الأسبوع الأول من أيلول

كان الأسبوع الماضي مليئاً بالركض المادي والمعنوي، ففي العمل حصلت العديد من التغييرات من ضمنها تثبيتي في القسم الذي لا أفضله والذي كنت معارةً له في البدء، ثم بعدها بيوم نقلي إلى قسم آخر جديد الإنشاء وسيكون فيه الكثير من الفوضى إلا أن التثبيت لم يكتمل على الأقل.

استيقظت يوم الجمعة -وهو أحب الأيام إلي- بنفسٍ مثقلة. خططت للذهاب بعد شروق الشمس إلى حديقتي المفضلة التي تطل على وادي حنيفة علّ شعور الاختناق هذا يُزاح، خاصةً أنني كنت خلال الأسبوع أحاول التأقلم مع الجيران الجدد الذين يقوم أطفالهم باللعب والصراخ بشكل مستمر في الممرات أمام الشقق، هناك درجات من الصراخ المستمر التي تجعلني أشعر باختراقها لجمجمتي.

ذهبت إلى الحديقة، مشيت كثيراً، تعرضت للهواء والشمس، بعدها ذهبت لتناول الإفطار في أحد أماكني المفضلة بعد انقطاع أسبوعين عن أي طعام غير منزلي. لكن الشعور لم يفارقني للأسف.

لكي أكون حقيقيةً مع نفسي، أخشى الاعتراف بهذا الشعور المألوف الغير مرغوب، تلك الحفرة العميقة التي دخلتها قبل عامين، أشعر بأنني على حافتها مرةً أخرى وبأنني بدأت في الانزلاق.

أشعر بالاكتئاب يبتسم بخبثٍ ويظهر أنيابه مجدداً، ذات الأسباب باختلاف أشكالها. أشعر بالأشياء تبدأ بفقدان طعمها وألوانها، أشعر بالمسافة بين ما أشعر وما أُظهر تزداد اتساعاً، أحاول مصارعة الأفكار السوداوية التي تبدأ بالتكالب والانقضاض كحيواناتٍ مفترسةٍ تم تجويعها.

أحياناً يخيل لي أن لدي هذه الغرفة الخفية المظلمة في عقلي، عندما أكون حول الآخرين تختفي وأستطيع التحدث والضحك وإبقاء كل شيء تحت السطح، وما أن أخلو بنفسي حتى يُفتح باب الغرفة ويطل هو بكل أذاه.

لم أكن أطلق عليه أي مسمى سابقاً حتى سمته الأخصائية لي، كنت أعتقد أن هذا الشعور الذي يلاحقني كظلٍ حتى في أكثر اللحظات بهجة هو جزء لا يتجزء مني، واعتقدت أنه جزء من تكوين البشر أيضاً طالما أنني لا زلت أأكل وأشرب وأعمل وأتحدث، إلا أن كل هذا فيه قتالٌ ومقاومة مستمرة لنفسي، لأنني أعرف أنني إذا لم أقاوم السقوط في هذه الهوة السحيقة بكل ما أوتيت من طاقة وحاولت الهرب في الاتجاه المعاكس ستبتلعني، وسأحتاج لجهود مضاعفة للخروج منها.

أحياناً عندما يمر يومٍ دون غرق في هذا الشعور أفكر: يا ترى أهكذا يشعر من ليس لديه هذا الظل؟ يا للخفة.

أشعر بأنني أعود لنقطة الصفر في كل مرة، أن الحياة تعيد نفسها بطرق مختلفة، لا أستطيع مشاركة مشاعري وأفكاري القاتمة مع الآخرين لأنني أبدو كشخص متصالح ومسيطرٍ على كل أمور حياته إضافةً إلى أن هناك أفكاراً خاماً قد لا تراود أصحاب الأذهان الوديعة ولا أفضل فتح أبوابٍ مغلقة للآخرين أو المخاطرة بذلك. لدي صديقة أستطيع مشاركة القتامة معها دون خوفٍ من ذلك لأننا نتشارك هذا الظل، لكن أصبحت هنالك مسافةٌ كبيرة بيننا مؤخراً، فكلٌ منا اختارت طريقاً مختلفاً كلياً عن الأخرى للتعامل مع ظلها.

هذه المرة تبدو مختلفة -ككل مرة- لكنها أول مرة أكون قد بذلت فيها كل ما وسعي كي لا أفقد اتزاني إلا أن الدائرة تبدأ بالانغلاق مرة أخرى بشكل أكثر إحكاماً من المرات الماضية.
أتمنى ألا يكون الليل سرمداً وأن يأتيني الله بضياء يخترق ظلمته وظلمتي.

4 comments

  1. K H · سبتمبر 7

    أتمنى أن تختفي هذه السحابة الثقيلة ليحل محلها نسمات الهواء العليلة.

    إعجاب

  2. As.wy · سبتمبر 7

    احتيال الإكتئاب : ما أن أخلو بنفسي حتى يُفتح باب الغرفة ويطل هو بكل أذاه.
    فليأتِك الله و يؤتنا الضياء و القبس بعد كل هذه الظلمة .
    أحبُّ النفوس المناضلة ضدَّ السقوط ، أحترمها جدًا ،و كم أحببتُ الكلمات التي لا تفتأ تنكل بالحزن و تفضحه كاشفة عن ثباتها رغم الوهن 🧡

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s