ضاعت وسط الزحام

يقول طلال مداح رحمة الله عليه: “تسعة وعشرين عام ضاعت وسط الزحام”، ويقول الدكتور غازي القصيبي رحمه الله: “خمسٌ وستون في أجفان إعصارِ، أما سئمت ارتحالاً أيها الساري؟”

اليوم أكمل واحداً وثلاثون عاماً على كوكب الأرض، ضاعت وسط الزحام ووسط أشياءَ أخرى عديدة، وقد سئمت الارتحال وأتوق جداً إلى حط الرحال، في هذه الدنيا التي تبدو أحياناً حقيقية جداً وطويلةً جداً وأبدية وأحياناً أخرى يعينني في تخطيها فكرة أنها مؤقتة قصيرة جداً وأننا يجب أن نعاملها (كراكبٍ استظل تحت ظل شجرة ثم راح وتركها)، وأعتقد أن من يملك وضعها في هذا الموضع فقد ملك الدنيا وما فيها.

البارحة تذكرت فجأة أن اليوم يصادف يوم ميلادي، وخطر في ذهني حينها أنني أرغب في قضاء اليوم بهدوء، أن أعود من العمل وآخذ قطعةً من كعكة التمر بدقيق اللوز التي خبزتها يوم السبت لأتناولها مع نعانيع المدينة، وأجلس لأقلب السنة الماضية في ذهني. خطر لي أن أعود لأقرأ ما كتبته السنة الماضية (لأقارن التغيير) لكنني أحسست أنه من الأفضل أن أفكر وأكتب بناءً على ما يملؤ ذهني وقتها وبناءً على إحساس اللحظة.

إلا أنني أنهيت ليلتي بمكالمة قصيرة في ظاهرها ولكنها تسببت في ضغط كل “الأزارير” التي أعمل جاهدةً على ضبطها، لكني الآن لا أقاوم ذلك ولا أغضب، بل أحس بضعفٍ بشري شديد وبشكٍ عميق في جدوى ما أعمل عليه جاهدة. ويستمر ذات السؤال بالظهور على السطح، أتذكر ظهوره أول مرة في أحد الصباحات في طريقي للعمل عندما استمعت إلى آية “ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض مالها من قرار”، حينها خنقني هذا السؤال: هل أنا شجرةٌ خبيثة؟ هل يمكن لتعفن الجذور أن يعالج للأبد أم أنه يختبئ تحت السطح ليعاود الظهور دائماً مرة أخرى؟

أتأمل السنة الماضية، أتأمل القيعان الجديدة والأكثر عمقاً التي وصلت لها ولم أرَ للنجاة سبيلاً، محاولة التسليم المليئة بالأسئلة والألم والضياع. لا زلت لم أجد وزنيةً أستطيع الانطلاق بها ومنها بثبات واتزان. لا أعلم إن كان هذا نهائياً لكنني أشعر أنني وصلت إلى نهاية قصتي مع جلسات العلاج. كانت كثيرة الفائدة في العامين الماضيين، ساعدتني في “فكفكة” كل ما كان مشوشاً ومركباً ومعقداً وهي أمور شديدة الثقل، لكني فجأة وجدت نفسي في الهواء إن صح التعبير. فلا منهجية متينة أستطيع استخدامها لتحسس طريقي ولأعيد تعريف نفسي وعلاقاتي وجذوري، ولا أسس ثابتة تتجانس مع الواقع والمعطيات تمكنني من الاتصال بما تم تفصيله بشكل لا يؤذيني دون الانقطاع عنه تماماً لاستحالة ذلك.

وكأن الهواء والخواء يحيطان كل شيء، ولا أمتلك رفاهية إيقاف كل شيء آخر يجري والجلوس والتبحر والتمعن والتقصي لمحاولة لم هذا الشتات وإعادة تعريف وتثبيت الأساسات.

أتمنى أن أمتلك القدرة على مواجهة حقائق الحياة دون تجميل ودون جزع، أن أتمكن من الإحساس بالألم هذا دون أن يأكل جزءاً من روحي في كل مرة، وأن يغمرني الله بطمأنينة ورضى ويقين يغسل بها قلبي وينزع عنه القلق الذي عُجن به وأن يشفي ظُلمته، وأن يدلّني على أسباب ذلك.

2 comments

  1. أسماء · أغسطس 24

    أعوام سعيدة ومديدة بالصحة والعافية والطاعة يارب ❤
    ‏تذكرت ما كتبت هديل الحضيف رحمها الله “كل عام وأنا بخير جداً، كل عام وأنا أجد في نفسي ما يستحق الاحتفال، كل عام وأنا أعثر على مبرر جديد لأحبني!”

    Liked by 1 person

  2. محاولة · أغسطس 26

    آمين لي ولكِ يارب 🤍🤍✨
    ممتنة للطفك 🙏🏼

    إعجاب

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s