل المختلف ولا أنكره أو أستنكره لأنني كنت العديد من المرات أمثل ذلك “المختلف”.

وبالتالي أنا هي جل تلك الاختلافات والتنوعات والأضداد، درست الجامعة وتخصصت في تخصصي هرباً من الروتين ووقعت فيه، لا أزال أتنقل بين الوظائف والأماكن في محاولة لإيجاد ما يناسبني، وأفعل ذلك في حياتي أيضاً.

كانت دائماً المدونات والكتب عامةً مرجعاً لي عندما أشعر بعدم الانتماء، أطمئن إلى أن ما يدور في حياتي ونفسي لا يقتصر علي باختلاف أشكال وقوعه في حيوات أخرى، وأجد في الكتابة مستراحاً لي، لذا قررت بدء هذه المدونة وهو الأمر الذي أجلته سنيناً طويلة تردداً مني لعدم ارتقاء جودة كتاباتي ومواضيعي إلى مستويات المدونات التي أتابعها.

لذا آمل أن يجد من يقرأ هذه المدونة سلوانا وسلوَاً كالذي كنت ولا زلت أجده في المدونات والكتابات الأخرى. استرسلت في التعريف عن نفسي حتى خرجت عن صلب الموضوع، وهو ما ستجدونه يتكرر هنا كثيراً للأسف.